الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

مرحبا بأحباب الله وحبيبه المصطفى

صلى الله عليه وآله وسلم

( سجلوا معنا وساهموا ) بأرائكم البناءة

نحو مجتمع صوفى خالى من الشوائب

وأزرعوا هنا ماتحبوا أن تحصدوه يوم العرض

على الكريم الرحمن الرحيم

أهلاً بكم ومرحباً

الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

منتدى لمحبي الله ورسوله الذاكرين الله ومكتبة صوفية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شرح الحكم الرفاعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:17 pm


شرح الحكم الرفاعية
***
كتاب قلائد الزبرجد

افتتاحية الكتاب
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد سادات المرسلين. سيدنا ونبينا ومولانا النبي العربي الزكي الأمين. محمد أبي القاسم علة المخلوقين. وعلى آله وأصحابه الكرام الطاهرين أجمعين. وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فيقول أضعف عباد الله. المتوكل في كل أحواله على الله. محمد أبو الهدى. ابن السيد حسن وادي. ابن السيد علي ابن السيد خزام ابن السيد علي الخزام ابن السيد حسين برهان الدين الرفاعي البصري ثم الخالدي المخزومي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين.
        قد تنورت بالوقوف على كتاب حكم الغوث الأكبر. والعلم الأشهر. شيخ سلاطين الشيوخ. ومرجع كُمَّل أهل التمكن والرسوخ. قطب الأقطاب. وملجأ الأفراد والانجاب. البحر المطمطم. الذي رفع الله رتبته على أوليائه بأن شرفه علنا بتقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم. القطب الجامع الشريف. والإمام السند الغطريف. مولانا وسيدنا ومفزعنا مرجع الجليل والحقير. صاحب الشجرة أبي العلمين شيخ العواجز السيد الشيخ أحمد الرفاعي الحسيني الكبير. قدس الله أسراره. وضاعف بفضله أنواره. آمين. فلما قرّت بمطالعة حكمه العين. وكشف الله ببركة تدبرها وقراءتها عن القلب حجاب الغين. تحركت الهمة القلبية لشرح معانيها الجليلة. وإيضاح ما انطوى فيها من وجيز المعاني الجزيلة. مقتصراً فيها على المقاصد اللازمة في أسلوبها الكريم. مستمداً من الله ببركة ولاية صاحبها أن يسلك بي سبحانه الطريق المستقيم. فإنه لا يُلتجأ، وحقه، إلا إليه. ولا يُعوَّلُ في كل الأمور إلا عليه. فتم بحمد الله المطلوب. وحصل المرغوب. فكان تعليقاً لطيفاً. وشرحاً شريفاً. وسميته قلائد الزبرجد. على حكم مولانا الغوث الشريف الرفاعي أحمد. أيدنا الله ببركة ولايته ونفحاته. ونفعنا الله والمسلمين بعلومه الشريفة وبركاته. آمين. وقد طاب لي أن أكتب المقدمة التي ذكرها جامع الحكم الأحمدية المذكورة. صاحب العوارف المأثورة. والمناقب المبرورة. علم العلماء. ونتيجة الفقهاء. الولي المقرب من الجناب الباسطي. مولانا الإمام علي أبو الفضل الشافعي الواسطي. قدس سره للتبرك بعبارته. وحصول النفع بإشارته. قال نفعنا الله به.
 
مقدمة الشيخ علي أبو الفضل الواسطي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا ونبينا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
        أما بعد فيقول فقير رحمة ربه علي أبو الفضل الواسطي الشافعي أحسن الله إليه بالعفو والمغفرة آمين. رأيت في خزانة الحبر الجليل العريق الأصيل الشيخ عبد السميع الهاشمي نفعنا الله بعلومه هذه الرقاع بخط السيد الكبير والولي المُقدَّم الشهير شيخ المشايخ الجبل الراسخ بحر المعارف وكنز العوارف رب اليد البيضاء والمنقبة العظمى تاج أولياء عصره أبي العباس القطب الشريف السيد أحمد محيي الدين صاحب العلمين ابن السيد الجليل ولي الله أبي الحسن علي الحسيني الرفاعي قدس الله سره ورضي عنه وقد كتب على حاشيتها شيخنا الشيخ عبدالسميع الهاشمي بخطه هذه حكم الغوث الشريف سيدنا السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه. تكرَّم بها علي وأمرني بحفظها وهي من أنفس الذخائر لمن وفقه الله تعالى.  انتهت بحروفها.
 
ترجمة الشيخ عبد السميع الواسطي
 
        قلت الشيخ عبد السميع الواسطي الهاشمي الذي ذكرهُ صاحب المقدمة هو من أعيان نجباء بني العباس ومن أفضل علماء عصره كان من أكابر واسط ومن خواص أفاضلها أهل العلم والدين ثقةً إماماً حسن الرواية معروفاً بالصدق والزهد والعبادة وهو من أجلّ خلفاء مولانا السيد أحمد رضي الله عنهما. وتنتهي نسبته إلى الأمير الشهير الهاشمي الكبير جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
        قال شيخ الإسلام حافظ العصر عبد الرحمن جلال الدين السيوطي قدس سره في كتابه رفع البأس عن بني العباس ما نصه عبد السميع ابن أبي تمام عبدالله ابن عبد السميع الهاشمي أبو المظفر الواسطي من ذرية جعفر بن سليمان الأمير قرأ القرآن على المبارك ابن اطرواس والقلانسي ورحل إلى بغداد فقرأ على أبي الخطاب الجراح وثابت بن بندار وسمع من جعفر السراج وعدة روى عنه ابن سكينه وابن السمعاني وكان عابداً صواماً ولد سنة ست وستين وأربعمائة ومات في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة . انتهى.
        وقد أيد الله هذه العائلة المباركة العباسية بخدمة سيدنا السيد أحمد والتلقي عنه فإن ولد مولانا الشيخ عبد السميع الهاشمي الواسطي المشار إليه. الشيخ الحجة القدوة العلامة الفهامة ولي الله شرف الدين محمد ابن عبد السميع الهاشمي الواسطي. هو الذي جمع كتاب البرهان المؤيد رواية من فم شيخنا وملجأنا مرشد الإسلام وشيخ الخواص والعوام السيد أحمد الكبير رضي الله عنه. وبالجملة فهم أهل بيت رفع الله بهم أعلام الطريقة الأحمدية وشيَّد بهم معالم السُنّة السَنية المحمدية. ولنرجع للمقصود فنقول: قال سيدنا صاحب الحكم رضي الله عنه:
 
مقدمة الحكم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. من العبد اللاش أحيمد إلى الشيخ المحتشم أخينا عبد السميع الهاشمي كان الله لنا وله وللمسلمين آمين. أي أخي أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأحب أن تحرص على نصيحتي هذه فهي نافعة لك ولأمثالك إن شاء الله وإياك أن تودعها غير أهلها فتظلمها. ابتدأ رضي الله تعالى عنه كتابه المبارك بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع وامتثالاً لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليّ فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة وقد ذكر الصالحين الكرام بخير وحقق نفسه الزكية بمقام العبودية فَعَنْوَنَ نفسه الرضية بالعبد تمكناً ووقوفاً عند حد العبدية الذي هو منتهى كل مخلوق طهّر الله قلبه من لوث الأغيار ثم وصف نفسه باللاش أي الذي لا شيء ولا على شيء انقهاراً تحت سطوة الربوبية وتجرداً من علائق النفس والبشرية واستناداً محضاً إلى الله تبارك وتعالى ثم اتبع كل ذلك تأكيداً بتصغير اسمه المبارك فقال أحيمد وعظّم مخاطبة حال كونهُ من أصحابه وأتباعه فوصفه بالشيخ المحتشم وصدّر وصيته له بتقوى الله واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم اقتداء بالنبي المكرَّم صلى الله عليه وسلم فإنه قال عليه الصلاة والسلام لرجل قال له أوصني عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير وقال عليه الصلاة والسلام من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد ثم أمره بالحرص على نصيحته حرصاً على حصول النفع لأخيه المسلم عملاً بقول الله وتعاونوا على البر والتقوى وتحققاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقد أوضحت معنى هذا الحديث الشريف في رسالتي داعي الرشاد حسبما قرره أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فقلت النصح لله تعالى هو الإقرار والتصديق بوحدانيته وكماله وقدرته وتنزيهه عن كل نقص مع الخضوع له والرضا منه في كل حال والائتمار بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه والنصيحة لكتابه تعالى حفظه من التحريف والتأويل الباطل وتعظيم أحكامه الشريفة بالتأويلات الصحيحة وقرائنه وتلاوته بالأدب والتجويد ورعاية معانيه وتعليمها لذي القدرة من عباد الله تعالى والنصح لرسوله صلى الله عليه وسلم التصديق بكافة الأحكام التي جاء بها صلى الله عليه وسلم مع حسن التخلق بأخلاقه الجميلة الشريفة والعمل بطريقته وشريعته والترغيب بالوسائل الممدوحة للتأدب بآدابه عليه الصلاة والسلام والنصح لأئمة المسلمين يعني من حاز الإمامة الكبرى والخلافة العظمى هو أنه إذا غفل الأمير حسب البشرية عن قضية لازمة في ملكه لإصلاح أمر الرعية وتشييد الأركان الدينية يعرض له الناصح حقيقة الحال بحسن التعبير بلا غرض ولا آمال وأن يجمع له القلوب النافرة عنه ويجلبها بالأساليب الممدوحة لمحبته ويدفع عنه حركة الفساد ويقطع بحسن نصيحته عنه ألسنة أهل البغي والعناد ويشتغل بصالحه وقضاء مصالحه على مقتضى إمكانه والنصح للمسلمين هو الشفقة عليهم والتعظيم لكبيرهم والمرحمة لصغيرهم والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم وهذا هو المقصود من قوله تعالى في كتابه الكريم والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله وقد حذر رضي الله عنه خليفته الشيخ عبد السميع قدس سره من إيداع الحكمة غير أهلها لأن الحكمة إذا استودعت عند غير أهلها الذين لا يعرفون قدرها ولا يدركون شرف النتيجة المقصودة منها ويهملونها فتضيع وتبقى في زوايا الكتمان محجوبة عن أهلها فتظلم وما أحسن قول القائل:
ومَن منح الجهال علماً أضاعه
 
ومَن منع المستوجبين فقد ظلم

  وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}النساء.58  فإنه وأن يكن سبب نزول هذه الآية خاصاً فإن معناها شامل عام ونتائجه لا تخفى على ذي طبع سليم
 
ونبدأ سرد الكم بتوفيق الله
,,,,,,,,,,,,

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عدل سابقا من قبل سيداحمدالعطار في السبت 18 مارس 2017, 10:43 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:20 pm


ثم قال مولانا الإمام أحمد الرفاعي  رضي الله عنه
أي عبد السميع:
1-   "الفقير إذا انتصر لنفسه تعب وإذا سلّم الأمر إلى الله تعالى نصره من غير عشيرة ولا أهل".
 
 أراد بذلك التفويض إلى الله والتسليم له سبحانه والتوكل عليه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن من أخلاق المؤمن قوة في دين وحزماً في لين وإيماناً في يقين وحرصاً في علم وشفقة في ثقة وحلماً في علم وقصداً في غنى وتجملاً في فاقة وتخرجاً عن طمع وكسباً في حلال وبرّا في استقامة ونشاطاً في هدى ونهياً عن شهوة ورحمة للمجهود وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب ولا يضيّع ما استودع ولا يحسد ولا يطعن ولا يلعن ويعترف بالحق وإن لم يشهد عليه ولا يتنابز بالألقاب في الصلاة متخشعاً إلى الزكاة مرعاً في الزلازل وقوراً في الرخاء شكوراً قانعاً بالذي له لا يدّعي ما ليس له ولا يجمع أي يعزم في الغيظ ولا يغلبه الشح عن معروف يريده يخالط الناس كي يعلم ويناطق الناس كي يفهم وإن ظلم وبُغى عليه صبر حتى  يكون الرحمن هو الذي ينتصر له وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتُ الأمن بالموسم فرأيت أمتي قد ملأت السهل والجبل فأعجبني كثرتهم وهيأتهم فقيل أرضيت قلت نعم قال ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب لا يكنزون ولا يبطرون ولا يسرفون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة الأسدي فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  اللهم اجعله منهم فقام آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة وقال عليه الصلاة والسلام لو توكلتم على الله حق اتكالكم لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
        قلت ولا يُخفى أن التوكل الرضا بأفعال الله تعالى عزَّ وجل  وإلا فالسعي بأمر الرزق والتدبر لدفع المضرة داخلٌ تحت أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:  {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِه}الملك15. فأمر بالسعي في طلب الرزق وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل جاءه على ناقة فقال يا رسول الله أدعها وأتوكل فقال أعقلها وتوكل فمن هذا علم أن التوكل الاكتفاء بالله والاعتماد عليه وإسقاط النظر إلى الأغيار والأسباب والإخلاص برابطة النية مع الله سبحانه وتعالى وإلى الشكوك والتفويض إليه جلّت عظمته وحسن الظن به في جميع الأحوال وهو سبحانه ظهير اللاجئين وموئل المتوكلين.
2-    قال المؤلف رضي الله عنه: "العقل كنز الفوائد وكيمياء السعادة".  
ورد في الخبر أن أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك بك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب وبك أعز وبك أذل. وجاء في الحديث: الناس يعملون الخيرات وإنهم يُعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم. وقال المؤلف رضي الله تعالى عنه في كتابه البرهان المؤيد ما نصه قال علي أمير المؤمنين عليه السلام:
دواؤك منكَ وما تُبصرُ
وتزعم أنك جُرْمٌ صغيرٌ

 
وداؤك فيكَ وما تشعرُ
وفيك انطوي العالمُ الأكبرُ

العالم الأكبر العقل وقد انطوى بك ومن العالم المطوي فيك يظهر لك جرمك الذي استصغرته إذ لولا وصول جُرمك إلى الغاية التي تحيط بذلك العالم الأكبر وتليق له لما صار محلاً للعالم المذكور فخذ بالهمة العلية على مقدار ما بلغه جرم هيكلك من الإحاطة بالعالم الأكبر الذي يمتد شعاعُ مادته إلى كل مقام وتنتهي بوارق رسله إلى كل حيطة وتشق عزائم مداركه صف كل معمعة وتبلغ نجاب فكرته إلى كل حضرة به الله يعطي ويمنع ويصل ويقطع ويفرق ويجمع ويضع ويرفع وعليه جعل مدار الأكوان وهو أول مخلوق من المواد الكبرى الآدمية. أنبأنا الحبيب الكريم والسيد العظيم عليه صلوات الله وتسليماته أن أول ما خلق الله العقل فإذا علمتم ما انطوى فيكم عظمتم شأن ذواتكم واحتفلتم بإعلاء شرف صفاتكم حتى تسمو عن منزلة الحجاب بالقوة بالجمال بالمال بالأهل بالعشيرة بالمنصب بالرئاسة. قال إمامنا الشافع رضي الله عنه:
وكل رئاسة من غير علم

 
أذلُّ من الجلوس على الكناسه

العقل عاقل العلم لا يتم شرف العلم للمخلوق إلا بالعقل قال جماعة بإعلاء قدر العلم على العقل ولكن ذلك بالنسبة إلى الله لأن العلم صفته تعالى والعقل صفة المخلوق وأما بالنسبة إلى علمنا وعقلنا فعقلنا أجلّ مرتبة وأرفع منزلة من عملنا إذ لولا العقل لما تم لنا العلم. العاقل يكبو ويصرع ولكن يؤمَّل له النجاح ويُرجى له الخير والأحمق يصرع ويكبو ويُخشى عليه القطيعة وعدم النجاح. العاقل من فهم حكمة الدين. بلغنا عن الإمام علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه ورضي الله عنه أنه قال: كل عقل لم يحط بالدين فليس بعقل وكل دين لم يحط بالعقل فليس بدين. هذا الدين أتى بأحكام ألزمنا المُبلّغ عليه الصلاة والسلام الاجتناب عنها ووعد وأوعد فإذا تريّض العقل بالعمل والاجتناب يصل إلى الإحاطة بسر الوعد والوعيد. وقال المؤلف رضي الله عنه في محل آخر من كتابه البرهان المؤيد: أي أخيّ كل واحد منا مسيكين أوله مضغة وآخره جيفة. شرف هذا العرض جوهر العقل والعقل ما عقل النفسََ وأوقفها عند حدها فإذا لم يكن عقل المرء عاقلاً لنفسه موقّفاً لها عند حدها في أخذها وردها فليس بعقل وإذا حُرم المرء الجوهر ذهب شرفه وبقي عَرَضاً ثقيلاً كثيفاً لا يليق لمرتبة عزيزة ولا لمنصب نفيس وإذا تم عقله وكمل صار الحكم فيه للجوهر المحض فصلح أن يكون على تيجان الملوك والأكاسرة. وأول مراتب العقل الانخلاع عن الأنانية الكاذبة والدعوى الباطلة وصولة الفتق والرتق والوهب والسلب وإذا حكمه المقام وصار صفة علية أيضا فاللازم عليه أن يعرف مبتدأهُ الطيني ومنتهاه الترابي وأن يقف بين هذه البداءة والنهاية بما يناسبها من قول وفعل.
        فلما تعيّن أن العقل جالب المنافع بإذن الله ودافع المكاره وبه العطاء والمنع والوضع والرفع علم ما أضمره الغوث الأكبر رضي الله عنه في وجيز عبارته ولطيف إشارته. وظهر لكل ذي فهم أن العقل كما عبر عنه قُدّس سره كنز الفوائد وكيمياء السعادة.
3-  ثم قال رضي الله عنه: "العلم شرفٌ في الدنيا وعِزٌّ في الآخرة".
قلت ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: العلماء أمناء الله على خلقه. وقال عليه الصلاة والسلام: العلماء أمناء أمتي. وقال أجلّ الله مقامه الكريم: العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتي وورثة الأنبياء. وقال عليه الصلاة والسلام: العلم ميراثي وميراث الأنبياء من قبلي. وقال عليه الصلاة والسلام: العلم خليل المؤمن والعقل دليله والعمل قيمه والحلم وزيره والصبر أمير جنوده والرفق والده واللين أخوه.  وقال صلى الله عليه وسلم: العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسُنة ماضية ولا أدري. وقد ميّز الله بين العلماء وبين غيرهم وشرّفهم عليهم وأجلّهم فقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون}الزمر9. وألزم الله الناس بالتشبث بأذيال خواصهم الذين هم العلماء فقال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}النحل43.  وقد عرّف أئمة الدين العلم فقالوا هو درك حقائق الأشياء مسموعاً ومعقولا. وأعظم النبي الكريم شأن العلم فقال صلى الله عليه وسلم: قليل العمل ينفع مع العلم وكثير العمل لا ينفع مع الجهل. وكفاك في مدح العلم وذم الجهل قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }الأعراف199 .  أقول من لوازم العلم الإعراض عن أهل الجهل وصم السمع عن أقوالهم وكف الطرف عن أحوالهم وجمع الهمّة على إهمالهم وما أحسن ما قاله في هذا الباب الإمام أبو إسحاق القرطبي رحمه الله وهو:
إذا سبّ عرضي ناقص القدر جاهلٌ

 
 
فليس له إلا السكوتُ جوابُ

ألم تر أن الليثَ ليس يضرّهُ

 
 
إذا نبحت يوماً عليه كلابُ

 
 
 
الحث على طلب العلم
وقد أمر السيد العظيم عليه أفضل الصلوات والتسليم بطلب العلم وحرّض عليه وحث كل الحث على استحصاله فقال: اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم. إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب. وقال عليه الصلاة والسلام: إنما العلم بالتعلم. الحديث. وقد صدرت أوامره الشريفة المحمدية وتشرفت بها بطون الدفاتر معلنة بإجلال أهل العلم والتجافي عن زللهم. منها قوله عليه الصلاة والسلام: تجاوزوا عن ذنب السخي وزلة العالم وسطوة السلطان العادل فإن الله تعالى آخذ بيدهم كلما عثر عاثر منهم وذلك لأنهم أسباب المنافع لخلق الله تعالى. وقد قال صلى الله عليه وسلم: خير الناس أنفعهم للناس. ولا يخفى أن السخي ينفع الناس بماله والعالم ينفع الناس بعلمه والسلطان العادل ينفع الناس بعدله وفيه قوام الأمر، ألا ترى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جالسوا الكبراء وسائلوا العلماء وخالطوا الحكماء" وذلك للانتفاع بمآثرهم التي مَنّ الله تعالى عليهم بها.
أفضل مراتب العلم
 وقد عدّ الناس مراتب العلم وأهله وأحسنها منزلة وأشرفها مرتبة العلم الدال على الله الموضح لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشرف مراتب العلماء مرتبة التخلق بخلقه عليه الصلاة والسلام بإتقان العلم بالعمل إتباعاً لا ابتداعاً قال تعالى:   {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}النور63. وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) قال صاحب الجوهرة:
وكل خير في إتباع مَن سلف

 
وكل شر في ابتداع مَن خلف

وقد أتيتُ بكلمات لطيفة في كتابي (ضوء الشمس) نظمتها من كلمات السلف الصالح مصدرة بحديث نبوي جليل المفاد ولمناسبتها لهذا المقام أوردتها بحروفها وهي: لما منّ الله على البرية بوصول نوبة البعثة إلى نبينا المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم انطمس شهاب نار الكفر ولمع شعاع نور الذكر وتم ببركته عليه الصلاة والسلام ما نقص من مكارم الأخلاق وانتشر بهمته المحمدية علم العدل والصلاح في الآفاق لكونه جمع ما تفرق في إخوانه النبيين والمرسلين من الهمم والشيَم والأخلاق العلية الزكية والأوصاف الحميدة المرضية فلم يبق خصلة محمودة إلا أوصل إليها ودلّ عليها ولم يترك خصلة مذمومة إلا نهى عنها وحذر منها. وجمعت شريعته الطاهرة شتات الأحكام الصالحة فصارت تجارة الخلق ببركة رسالته رابحة وسرى سر خلافته في العوالم وعلم الثقلان أنه عليه الصلاة والسلام أشرف نائب عن الربوبية وأعدل حاكم. فإذا فهمت ذلك علمت ما للنوع الإنساني من التكرمة عند الله وأدركت أن أشرف أنواع الخلق الإنسان وأعلى مراتب الإنسان خلافة الله وأعلى مراتب خلافة الله الرسالة وأعلى مراتب الرسالة مرتبة أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعلى مراتبهم وأجمعها دعوة وأعظمها شرفاً وأجلّها قدراً وأرفعها ذكراً وأطولها سناماً وأشمخها مقاماً الرسالة المحمدية التي اختص الله بها سيد البرية صلى الله تعالى عليه وسلم فهو قطب الدائرة ومفتاح باب سعادة الدنيا والآخرة وهو ختم الختم ومحل الإفشاء والكتم فكمال غيره كمال عن نقص وكماله كمال عن كمال. أوتي جوامع الكلم وانقطعت به نبوة التشريع وقد أرسل وكان نبياً وآدم بين الماء والطين وغيره ما كان نبياً إلا بعد تحصيل شرائط النبوة فجميع النبوات والرسالات والولايات مدرجة في نبوته وولايته ورسالته صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد تبين لك إن الإنسان ثمرة العالم وأن عين الإنسان وعين إنسانه نبينا المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم وهو رسول الله إلى الخلق كافة والأصل في رسالته بالنسبة إلى الخلق الدلالة على الله والإرشاد إلى الله وقود الخلق إلى مكارم الأخلاق ولهذا المعنى نزلت الكتب وشُرّعت الشرائع والسنن وضُربت الأمثال والمواعظ واحتيج إلى الأنبياء والملوك والعلماء والوزراء والأعوان والإخوان والأصدقاء ونُدب الاقتداء. ولولا ذلك لم يحتج أحد إلى أحد بل اكتفى كل أحد بنفسه. وعلى هذا المعنى ترتب الجزاء والعقاب والمدح والذم. فما رأيناه سبحانه وتعالى أثنى على أحد إلا بعمل ولا ذمَّ أحداً إلا بعمل ولا أوعد إلا على عمل. وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُون}الأحقاف20.  {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّم}النساء93. {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا}الطلاق2. جعل التقوى سبباً لذلك وهي عمل. وقال تعالى أيضاً: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}البقرة286.  وقال: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}محمد7. ومن معنى الندب على الاقتداء قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام90. {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران159 .  {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ}الكهف28. وغير ذلك من الآيات الكريمة. ومن هذه المعاني قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "الكيّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني". وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجالسوا كل عالم إلا عالماً يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ومن العداوة إلى النصيحة".  فمن ذلك يُعلم لديك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما كانت رسالته الجامعة وشريعته الشريعة الناسخة وهو المبعوث لتكميل مكارم الأخلاق أوضح الطرق وفتح الأبواب ومهّد المناهج وسهّل الأسباب ولزم على كل ذي طبع كريم وقلب سليم أن يتمسك بحبل شريعته وأن يتشبث بذيل طريقته وأن ينحرف عن صحبة الجاهلين ويجتنب مودة الفاسقين. على أن الطبع البشري سراق قريب المأخذ كالماء يتلون بلون إنائه ويتشبه بشكل رفقائه ومن هذا قول علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه ورضي الله عنه:
فلا نصحب أخا الجهل
فكم من جاهل أردى
يُقاسُ المرءُ بالمرء
وللشيء على الشيء 

 
وإياك وإياهُ
حكيماً حين آخاهُ
إذا ما هو ماشاهُ
مقاييسٌ وأشباهُ

        وله كرم الله وجهه:
لا تصحب الكسلان في حالاته
عدوى الجليد إلى البليد سريعة

 
كم صالح بفساد آخر يفسدُ
والجمرُ يوضَعُ في الرماد فيخمدُ

 
فأحكم النظر في مقصدك واعمل واعلم أن العمل هو السبب والسبب الباب لنيل سعادتي الدارين. شعر:
ألم تر أن الله قال لمريم
ولو شاء أحنى الجذعَ من غير هزّها

 
وهزي إليك الجذع يُسّاقط الرطبُ
ولكنما الأشياءَ يُجرى لها السببُ
        ولا تكتمل السعادة إلا بكمال الاقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم. ومَن رام حصول السعادة الأبدية ولم يقتد به والاقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم فمثله كمثل أولاد الفقهاء يريدون التصدر للتدريس والإفتاء والتقدم على النظراء من غير تحصيل ولا خدمة للعلماء ويصعب عليهم الوضع من منازلهم عن أقرانهم وأولاد الشيوخ يريدون التظاهر بأحوال آبائهم بلا مجاهدة ولا عبادة وأولاد التجار يريدون التشبه بآبائهم في الإنفاق مع ترك الاكتساب فتسرع أموالهم إلى الذهاب. فكل من فعل ذلك فهو ظالم في طريقه إلى مقصده قال تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين}البقرة124. فهم لا محالة يُعدمون العقول ويُحرمون الوصول لتضييع الأصول في ارتكاب المشاق ومعالجة السباق في اكتساب الأموال والأحوال ومبارزة الرجال الأبطال ومع الحداثة في السن والرأي قد استولت عليهم العزة. التي يحصل تكذيب الصادق وتصديق الكاذب والرفع من مقداره والوضع من مقدار غيره والتكبر حيث ينبغي التواضع وعكسه والمحبة بإفراط والبغض بإفراط لا لسبب وتقريب وتقديم من الأولى تأخيره وإبعاده وبالعكس والعزة بالسلامة على طريق الاستقامة. وكذا كل سالك إلى مقصد بأمثال ذلك فمن لم ينتفع بالإشارة لم ينتفع بالقناطير المقنطرة. فذو النهاية كَرَبّ أرض كريمة فعمّرها وبذرها فأدركتها السعادة بالإمداد والسلامة من الآفات حتى حصد الثمار وأحرزها ولم يبق عليه إلا حفظها من العدو والانتفاع بها وذو البداية لم يحرث أرضه فهو يرجو طيبها يبذر فيها بلا تعب وله أعداء ينازعونه ويمنعونه. ومن كان كذلك فقد رام الحصاد قبل الزراعة أو قبل الحرث أو قبل حصول الأرض فهو الظالم لنفسه. قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها". فمن ثم عُلم أن كمال الاقتداء بالحضرة المحمدية عين السعادة الكلية فمن فاته كل الاقتداء به عليه الصلاة والسلام في حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله فعليه أن يلزم تعظيم أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بعمل الذي لابد منه من العبادات المفروضات والانتهاء كل الانتهاء عما نهى عنه من المعاصي والخطيئات والتخلق بأخلاقه الكريمة على قدر الإمكان وإعمار أمر الدنيا والدين بسلوك طريقته المؤيَدة. عليه من الله أكمل الصلاة وأشرف التسليمات. وغير مجهول أن العلم يشرّف قدر صاحبه في الدنيا وإذا عمل به العالم فلا شبهة في أن الله يكتبه من أهل العزة في الآخرة لحرمة اتّباعه لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}التحريم8. الآية. وهذا هو المعنى الذي قصده المؤلف رضي الله عنه.
 
4-  ثم قال قدس سره: "ما أقام مع المُستعار إلا المحجوب".
 لا يخفى أن المستعار ما أمكن زواله كالقوة والمنصب والجاه والأهل والولد والمال والرجال وأمثال ذلك ففي الإقامة مع المستعار ينقطع المخلوق عن مقام العبدية ويجهل الحد الذي حُدَّ له فيتجاوز درجة الآدمية ومرتبة الإنسانية فيعلو ويغلو بحرف الكلم عن مواضعه وربما يأخذ به غليظ حجابه إلى إنكار ما لا يُنكَر وذكر ما لا يُذكَر فينحرف عن الطريق المستقيم ويسلك المسلك القبيح الذميم فيصده حِجابه وتكثر منه عن الله حُجّابه وما ذلك إلا من إقامته مع المُستعار وجهله بمقام العبودية الذي وقف عنده المرسلون الأخيار والمقربون الأبرار. وحسن ما قلته في كتابي (ضوء الشمس) مما يناسب هذا الباب وهو كيف بنا وقد لعبت فينا رعونات النفس وانبسطت همتنا للشهوة وصارت الأغيار مطمح نظرنا وغاية أملنا. فهل بلية الدعوى التي تصدر منا حاصلة إلا من عدم العلم بالكتاب المبين وحكم الشرع المتين وناشئة عن الجهل الصرف بسنة سيد المخلوقين وطريق أولاده الطاهرين وخلفائه الراشدين وعلماء هذا الدين وأوليائه العارفين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وهل هي إلا الغفلة الكلية عن درك حالة البشرية. وأنى للمسكين المخلوق العاجز من قوة يفعل بها ويقول ويكرّ بها ويصول. كيف تجتمع الحياة والممات أو العجز والقدرة أو الفقر والغنى. كلا الضدان لا يجتمعان ولكن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا لأن الدنيا حجاب ورؤيا النفس حجاب وكم تحت هذا الحجاب من حجاب ولا تنكشف تلك الحجب عن القلب إلا بتوفيق الله. وإن من علامات التوفيق الانسلاخ من حب الدنيا ورؤيا النفس.
قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم
 
على أن العاقل لو صرف فكره إلى ذاته وكلياته وجزئياته لانسلخ بطوعه عن رؤيا نفسه والدنيا أيضاً. وما أحسن ما قلت بفضل الله من قصيدة تخلصت فيها بمدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تذكر الصواب في هذا الباب وهذا مطلعها:
 
الله أكبرُ هذه الآثارُ
فلكل شيء حكمة وحقيقة
والكونُ لو حققتهُ وفهمتهُ
بستان رمز مغلق بطرازهِ
هو مستعارٌ كالوديعة عندنا
فاعجب بحقك من عبيد عُجّز

 
منها بسابقِ خلقها أسرارُ
حارت بفهم ضميرها الأفكارُ
كنزٌ وفيه شؤوننا الإضمارُ
أرواحنا برياضه الأطيارُ
وكأننا المُلاكُ والأمّارُ
يتصرفون كأنهم أحرارُ

 
فالمرءُ منا لو تفكّر، ثوبُهُ
وإذا انتحى بيت الخلى متبصراً
وإذا مشى في البر أدرك أنه
ووجودهُ إن نام أرشده إلى
وبنفس هيكله بكل دقيقة
والسمع والصمم الثقيل وعلة
والأمن والخوف المريع وغيره
نشرٌ وطيٌّ فيهما لمفكّرٍ
ليلٌ تدور عليه أحكامُ الدجى
والكل للرجل الرشيد حقائق
فإذا عرفت بقاء نفسِكَ فانياً
وعلمتَ أن الفعل ظاهرُ فعله
فاخلع لعمرك ثوبَ وهمِكَ بالسِوى
واصرفْ وجود الروح للباب الذي
والحق بأرواح الأعزّاء الأولى
رأوا الوجودَ بنور عين بصيرةٍ
وتفكروا الصنع القديم وحادث الـ
وتجردوا عنهم فهم بين الورى
علقوا بذيل محمد شمس الهدى

 
حال اغتسال ذاق كيف يُعارُ
خضعت به في ذاتها الأطوارُ
فردٌ وظَلَّ الدارُ والدينارُ
ترك الوجود ونومُهُ الإجبارُ
يتبارز الإخطارُ والأخطارُ
وشفاؤها والبسط والأكدارُ
ينبيه كيف تُمزق الأغيارُ
حالٌ به تتسلسل الأدوارُ
ويليه في دور الشؤونِ نهارُ
تجري بها في سُفنها الأقدارُ
أدركتَ كيف إلى الإله يسارُ
وهو القدير الفاعلُ المختارُ
فالجهلُ عند ذوي البصائرِ عارُ
من فضله تتنزل الأسرارُ
فهمُ الكرامُ السادةُ الأخيارُ
فرأوهُ ظِلا ما لديه قرارُ
ـطرز الكريم فضاءت الأبصارُ
أهل العقول السادة الأحرارُ
وعلى طريقته الكريمة ساروا

 
 
وقوف النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عند حد العبودية
 
ولا يخفى على كل حاذق متشرّع أن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كان يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع القميص ويلبس الصوف ويردف خلفه ويضع طعامه على الأرض ويجيب دعوة المملوك ويكنس بيته ويخيط ثوبه ويخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً ويسلم على الصبيان ويمسح رؤوس اليتامى ويجلس على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة العبد على خبز الشعير ويبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء ويأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ولا يمنع شيئاً  يسأله وإذا جلس جلس إليه أصحابه حلقاً حلقاً وإذا دخل عليهم جلس حيث انتهى به المجلس ولا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته وكان يقول عليه الصلاة والسلام: لست من الدنيا وليست منى. إني بعثت والساعة تستبق. وكان يقول صلى الله تعالى عليه وسلم: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاماً على شهوة أبداً ولا شربتم شراباً على شهوة أبداً ولا دخلتم بيتا تستظلون به ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم وتبكون على أنفسكم. وكان يقول أيضا عليه الصلاة والسلام: ما من صباح يصحبه العباد إلا وصارخ يصرخ يا أيها الناس لدوا للتراب واجمعوا للفنا وابنوا للخراب.  فتفكر أيها العاقل كيف وقف السيد الكامل عند حد عبديته وأوضح لنا هذا الحد بحكمته وتقلب صلى الله تعالى عليه وسلم على بساط القربية في حضرة العبودية ولم يلتفت إلى الأغيار بالكلية منذ برز إلى الوجود صلى الله تعالى عليه تعالى وسلم إلى أن انتقل من هذه الدار صلى الله تعالى عليه وسلم. أ.هـ.
 
أخذ العبرة من معرفة حقيقة الدنيا
 
هذه طريق سيد المرسلين وإمام الناجين وأين للعاقل الزهو والعلو بالمستعار وما هذه الدنيا بحذافيرها إلا خيال ولا أوقاتها إلا زوال.
خلقنا لأمر لو علمنا خفيَّهُ
ولكن جهلنا فاستراحت نفوسنا

 
لما حَبَّ منا المرءُ ليلى ولا لبنى
وما تلك إلا راحة تعقب الحزنا

        وكيف لا والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا ابتلاه الله بخصال ثلاث بأمل لا يبلغ منتهاه وفقر لا يدرك غناه وشغل لا ينفك عناه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا والآخرة حرامان على أهل الله. وحسن ما قاله بعض العارفين:
إذا كنت أعلم علماً يقينا
فلم لا أكون ضنيناً بها

 
بأن جميع حياتي كساعة
وأقطعها بين خوف وطاعة

وجميل ما قاله مفتي العراق الفاضل محمد فيضي أفندي الزهاوي وهو:
في المرايا رأيت شيخاً كبيرا
قلت كم عشت قال سبعين عاما
طعمات دفعتها فضلات
وثياباً لبستها فاخرات
ولأبكي دماً لأني لم أعـ

 
ذا فنون قد جرب الأحوالا
قلت ماذا صنعت فيها فقالا
وشروباً أرقتها أبوالا
جدداً وانتزعتها أسمالا
ـمل من الصالحات لي أعمالا

        وما أحسن ما فصله المؤلف رضي الله عنه في كتابه البرهان. حيث قال فيما يناسب هذا الشأن. المصير إلى الله والرجوع إليه وكل يعود إلى معدنه ويستوفي أجله وتعود عليه المسألة قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}طه55. هذه الحبة التي تأكلونها نبتت بتراب مثلكم كان لهم قوة وبأس شديد. ذهبوا وبانوا وكأنهم ما كانوا.
هذا ترابٌ لو تفكّرَهُ الفتى
وكأنما ذراته لو مُيّزت

 
لرأي عليه من الجباه بساطا
صيغت لألسنة الأولى أسفاطا

ندوس ألسناً وجباهًا وخدوداً وشفاها {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار} الحشر2.  هذه الدنيا وهذه أحوالها وهذه ديارها ورجالها، بالله عليكم هل بعد هذه الفكرة وأخذ العبرة من طمع بها وبديارها وإصلاحها وإعمارها؟ أعمِّر هذا الرواق حتى يسكنه صالح وإبراهيم وأبو القاسم والنساء أم أعمر بيتا أسكنه أنا إذا فارقت الأحباب وتوسدت التراب؟  أهذا الرواق عمَّره أبي بخيله ورجله وأبقاه لي من بعده؟ لا والله بل الله وهب وأحسن وأكرم وتحنن.  هذه المنة مخصوصة بي؟ لا والله بل الدنيا يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب والآخرة لا يعطيها إلا لمن يحب.   رُزق أبي بيتا ومقاما وثوبا وطعاما وأنا كذلك وأولادي وعيالي في لوح غيبه المحفوظ بعلمه لهم رزق وهكذا جميع الخلق فعلام هذه الخيالات وتطرق سبيل الضلالات. الكيس من خاف ربه ودان نفسه وعمل لما بعد الموت. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} الأنبياء105. آية اختلف في تفسيرها الرجال إرث معنوي تحسن به القربى من الله للعبد إذا توسد الأرض أو الصالحون لإرثها وسياسة خلقه على مقتضى استحقاق الخلق فإن الأعمال عين العمال أجل عمالكم عملكم وكما تكونوا يولى عليكم {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف128. بينة على ما ذكر وفسرها جماعة بأرض الجنة والكل على هدى. أي أخيّ أما تنظر الطفل إذا ولد يبرز إلى الدنيا قابضاً كفه حرصاً عليها وإذا خرج يخرج باسطاً كفه معترفاً بفراغ يده من الأمر العارض الذي حرص عليه. كفى بالموت واعظا كفى بالموت واعظا:
 
أبكي ومثلي مَن يبكي إذا سبقت
بكاء قومٍ للقيا الوالهين به
       

 
قوافلُ القوم أهل العلم والعملِ
وإنني الخائفُ الباكي من الزللِ

        فانظر كيف طهر الله أحبابه من الحجاب بالمستعار وتخلّقْ بأخلاقهم وأخلِص في محبتهم، فالمرء مع مَن أحَب.

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:22 pm


 
5- قال المؤلف رضي الله عنه: "ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة".
أراد بذلك رضي الله تعالى عنه أن الدخيل في القوم بلا صدق ولا علم ولا عمل لا يُعَدُّ منهم ولا يكون مثلهم ويعجبني ما ذكره صاحب كتاب آداب الأقطاب مولانا علي ابن محمد الكازروني الرفاعي قدس سره في مقدمة كتابه حيث يقول سألتني زادك الله توفيقا، ويسّرَ وفتح لك إلى كل خير طريقا. أن أذكر لك طرفاً من آداب التصوف وقواعده، ونبذة من أحواله ومراشده. فأجبت إلى ذلك إجابة معترف بالتقصير، معتمد على اللطيف الخبير، وسأرشدك لموضع سدادك، وأدلك على إرشادك. وإن كان هذا فنٌ قد طُوي بساطه، وانحل رباطه، ونُسي رسمه، ولم يبق إلا اسمه. ذهبت الآثار وعفت الديار ونُسيت الآدابُ وعمي الصواب وطُمست تلك العبارات واضمحلت تلك الإشارات، وعدم أهل الطريقة على الحقيقة وانقرضوا وطُوي بساط الأنس بهم فليت شعري أين مضوا. شعر:
أسائلكم عنها فهل من مخبر
فلو كنت أدري أين خَيَّمَ أهلُها

 
فمالي ب(نِعمَ) بعد أن رحلوا علمُ
وأي بلاد الله إذ رحلوا أمّوا

 
إذاً لسلكنا مسلك الريح خلفها

 
ولو أصبحت (نِعمَ) ومن دونها النجمُ
أطفئت مصابيح القوم فأظلم لفقدهم الكون وحصلنا من المعاني على الصور وبينها وبينهم بَون. ليس التكحل في العينين كالكحل. تشبّه بالقوم من ليس منهم وقام في مقامهم مَن لا يُغني عنهم.
رضوا بالطيلسان إذ اكتسوها
كذا دُجج البيوت لهنّ ريشٌ

 
وتفخيم البرانس والعمامة
ولكن لا بطون مع الحمامة

اقتصروا على تحسين الظاهر مع سماجة الخواطر وقبح السرائر وخبث الضمائر. فضح التطبع شيمة المطبوع. حسنت الأشكال وقبحت الخِلال. وتُخُيّل لمَن خلف أنه يقوم مقام السلف. وأين الثريا من يد المتطاول المتناول؟ أين البقر من الأسد؟ أين الضبع من أبي لبد؟ طاحت والله بهم طوايح الأقدار، فلم يبق سوى الآثار. {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}البقرة134،{فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلا}القصص58.
قف بالديار فهذه آثارهم
كم قد وقفتُ بها أسائل مُخبراً
فأجابني داعي الهوى في رسمهم

 
تبكى الأحبة حسرةً وتشوقا
عن أهلها أو صادقاً أو مُشفقا
فارقت من تهوى فعزَّ المُلتقى

أين تلك الأحوال والمقامات؟ ذهبت مع مَن ذهب من القوم ومات. عجز وبقيت في خلف كجلد الأجرب. كان طريق القوم، عدم النوم، واغتنام الأسحار ودوام الافكار. والخشوع بين يديّ الواحد الجبار. لا جرم أنه رُفعت لهم أعلام الأعلام برضى الواحد العلاّم. فقبورهم تُزار ومشاهدهم تُحَطُّ بها الأوزار. شعر:
لا الدار بعدهمُ دار السرور ولا

 
تلك المنازل والأوطان أوطانُ

عزفت أنفسهم عن شوائب أكدار هذه الدار فتركوها. وقاموا بالعبودية فأحسنوا الطريقة وسلكوها. وقاموا في مقام الأنس بمحبوبهم فظفروا في الآخرة بمطلوبهم. {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون}الذاريات17-18. فهم جلساءُ الله وأحباؤه، وخواصه وأوِدّاؤه. إن قاموا فبالله وإن قعدوا فلله وإن نطقوا فمن الله وإن سكتوا شُغلوا بالله. قال شيخنا السيد علي ممهد الدين الرفاعي فيهم:

رجالٌ إذا الدنيا دَجَت أشرقت بهم
أقاموا بظهر الأرض فاخضرَّ عودُها

 
وأن أجدبت يوماً بهم ينزلُ القطرُ
وحلّوا ببطنِ الأرضِ فاستوحش الظهرُ


        فهذه صفة القوم، فأين مثلهم اليوم؟ وقد كثر في زماننا المُتسمون بهذه الطائفة والمتلبسون بلباسهم والمتسمون بسمتهم فلوّثوا المذهب وكدّروا صافي شربه. ألا ترى أنهم يتصدرون ويتشدقون ويحيلون إلى تقبيل الأكف والاحترام واجتماع المريدين ومخاطبتهم لهم بالمشيخة فنقضوا بذلك أركان التصوف وغيروا معانيه واتخذوا بيوت العبادة حوانيت السيادة واكتفوا بلبس المرقعات والمصبغات وتقصير الأثواب مع إهمال الآداب إلى آخر ما قال. وأحسن منه ما قاله سيدنا الغوث الأكبر والعلم الأشهر مولانا المؤلف رضي الله عنه في كتابه البرهان المؤيد وهو: " أيها المتصوف! لم هذه البطالة ؟ صر صوفيا حتى نقول لك: أيها الصوفي! أي حبيبي! تظن أن هذه الطريقة تورث من أبيك، تسلسل من جدك، تأتيك باسم بكر وعمرو، تصير لك في وثيقة نسبك، تنقش لك على جيب خرقتك، على طرف تاجك، حسبت هذه البضاعة ثوب شعر، وتاجا وعكازا ودلقا ، وعمامة كبيرة، وزيا صالحا، لا والله، إن الله لا ينظر إلى كل هذا، ينظر إلى قلبك كيف يفرغ فيه سره، وبركة قربه، وأنت غافل عنه بحجاب التاج، بحجاب الخرقة، بحجاب السبحة، بحجاب العصا، بحجاب المسوح. إيش هذا العقل الخالي من نور المعرفة؟ إيش هذا الرأس الخالي من جوهر العقل؟ ما عملت بأعمال الطائفة، وتلبس لباسهم يا مسكين! ياأخي! لو كلفت قلبك لباس الخشية، وظاهرك لباس الأدب، ونفسك لباس الذل، وأنانيتك  لباس المحو، ولسانك لباس الذكر، وتخلصت من هذه الحجب، وبعدها تلبست بهذه الثياب، كان أولى لك ثم أولى، لكن كيف يقال لك هذا القول، وأنت تظن أن تاجك كتاج القوم، وثوبك كثوبهم؟ كلا الأشكال مؤتلفة، والقلوب مختلفة. لو كنت على بصيرة من أمرك، خلعت أباك وأمك، وجدك وعمك، وقميصك وتاجك، وسريرك ومعراجك، وأتيتنا بالله لله. وبعد حسن الأدب لبست، وأظنك بعد الأدب، تقطع نفسك عن الثوب والعوارض القاطعة. أي مسكين! تمشي مع وهمك، مع خيالك، مع كذبك، مع عجبك وغرورك، وتحمل نجاسة أنانيتك، وتظن أنك على شيء! وكيف يكون ذلك؟ تعلم علم التواضع، تعلم علم الحيرة، تعلم علم المسكنة والانكسار. أي بطال ! تعلمت علم الكبر، تعلمت علم الدعوى، تعلمت علم التعالي، إيش حصل لك من كل ذلك؟ تطلب هذه الدنيا الجايفة  بظاهر حال الآخرة! لبئس ما صنعت، ما أنت إلا كمشتري النجاسة بالنجاسة، كيف تغفل نفسك بنفسك، وتكذب على نفسك وأبناء جنسك؟ لا يقرب المحب من محبوبه، حتى يبعد عن عدوه. رمى بعض المريدين ركوته في بعض الآبار ليستقي الماء، فخرجت مملوءة بالذهب! فرمى بها في البئر، وقال: يا عزيزي! وحقك لا أريد غيرك. من أثبت نفسه مريدا صار مرادا، من أثبت نفسه طالبا صار مطلوبا، من عكف على الباب دخل الرحاب، ومن أحسن القصد بعد الدخول تصدر في غرفة الوصلة. دخل علي كرم الله وجهه ورضي عنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أعرابيا في المسجد يقول: إلهي أريد منك شويهة ، ورأى أبا بكر الصديق رضي الله عنه في زاوية أخرى يقول: إلهي! أريدك. شتان ما بين المُرادَين شتان ما بين الهمتين. تلعب الآمال بالعقول، تلعب بالهمم، كل يطير بجناح همته إلى أمله ومقصد قلبه، فإذا بلغ غاية همته وقف فلم يجاوزها. قال تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء 84) أي: على نيته وهمته." أ. هـ.
 
التحذير من الكبر والعجب والاغترار باجتماع الناس
6- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "كم طيّرت طقطقة النعال حول الرجال من رأس وكم أذهبت من دين".
 أراد بذلك عجب المرء وغروره بالقوم الذين يحفونه فيتكبر بطقطقة نعالهم حوله على الخلق وينسى كونه من تراب مضغة ابتداؤه وجيفة انتهاؤه وهو والذين حوله تراب يعودون إلى التراب. وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً على كفه ووضع إصبعه عليها فقال: يقول الله: ابن آدم أتعجزني وقد خلقتك مثل هذه. وفي حديث آخر: لا ينظر الله إلى من جرّ إزاره بطرا. وقال عليه الصلاة والسلام: من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان. وقد صدرت أوامره الشريفة بالتواضع للمتواضعين والتكبر على المتكبرين، منها قوله عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين من أمتي فتكبروا عليهم فإن ذلك لهم مذلة وصغار وجاء في الخبر أنه خرج عليه الصلاة والسلام يمشي إلى البقيع فتبعه أصحابه فوقف وأمرهم أن يتقدموه ومشى خلفهم فسُئل عن ذلك فقال: إني سمعت خفق نعالكم فأشفقت أن يقع في نفسي شيء من الكبر. قلت وقد وقع ذلك منه عليه الصلاة والسلام تعليماً للخلق وإرشاداً للأمة وتنبيهاً لهم وإلا فهو المعصوم المطهَّر من كل عيب عليه صلوات الله وسلامه. وقد أحسن سيدنا المؤلف رضي الله عنه حيث يقول في كتابه البرهان المؤيد: الله الله بالأدب مع الله فإن خلق الله حُجُب وأبواب، فإن أدركتم سر الأدب مع خلق الله فتحت لكم أبواب القبول عند الله وإن جهلتم أمر الأدب مع خلق الله حجبتم بالخلق عن الله. ومن ثم اشتغل أهل العرفان والذوق الخالص بجبر القلوب ووضعوا الخدود على الطرقات تحت الأرجل وطافت أرواحهم في حضرات القبول بهذه الأجنحة المعنوية. فعرفوا الحق بالخلق ونزهوا الحق عن الخلق، (أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي) نص قدسي يدلكم كيف يُعرف الحق بالخلق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله). وذلك الفكر المأمورون به فكر الأدب مع الصانع في مصنوعاته جل وعلا. أهـ. وقد روي أن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يمشي وخلفه جماعة يتبعونه فعلاه بالدّرة وقال له: يا هذا أهلكت نفسك والذين معك. فمن ثم عُلم أن العجب قاطع عن الله ومنه تحصل النفرة عند الخلق من صاحبه وربما يؤدي إلى أشد الحرج وإتلاف المُهَج.
 
رد القول بالوحدة المطلقة والشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة
7- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "لفظتان ثلمتان في الدين. القول بالوحدة والشطح المجاوز حَدّ التحدث بالنعمة".
قلت وقد ابتُلي بالقول بالوحدة المطلقة والشطح جماعة من السالفين وحذا حذوهم قوم من أهل البدعة في عصرنا أيضا فضلوا عن الطريق وارتكبوا أشد المآثم وانتهوا إلى أقبح الغايات فمنهم جماعة ذهبوا مذهب الحلولية ومنهم جماعة أسقطوا الحلول ونفوا رتبة المخلوقية وألحقوها برتبة الخالقية وحاروا بفهم الكيفية. فالقول في بعض السالفين إنما هو تأويل ما
يمكن تأويله من كلماتهم وإنكار نسبة ما لا يمكن تأويله إليهم لكثرة تداول الأيام وإمكان الإفتراء عليهم من أصحاب الزور والبهتان. هذا إن كانوا من أعيان الرجال وأصحاب المقامات والأحوال وإلا فلا  نتكلف لتأويل كلمات تخالف ظاهر الشريعة أبداً. على أن الحق أحق أن يتبع.
الاستقامة عين الكرامة
 وانظر كيف يقول سيدنا القطب عبد الوهاب الشعراني في كتابه (الأنوار القدسية) بما نصه: فلو رأينا الصوفي يتربع في الهواء لا نعبأ به إلا إن امتثل أمر الله تعالى واجتنب نهيه في المحرمات الواردة في السنة مخاطباً بتركها كل الخلق المكلفين لا يخرج عن ذلك أحد منهم. ومَن ادّعى أن بينه وبين الله تعالى حالة أسقطت عنه التكاليف الشرعية من غير ظهور إمارة تصدّقه على دعواه (1)، فهو كاذب كمن يشطح من شهود في حضرة خيالية على الله وعلى أهل الله ولا يرفع بالأحكام الشرعية رأساً ولا يقف عند حدود الله تعالى مع وجود عقل التكليف عنده. فهذا مطرود عن باب الحق مبعد عن مقصد الصدق وحرام على الفقيه وغيره أن يسلم لمثل هذا وحرام على هذا أن يتكدر من نصحه لأنه نصحه بما يعلم وبما بلغ إليه عقله. وحرام على الفقيه أن يتكدر من نصح الولي لأنه أعلى منه فهماً في أحكام الله تعالى وقد نصحه فيما وصل إليه عمله ولا يتوهم أن علم الأولياء وغوصهم في فهم الأحكام يتوقف على الآلات  عند غيرهم كالنحو واللغة والمعاني ونحو ذلك فإن الحق سبحانه وتعالى لا تقييد عليه فيعطي من شاء ما شاء كيف شاء. فافهم.
الاستقامة عين الكرامة
        وذكر الإمام الشعراني أيضا في كتابه (الدرر واللمع) ما نصه: سمعت سيدي عليّاً المرصفي رحمه الله يقول: إياكم أن تقبلوا هدية ممن فارق صحبة شيخه الذي رباه وأتاكم ليصحبكم أو تقبلوا عليه وإن كنتم أعرف بأحوال الطريق من شيخه فإن كل من فارق شيخه فقد نادى على نفسه بنقض العهد وعدم الوفا بحق الصحبة. اللهم إلا أن تكون مفارقته لشيخه بحق فلا بأس بقبول مثل هذا كما فعلت به مراراً في حق مَن صحب أصحاب الشطح كالذي يجري على مشاهد أهل الوحدة المطلقة تقليدا من غير حال غلب عليه ويقول لمريده إياك أن تصلي وتعبد ربك كما يفعل المحجوبون فإن مثل هذا قد خرج عن الإسلام بالكلية ويجب على كل فقير أن ينفر منه الناس ويجدد إسلام ذلك المريد الذي كان صحبه واعتقد ما يعتقده. فكيف ينبغي لمتورع أن يقبل هديته مع أنه لا يحلل ولا يحرم. وسمعت سيدي عليّاً الخواص رحمه الله يقول: إياكم وقبول هدية ممن يعتقد الوحدة المطلقة فإنه خرج عن طريق الإسلام. أهـ.
قول الإمام الرفاعي رضي الله عنه في الحلاج
وقال سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه البرهان المؤيد: "ينقلون عن الحلاج أنه قال "أنا الحق"! أخطأ بوهمِه، لو كان على الحق ما قال "أنا الحق". يذكرون له شِعراً يوهم الوَحْدة . كل ذلك ومثله باطل. ما أراهُ رجلاً واصلاً أبدا، ما أراه شرب، ما أراه حضر، ما أراه سمِعَ إلا رنةً أو طنينا، فأخذه الوهمُ من حالٍ إلى حال. مَن ازدادَ قُرباً ولم يزدد خوفاً فهو ممكور. إياكم والقول بهذه الأقاويل، إن هي إلا أباطيل، دَرَجَ السلفُ على الحدودِ بلا تجاوز. بالله عليكم، هل يتجاوز الحدَّ إلا الجاهل؟ هل يدوسُ عَنْوةً في الجُبِّ إلا الأعمى؟ ما هذا التطاول؟ وذلك المتطاول ساقطٌ بالجوع، ساقطٌ بالعطش، ساقطٌ بالنوم، ساقطٌ بالوجع، ساقطٌ بالفاقة، ساقطٌ بالهرم، ساقط بالعناء. أين هذا التطاول من صدمةِ صوت {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم} (غافر16)". وقال رضي الله تعالى عنه في محل آخر من كتابه البرهان: " بلغني عن بعض إخواننا رجال العصر أنه يقول:
عقدت بباب الدير عقدة زناري

 
وقلت خذوا لي من فقيه الحمى ثاري
يريد بذلك معاني أخرى. إياكم والقول بمثل هذه الأقاويل. حسن الظن يلزمنا بسيدنا الشيخ ولكن أدبنا مع الدين ألزم ووقوفنا مع الحق أهم. لا نعقد الزنار ولا نمر على باب الدير. ونقبل يد الفقيه ورجله ونطلب منه علم ديننا ونقول: طلب الشيخ مقاصد سترها بهذه الألفاظ وليته لم يطلبها ولم يسترها ويقول عوضا عما قال:
حللت بباب الشرع عقدة زناري
وما الدين والزنار إلا ضلالة

 
وطهرت بالفقه الإلهي أسراري
وما الشرع إلا الباب للوصل بالباري

نعم حالة أهل الحب تأخذ القلب فيطيش العقل فيتكلم اللسان كلام مَن جَنَّ  أو خمر أو غلى دمه أو أغشى عليه. فدعوا الرجل وربه وهذا يكفيه منكم، وتمسكوا بالحبل المتين الذي من تمسك به لن يضل أبدا . هذه الكلمات ومثلها من الشطحات التي تتجاوز حد التحدث بالنعمة. مثل صاحبها كمثل رجل نام في بيت الخلاء فرأى في منامه أنه جلس على سرير سلطنة فلما استيقظ خجل وعرف مكانه. الله الله بالوقوف عند الحدود، عضوا على سنة السيد العظيم صلى الله عليه وسلم بالنواجذ.    
مالي وألفاظ زيد
وجه الشريعة أهدى

 
ووهم عمرو وبكر
من سر ذاك وسري

صدق الله وكذب بطن أخيك". أهـ. وذكر الإمام الشعراني في كتابة (الأنوار القدسية) أن سيدي أبا الحسن الشاذلي قدس سره يقول: احذر أن يكون إبليس أعلى منك في الأدب مع الله تعالى. قيل: وكيف ذلك؟ فقال: لأنه لم ينازع الله تعالى في وصف من أوصافه قط وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِين}الحشر16 . وغاية أمره أنه خالف الأمر فاستحق اللعنة والطرد. ومخالفة الأمر أهون من طلب العبد أن يكون شريكاً لله عزَّ وجل  فيما يستحقه على عباده. انتهى.
والموقع للعبد في هذه المصايب حب الرئاسة ومبادرة التصدر لهذا الباب قبل تأهله له. وقد كان أهل العصر الخالي رضي الله تعالى عنهم لا يتصدر أحد منهم لهذا الباب إلا بعد رسوخه وتمكّنه في مقام البقاء وليس بعده مقام إلا القطبية لأنه حينئذ يصدق عليه حديث: "فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق". الحديث. فلا ينطق حتى يُنطَق كما كان حال سيدي الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه فيأمن حينئذ من الدعوى ويسدد ويحفظ في أقواله وأفعاله. ومن ادّعى وصوله إلى هذه الدرجة فلا تنكر عليه بل تكل أمره إلى الله تعالى فإن يكُ كاذباً  فعليه كذبه، وإن يك صادقاً كنا قد لزمنا معه الأدب. ومواهب الله سبحانه وتعالى لا تنحصر على عباده. وظهور الكرامات ليست بشرط في الولاية إنما يُشترط امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه فيكون أمره مضبوطاً على الكتاب والسنة. فمن كان كذلك فالقرآن شاهد بولايته وإن لم يعتقد فيه أحد ولا كان له أتباع ولا مريدون. أهـ.
قول الشيخ الأكبر في الشطح
وقال الشيخ الأكبر محيي الدين العربي قدس سره في (فتوحاته) في باب معرفة الشطح وأسراره ما نصه: وحاشا أهل الله أن يتميزوا عن الأمثال أو يفتخروا ولهذا كان الشطح رعونة نفس فإنه لا يصدر من محقق أصلا، فإن المحقق ما له مشهود سوى رب وعلى ربه ما يفتخر وما يدّعى بل هو ملازم عبوديته مهيأ لما يرد عليه من أوامره فيسارع إليها وينظر جميع ما في الكون بهذه المثابة فإذا شطح انحجب عما خلق له وجهل نفسه وربه ولو انفعل عنه جميع ما يدّعيه من القوة فيُحيي ويميت ويولي ويعزل وليس عند الله بمكان بل حكمه في ذلك حكم الدواء المسهل أو القابض. يفعل بخاصية الحال لا بالمكانة عند الله كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة في عيون الناظرين فيخطف أبصارهم عن رؤية الحق فيما أتوا به. فكل مَن شطح فعن غفلة شطح. وما رأينا ولا سمعنا عن ولي ظهر منه شطح الرعونة نفس وهو ولي عند الله إلا ولا بد أن يفتقر ويذل ويعود إلى أصله ويزول عنه ذلك الزهو الذي كان يصول به فذلك لسان حال الشطح هذا إذا كان بحق هو مذموم. فكيف لو صدر من كاذب. فإن قيل: وكيف صورة الكاذب في الشطح مع وجود الفعل والأثر منه؟ قلنا: نِعمَ ما سالت عنه. فأما صورة الكاذب في ذلك فإن أهل الله ما يؤثرون إلا بالحال الصادق إذا كانوا أهل الله. وذلك المسمّى شطحاً عندهم حيث لم يقترن به أمر إلهي أمر به كما تحقق ذلك من الأنبياء عليهم السلام. فمن الناس من يكون عالماً بخواص الأسماء فيظهر بها الآثار العجيبة والانفعالات الصحيحة ولا يقول أن ذلك عن أسماء عنده وإنما يظهر ذلك عند الحاضرين أنه من قوة الحال والمكانة عند الله والولاية الصادقة وهو كاذب في هذا كله وهذا لا يسمى شطحاً ولا صاحبه شاطحاً بل هو كذب محض ممقوت. فالشطح كلمة صادقة صادرة عن رعونة نفس عليها بقية طبع تشهد لصاحبها ببعده من الله في تلك الحال. وهذا القدر كاف في معرفة حال الشطح.
قول الشيخ الأكبر في الإدلال
وقال قدس سره في الجزء الأول من فتوحاته في الباب التاسع والثلاثين: حُكي عن بعضهم أنه قال اقعد على البساط يريد بساط العبادة وإياك والانبساط أي التزام ما تعطيه حقيقة العبودية من حيث أنها مكلفة بأمور حدّها لها سيدها. فإنه لولا تلك الأمور لاقتضى مقامها الإدلال والفخر والزهو من أجل مقام من هو عبد له ومنزلته كما زها يوماً عتبة الغلام وافتخر فقيل له: ما هذا الزهو الذي نراه في شمائلك مما لم يكن يُعرف قبل ذلك منك؟ فقال: وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبداً فما قبض العبيد عن الإدلال وأن تكونوا في الدنيا مثل ما هم في الآخرة إلا التكليف فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها فإذا لم يبق لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبودية وذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة فإن التكليف لهم مع الانفاس في الدار الدنيا فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة بالله على قدر إدلاله ولا يبلغ درجة غيره ممن ليس له إدلال أبدا. فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عما يجب عليه فيها من التكليف الذي يناقض الاشتغال به الإدلال. فليست الدنيا بدار إدلال ألا ترى عبد القادر الجيلي مع إدلاله لمّا حضرته الوفاة وبقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك القدر الزماني وضع خده في الأرض واعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن يكون العبد عليه في هذه الدار وسبب ذلك أنه كان في أوقاتٍ صاحب إدلال لما كان الحق يعرفه به من حوادث الأكوان. وعصم الله أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المطلقة مع الانفاس إلى حين موته فما حكي أنه تغير عليه الحال عند موته كما تغير على شيخه عبدالقادر وحكى لنا الثقة عندنا فقال سمعته يقول طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب وطريقنا في طريق عبد القادر غريب رضي الله عنه وعن جميعهم ونفعنا بهم والله يعصمنا من المخالفات وإن كانت قدّرت علينا فالله اسأل أن يجعلنا في ارتكابها على بصيرة حتى يكون لنا بها ارتقاء درجات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. أهـ.
وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني قدس سره في كتابه (الأنوار القدسية) ومن شأنه أي الفقير العارف إذا استفتى على شخص من الفقراء في أمور لا تدرك إلا بالذوق أن لا يبادر إلى الإنكار بل يتحيل في الرد عنه ما أمكن. هكذا كان شأن شيخ الإسلام زكريا والشيخ عبد الرحيم الانباسي رضي الله عنهما. فإن رأي ذلك الأمر يلزم منه فساد ظاهر الشريعة أفتى ولام عليه لأن صاحب هذا الكلام ناقص فليس من أهل الاقتداء ونصرة الشرع أولى من الأدب معه بخلاف كُمّل الأولياء كأبي يزيد البسطامي وعبد القادر الكيلاني رضي الله عنهما وأضرابهما فيؤول كلامهم ما أمكن. أهـ. 
تأويل ما نسب إلى الإمام عبد القادر الجيلاني  رضي الله عنه من الشطح
والذي أراه أن ما صدر عن سيدنا الشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره ونفعنا الله به من الكلمات التي رؤيت بمرائي الشطحات فهي مؤولة منصرفة عن مقام الشطح على الغالب وأما بعض الكلمات التي لا تقبل التأويلات فهي نسبت إليه ولم تكن منه رضي الله عنه على الأصح كالكلمات التي سماها واضعها عليه من الله ما يستحق بالغوثية والمعراجية وأسندها إلى الشيخ رضي الله عنه وأخذ به نزه الله مقامه إلى مذهب الحلولية وأهل الوحدة المطلقة فهي بهتان وافتراء محض عليه قدس سره. وأنه رضي الله عنه من أعظم مَن تحقق بقدم الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال وقد دلت عليه إرشاداته وكمالاته وعباداته. وأما ما نُسب إليه من قوله: قدمي على رقبة كل ولي لله فما هو إن صح إلا مؤول بتأويل شرعي حصل فيه الإبهام لا غير وتمسك بظاهره جماعة من أهل الغلو في الشيخ الذين اتخذوه حرفة لإعلاء أنفسهم وجلب مصالحهم. وانظر ما قاله الإمام أبو حيان في تفسيره البحر المحيط في معنى قوله تعالى ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) قدم صدق قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وابن زيد هي الأعمال الصالحة من العبادات وقال الحسن وقتادة هي شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وقال زيد ابن أسلم وغيره هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس وغيره هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ وقال مقاتل سابقة خير عند الله قدموها وإلى هذا المعنى أشار وضّاح اليمن في قوله:
مالك وضاح دايم الغزل

 
الست تخشى تقارب الأجل

صل لذي العرش واتخذ قدماً

 
ينجيك يوم العثار والزلل

وقال قتادة أيضاً: سلف صدق. وقال عطاء: مقام صدق. وقال: إيمان صدق. وقال الحسن أيضاً ولد صالح قدموه. وقيل: تقديم الله في البعث لهذه الأمة وفي إدخالهم الجنة كما قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. وقيل بقدم شرف ومنه قول العجاج:
ذلّ بنو العوّام من آل الحكم

 
وتركوا الملك لملك ذي قدم

وقال الزجّاج: درجة عالية وعنه منزلة رفيعة ومنه قول ذي الرمة:
لكم قدم لا ينكر الناس أنها

 
مع الحسب العادي طمّت على البحر

وقال الزمخشري: قدم صدق عند ربهم، سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة. ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تُعطى باليد وباعاً لأن صاحبها بيوع بها فقيل لفلان قدم في الخير وإضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة. وقال ابن عطية والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح كما تقول رجل صدق وعن الأوزاعي قد بكسر القاف تسمية بالمصدر. أهـ. فإذا نظرت لتفسير هذه المعاني رأيت أن الشيخ قدس سره أراد بذلك الأعمال الصالحة من العبادات أو شفاعة النبي عليه الصلاة والسالم أو السعادة السابقة لجنس الأولياء وكأنه يقول سعادتي السابقة كما أنها طوق مِنّة من الله طوق الله به عنقي فكذلك هو طوق يعلو عنق كل ولي لله أو أراد بذلك سابقة خير قدمها عند الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كذلك شاملة للجنس على أن أمر الاتباع نافذ على رقبة كل ولي. أو أراد بقوله سلفه الصادق أو مقام الصدق أو إيمان الصدق أو منزلة الاتباع الرفيعة ودرجة الاقتداء المتبعة وكل ذلك شامل لقائله إن كان من جنس الأولياء. ولا ريب في أن الشيخ قدس سره من أعيان الأولياء الكرام رضي الله عنهم وإلا فتأويل الجهلة من أصحاب الإفراط بمحبة الشيخ رضي الله عنه. هذه المقولة وتفسير معناها مع عدم ملاحظة الدقائق الشرعية وحفظ حرمة جنس الأولياء أهل المراتب العلية وإهمال رعاية ما نص من تكريم النوعية الآدمية والجزم على مضمر سر هذه الكلمة بقدم الرجل المركب من لحم وعظم ضلال وغلو من أولئك الجهلة المفرطين واستخفاف بأولياء الله تعالى.
حكم الاستخفاف بالعلماء
ويعجبني ما نقله السيد الفاضل نعمان أفندي الآلوسي الحسيني القادري في كتابه (غالية المواعظ) بما نصه: واستخفاف العلماء إنما يكون كفراً إذا كان عاملاً بعلمه لأن من لم يعمل بعلمه لا يستحق التعظيم ومن قال لفقيه أخذ شاربه ما أعجب قبحها أو أشد قبحاً قص الشارب أو لف العمامة تحت الذقن. قال في (الظهيرية) يكفر، لأنه استخفاف في العلماء. ومن قال قصصت شاربك وألقيت العمامة على العاتق، استخفافاً كفر كذا في الخلاصة للحميدي. أهـ. فأين هذا الاستخفاف من استخفاف من يصرف كلمة الشيخ رضي الله عنه لقدم الرجل ويقصد بذلك تحقير أولياء الله الذين طالما خضعت أعناقهم لله واشتغلت ألسنتهم بذكر الله وتعفرت جباههم بتراب السجود لله. فهل ذلك إلا من الجهل والعناد وإرادة العلو في الأرض والفساد وحاشا الشيخ قدس سره أن يقصد هذا المعنى على شرط صدور هذه الكلمة منه، فإنه من أكمل مَن تحقق بشريعة جده عليه الصلاة والسلام وقد عبر عنه العلماء الأعلام بشيخ الإسلام فكيف يصدر من مثله هذا التجاوز على جنسه والطاعن في جنسه كالطاعن في نفسه وليعلم أن مرتبته قدس سره الكمال والعمل بشريعة النبي الطاهر في الأقوال والأفعال. فعليك يا أخي بإجلال منزلته وإعلاء شرفه ومرتبته ولا تنظر لأقوال السفهاء الممقوتين الذين ينسبون مالا يرضاه إليه ويصرفون لأغراضهم مواخذة ظاهر الشريعة عليه وأنّى لهم ذلك وهو وسيع الرحاب ومحفوظ الجناب. وقد تخلق رضي الله عنه بأعظم أخلاق الفقراء وتمكن فيها تمكن العاملين من العلماء. قال سيدنا عبدالوهاب الشعراني قدس سره في كتابه (الدرر واللمع) ما نصه: وأما السيد عبد القادر الجيلي رضي الله عنه فمكث في بداية أمره نحو خمس وعشرين سنة يلبس من شراميط الكيمان ويأكل من قمامات البقول التي يرميها الناس في المزابل أو تسقط منهم في موارد الماء حتى وسع الله عليه بالحلال. أهـ. فانظر لمبالغته في الورع ووقوفه عند حدود الله وتمكنه بالأعمال الصالحة المرضية عند الله. وإنك إذا طالعت سيرته الزكية تعلم ما له من المجاهدات وعظيم العبادات وتعتقد اعتقاداً جازماً أنه من خواص المتمكنين الواقفين عند ظاهر الشريعة الغراء. ومن أعظم الناصرين لسنة جدّه سيد الأنبياء ولا يخفى أن جماعة من الشاذلية ابتلوا بإسناد ما هو أعظم من هذه الكلمة إلى الأستاذ أبي الحسن الشاذلي قدس سره وهي قولهم أنه قال: قدمي على جبهة كل ولي لله. وابتلي رجال الطريقة التيجانية المعروفة في المغرب الآن بإسنادهم إلى الشيخ أحمد التيجاني صاحب طريقتهم أنه قال: قدماي هذان على هامة كل ولي لله. فإذا أمعنت النظر فيما سبق من التفصيل ترى أن الكلمة المنسوبة للقطب الجيلي رضي الله عنه مع جلالة قدره ورفعة مقامه وقبول كلمته التأويل قال فيها القوم ما قالوا فما بالك بالكلمات التي تنسب لمن لم يبلغ منزلة هذه الإمام الجليل مما هو دونه شهرة ومكانة من الأولياء والمواخذة الشرعية حافة بكلماتهم من كل جهة. فهل إلا إنكار صحة النسبة المسندة إليهم حفظا لمقامهم وإجلالاً لمرتبتهم وردّها بالكلية على محسنيها ومعتقديها تعظيماً لجنس الأولياء فإن الجنس أجلّ وأفضل من الفرد كيف كان فاعمل بهذا يا أخي فهو طريق الصواب وقل للسفهاء المتشيخة الذين لا يميزون بين الحلال والحرام قبل تفكهكم بالكلمات المنسوبة إلى الشيخ رضي الله عنه وأمثاله وصرفها بفهمكم السقيم إلى الوجه المردود شرعاً. عامِلوا الله كما عامَلوه وأصدِقوا الله كما صدقوه وجاهدوا في الله كما جاهدوا في الله وتشبثوا بذيل الإتّباع من غير ابتداع وارجعوا عن نسبة القوم إلى التجاوز فإنهم أدّبهم الله وحماهم وصان حماهم .

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:24 pm


 
التحذير من تجاوز العبد حده مع إخوانه
وما أحسن ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه البرهان المؤيد وهو: " العبدُ متى تجاوزَ حدَّهُ مع إخوانه، يُعَدُّ في الحضرة ناقصا. التجاوزُ علم نقص، يُنشر على رأس صاحبه، يشهد عليه بالدعوى، يشهد عليه بالغفلة، يشهد عليه بالزهو، يشهد عليه بالحجاب. يتحدثُ القومُ بالنعم، لكن مع ملاحظة الحدودِ الشرعية. الحقوقُ الإلهية تطلبهم في كل قولٍ وفعل.
 الولايةُ ليست بفرعونية، ولا بنمرودية. قال فرعون {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات24). وقال قائدُ الأولياءِ وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، (لستُ بمَلِك) . نزَعَ ثوبَ التعالي، والإمرة، والفوقية. كيف يتجرأُ على ذلك العارفون، والله يقول {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} (يس59). وَصْفُ الافتقارِ إلى الله وصفُ المؤمنين. قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر15). هذا الذي أقوله، عِلْمُ القوم. تعلموا هذا العلم، فأن جذباتِ الرحمنِ في هذا الزمان قلَّت". أهـ.
هل قول: "رقبتي هذه على رقبة كل ولي لله"، لسان القطبية؟
ومن العجب ما ذكره الشيخ نور الدين علي صاحب (البهجة القادرية) وتمسك به جماعة من الشاذلية والتيجانية وهو قوله أن الكلمة التي نحن بصدد تأويلها لسان القطبية. قلت: يقال للشيخ المذكور ولمن وافقه من الفرقتين المذكورتين، أهَل خلت الأمة المحمدية من الأقطاب وما أحرز مقام القطبية إلا هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتموهم قدست أسرارهم؟ على أن هذا اللسان لم ينقل عن غيرهم أبدا؟ فما أدري ماذا يكون جوابهم وإلا عجب أنهم قالوا أن هذا اللسان يتكلم به الكامل من الأقطاب دون غيره. فقلت: غاب عن أذهانهم أن من عهد أكمل الأقطاب المحمديين وأفضل المخلوقين بعد النبيين والمرسلين سيدنا الخليفة الأول الصديق الأكبر رضي الله عنه إلى عهد مَن أسندوا إليهم هذه الكلمات قدست أسرارهم. سكت الأكملون المتقدمون الذين لا شبهة في صحة أكمليتهم ورجحانهم بحق على الخلق كباراً وصغاراً ولم ينطق واحد منهم بمثل هذه الكلمات، فهل للمحتج ريبة في كمالهم؟ حمانا الله. فكذلك إذا سئل بهذا السؤال ما أدري كيف يقول.
قول الإمام الرفاعي في التحدث بالنعمة
ومن العجائب أن قوماً أرادوا صرف هذه الكلمات على ظاهرها وإدخالها في باب التحدث بالنعمة والحال أن ما جاء في السنة من باب التحدث بالنعمة مشهور وفي كتب السنة مسطور. ولله درّ سيد الأقطاب شيخنا المؤلف فإنه أوضح في كتابه (البرهان) سرائر هذا الشأن وكشف به أستار الحقائق. وبيّن وجه الأدب مع المخلوق والخالق.
        وقد عرّف وأوضح رضي الله عنه في كتابه المذكور أمر التحدث بالنعمة فقال: "أي أخي، انظر كيف كان نبيك عليه أفضل الصلوات والتسليمات، وكيف قال، وكيف خالق الناس برا وفاجرا واعمل بعمله، وقل بقوله وتخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم. إن كنت لا تعلم فاسأل العلماء قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}النحل43. يتحدث القوم بالنعم اعترافا بنعمة المنعم وشكرا لها وحثا للناس على العمل لتحصل لهم هذه البركة قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}العنكبوت69. يقول المتحدث بالنعمة، أطلعني ربي على كذا وعلمني كذا ووهبني من الخير والبركة كذا. ولكن لا يقول أنا خير منكم أنا أجل منكم أنا أشرف منكم. هذه كلمات دعوى تكون من رعونة النفس ينطق بها لسان الأحمق. ما الذي خيرني عليك وأجلّني وشرفني. صلاة وصوم وغيرها من العبادات؟ {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون}الأعراف99. لولا امتثال قوله تعالى: {وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون}البقرة152، لخاط العاقل فمه بمخيط. أي أخي، تفتخر بأبيك آدم عليه السلام الصفوة الأولى، كَفَرَ أكثر أولاده. وكذلك أكثر أولاد الأنبياء والمرسلين. تفتخر بعلمك. إبليس حلَّ كل عويص، حلَّ وقرأ صحاف الموجودات. تفتخر بمالك، قارون هلك بماله. تفتخر بملكك، لم يغن ملك فرعون عنه من الله شيئا. ما هلك إبراهيم عليه السلام بعد أن تجرد إلى ربه. ما ذل موسى عليه السلام بعد أن فرش بساط ذله بين يدي خالقه. ما ضاع شأن يونس عليه السلام بعد أن قال بصدق الالتجاء {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ}الأنبياء87. ما خاب يوسف عليه السلام بعد أن استسلم لقضائه معتمدا عليه. هكذا النبيون ، هكذا المرسلون، هكذا الصديقون، هكذا الصالحون، {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله}يونس64. أهـ.
        وقال الإمام عبد الوهاب الشعراني قدس سره في كتابه (الجواهر والدرر) وسمعته يعني شيخه رضي الله عنهما يقول: قال لي بعض أهل الكتاب: نحن جعلنا مع الله إلهاً آخر وأنتم جعلتم آلهة لا تحصى، فقلت: ما هي؟ قال تقولون بألوهية الأسباب. فقلت له: هذا باطل عنا وإنما هذا كلام من هو خارج عن الصراط المستقيم. فقال إذا أنصفتم فنحن أقل شركاً بالله تعالى منهم. فعليك يا أخي باتباع العلماء العاملين من السلف والخلف وإياك وما انتحله غلاة المتصوفة والله يتولى هداك. أهـ. قلت: وأظن أن القائلين بألوهية الأسباب أقل شركا من القائلين بألوهية الأشياء أعني أصحاب الوحدة المطلقة ولهذا حذر القوم العارفين من سماع كلماتهم والقول بأقوالهم وانظر كيف يقول سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): "صموا أسماعكم عن علم الوحدة وعلم الفلسفة وما شاكلهما. فإن هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار حمانا الله وإياكم. الظاهر الظاهر اللهم إيمانا كإيمان العجائز، {قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون}الأنعام91. أ.هـ. ومن المعلوم أن فتاوى العلماء وأئمة الدين طافحة بتكفير مَن يعتقد الوحدة المطلقة والأمر وفاقي بين العلماء لا نزاع فيه نسأل الله الحماية وأما أصحاب الشطح فالقول فيهم بالنظر إلى الكلمات التي تروى عنهم. فإن كانت تقبل التأويل وقائلها رجل عارف متمكن في دينه أخذته سكرة الحب فتكلم كلمة يصح فيها التأويل نؤول كلامه على شرط درء الحدود بالشبهات عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله". ونرى أن الرجل المتمكن الكامل أجلّ منزلة وأرفع مكانة من الشطاح كيف كان، لتحققه في مقام العبودية الذي هو أشرف المقامات وأرفع الدرجات وهذا الذي اختاره أئمة هذا الدين سلفاً وخلفاً.
8- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "دفتر حال الرجل أصحابه".
قد وافقت هذه الحكمة المباركة مضمون ما جاء في الخبر الشريف أن "المرء على دين خليله". وقال الإمام الشعراني في كتابه (الجواهر والدرر) أنهم، يعني أهل الله، يقولون: من لم يجتمع بشيخ مات فليجتمع على تلامذته يحيط به علما . أهـ.
حالة الشيخ كمالاً كانت أو نقصانا تظهر في أتباعه
ولينظر كيف يقول سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): "حالة الشيخ كمالاً كانت أو نقصانا تظهر في أتباعه ومريديه بطناً بعد بطن. فإن كانت حاله كمال علا بها حال الكامل، وزاد بها حال الناقص. وإن كانت حالة نقص، نقص بها حال الكامل وذهب بها حال الناقص إلا إن وهب الكريم فلا تأثير للأحوال. إياكم وإبقاء أثر ينقص حال كُمَّل أتباعكم ويُذهب حال ناقصهم. الرجل من تظهر آثاره بعده. قال الرجال:
إن آثارنا تدل علينا

 
فانظروا بعدنا إلى الآثارِ

   اتركوا بعدكم أثر الذل والانكسار والتجرد من الدعوى والخروج من حيطة الاستعلاء والتذلل بباب المولى ومحبة الفقراء والعلماء وموافقة الأقدار بالتسليم إلى الله والتمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإياكم والغِرة بالوقت فما هو عند العارف بشيء إلا إذا لم يصرفه في غير الطاعة ويأخذ منه ما يثلج صدره. أجل (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). ما بقي من قوم سليمان عليه السلام أحد، ذهب ملكه ونُسخت شريعته، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لا يذهب شأنه ولا تُنسخ شريعته بإذن الله {إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَاد}آل عمران9. وصْفُ سليمان نازعه وصف الملك الديان فطمسه:{لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار}غافر16، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم لما كان العبدية أعانه وصف الربوبية فدام ذكره وعلا أمره {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} المائدة67. وقد ترون أن الملوك وذراريهم وحواشيهم تذهب ورسومهم تنقلب والرعية على حالها. هؤلاء نازعتهم صفة الربوبية لما رأوا المالكية فزالوا، وهؤلاء صانتهم صفة الربوبية لما تحققوا بمنزلة المملوكية فداموا. قال سيدي الشيخ منصور صحيفة حال الشيخ أتباعه، لهم من حاله وخلقه وشمة لا بد أن تفعل كيف كانت إلا إذا غلبها حال سماوي اختص به التابع فربما يعلو منزلة شيخه {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّه}النساء70، {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} الجمعة4. ترى في أصحاب الحلاج حب القول بالوحدة. ترى في أصحاب أبي يزيد رحمه الله حب الإغماض والتكلم بالرقائق. ترى في أصحاب الجنيد رضي الله عنه حب الجمع بين لسان الطريقة والشريعة. ترى في أصحاب النصراباذي حب المعالي لما كان عليه من المنزلة. ترى في أصحاب سيدي الشيخ أبي الفضل حب الوحدة إلى الله بالذل لله وللخلق. وقد تنعكس هذه القاعدة في البعض ولكن يكون ذلك بالاختصاص: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء}آل عمران74. معروف الكرخي، وداود الطائي، والحسن البصري، ومن تأدب بصحبتهم من هذه الطائفة رضي الله عنهم، اختصروا أسباب السير على كلمتين. (التمسك بالشرع وطلب الحق وحده) . أهـ. ويناسب هذا قول بعضهم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

 
فكل قرين بالمقارن يقتدي

ذكر جماعة من أصحاب الإمام الرفاعي وأصحابهم
ويحسن هنا أن نذكر للتبرك جماعة من أصحاب سيدنا المؤلف وأصحابهم ليتنبه اللبيب ويفهم جلالة قدره وعلو شأنه وأمره وقد عقدت لأصحابه الكرام وأصحابهم الأعلام باباً مستوفياً مخصوصاً في كتاب (قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر). اتفق المؤرخون كافة على أن تلامذته رضي الله عنه لا تحصى وأطبق الصوفية وأعيان علماء السادة الرفاعية على أن خلفاءه وخلفاءهم بلغت عدتهم مائة وثمانين ألفاً حالة حياته رضي الله عنه فمن الذين تخرج بصحبته الإمام الأجل أبو شجاع الشافعي الفقيه شيخ مجتهد المذهب الشافعي الإمام عبد الكريم الرافعي ومنهم الشيخ أبو الفرج عمر الفاروثي ثم الكازروني الواسطي وعنه أخذ ولده الإمام أبو إسحاق إبراهيم وعنه ولده عزالدين أحمد الفاروثي الكازروني وعنه جماعة أعاظم من جملتهم برهان الدين العلوي وعماد الدين أبو العلم محمد الجندي والنجم الأصفهاني ورضي الدين الطبري وتتصل به أيضاً نسبة الإمام جلال الدين السيوطي والإمام الشعراني وغيرهم وناهيك بهذه الطبقة المباركة من طبقة ومنهم أبو أحمد جعفر بن عبدالله بن سيد بونة الخزاعي وعنه أخذ القطب أبو محمد عبد الرحمن المدني العطار المشهور بالزيات وعنه أخذ القطب عبد السلام بن بشيش ويقال مشيش وعنه أخذ القطب أبو الحسن الشاذلي قدس سره وتتصل نسبة الشاذلي أيضا بالشيخ عبد السلام ابن مشيش عن القطب الكبير بري العراقي عن الغوث الأكبر سيدنا المؤلف رضي الله عنه وعن الشيخ بري المشار إليه لبس الخرقة الرفاعية سيدنا القطب السيد أحمد البدوي كما صرح بذلك الشعراني في الطبقات الوسطى ومنهم القطب الجليل الشيخ حسن القطناني علم الديار الشامية والحافظ الشيخ تقي الدين الواسطي والإمام أبو الفتح الواسطي نزيل الاسكندرية شيخ مشايخ الإسلام عبد العزيز الدريني وعلي المليجي وعبد السلام الاقليبي رضي الله عنهم أجمعين ومنهم الشيخ تقي الدين الفقير النهروندي الواسطي شيخ أشياخ الشيخ أبي الحسن الشاذلي قدست أسرارهم ومنهم الشيخ أبو بدر العاقولي الواسطي والشيخ عمر الهروي الشافعي والشيخ علي ابن نعيم البغدادي والشيخ الجليل قطب الرجال العارف الرباني الشيخ حيوه ابن قيس الحراني وأمثالهم رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بهم والمسلمين وأقول فيه متبركاً مرتجلاً:
أبو العلمين الغوث ذو القدم التي
عصابته زهر النجوم وإنهم

 
على أثرها الإفراد لله تذهبُ
متى غاب منهم كوكبٌ لاح كوكبُ

 
 
 
  
ذم الحرص على الرياسة والشهرة
 
9- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "تعب الناس وحسابهم على الرياسة والشهوة وفيهما الغايات".
 لا يخفى ما في هذه الحكمة الشريفة من المضامين اللطيفة المستنبطة من أصل السنة السنية المحمدية والشرعة الطاهرة الأحمدية وانظر كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرياسة وطلب التعالي على الناس والحرص على الإمارة: "إنكم تحرصون على الإمارة وإنها حسرة يوم القيامة وندامة إلا مَن أخذها بحقها. وجاء في حديث آخر: "حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب: وقال عليه الصلاة والسلام: "من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين". وقد جُرّب أن طلب الرياسة محفوف بالمتاعب والأخطار وقلّ من ينجو فيه من النوائب والأكدار وإذا صفا الأمر نادراً لرجل من أصحاب الرياسة قلّ أن يجمع بين الدنيا والآخرة. وأما الشهوة فهي أم القبائح وحب الرئاسة مادة من مواد الشهوة. قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسير قوله تعالى"{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَات}آل عمران14. الآية. أن الشهوات ها هنا هي الأشياء المشتهيات. سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور قدره وللمرجو رجاه وللمعلوم علم وهذه استعارة مشهورة في اللغة يقال هذه شهوة فلان أي مشتهاه. قال صاحب (الكشاف) وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان إحداهما أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها والثانية أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذموم من أتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها. أهـ. وثابت بالأدلة العقلية أن الشهوات أبواب المصائب في النفس والمال والدين وأضر مواد الشهوة حب الرئاسة فأن طالب الرياسة قد يتجاوز الحدود الدينية ويكذب ويظلم ويغدر ويفعل مالا يجوز فعله لأغراضه الدنية ولذلك حذر أئمة الدين من الرئاسة وأمر إخوانهم وأحبابهم بالتباعد عن طلبها. وقد نقل القطب عبد الوهاب الشعراني قدس سره في كتابه الأنوار القدسية أن سيدنا المؤلف الغوث الأكبر السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه قال لبعض تلامذته كن دائما ذنباً ولا تكن رأساً فإن الضربة أول ما تقع في الرأس. ويعجبني ما قاله الفاضل السيد صالح أفندي المنير الحسيني مما يناسب هذا الشأن:
مهما استطعت فلا تكن رأساً وإن
أوَما ترى السيّاف ليس بقاطعٍ

 
رغبتْ بهذا الأمر جلّ الناسِ
أبداً، وقاكَ اللهُ، غيرَ الرأسِ

   
 10- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة".
 قد ألزمنا القرآن باتّباع هذا النبي الكريم وحذر من مخالفته عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}النور63. وقال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". وانظر ما قاله المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) بما نصه: " (إياكم ومحدثات الأمور) .قال عليه الصلاة والسلام: (مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ). عاملوا اللهَ بالتقوى، وعاملوا الخَلق بالصدق وحسن الخُلُق، عاملوا أنفسكم بالمخالفة ، وقِفوا عند الحدود. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) ( النحل 91 ). (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر 7). إياكم والكذب على الله والخَلق، فإن الدعوى كذب على الله وخلقه، كل العبودية معرفة مقام العَبْدية، الدين عملٌ بالأوامر، واجتناب عن النواهي، وخضوعٌ وانكسارٌ في الأمرين. العمل بالأوامر يقرب إلى الله، والاجتناب عن النواهي خوف من الله. طلب القرب بلا أعمال، مُحالٌ وأي محال. الخوف مع الجرأة فضيحة. اطلبوا الله بمتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، إياكم وسلوك طريق الله بالنفس والهوى، فمن سلك الطريق بنفسه ضل في أول قدم. أي سادة! عظموا شأن نبيكم صلى الله عليه وسلم، هو البرزخ الوسط الفارقُ بين الخَلق والحق، عبد الله، حبيب الله، رسول الله، أكمل خَلق الله، أفضل رسل الله، الدّالُّ على الله، الداعي إلى الله، المُخبِرُ عن الله، الآخذُ من الله، باب الكل إلى الحظيرة الرحمانية، وسيلةُ الكل إلي الحظيرة الصمدانية. ومن اتصل به اتصل، ومن انفصل عنه انفصل، قال صلوات الله وتسليماته عليه (لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به). أي سادة! اعلموا أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم باقيةٌ بعد وفاته، كبقائها حال حياته، إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها، وجميعُ الخَلقِ مخاطَبون بشريعته الناسخة لجميع الشرائع، ومعجزاته باقية وهي القرآن، قال تعالى (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء88). أي سادة! مَن رَدَّ أخبارَه الصادقة، كمَن رَدَّ كلام الله تعالى. آمنا بالله، وبكتاب الله، وبكل ما جاء به نبينا محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )(النساء 115)." أهـ.
 
أقرب الطرق إلى الله
        وسئل جدنا الخامس السيد الشيخ حسين برهان الدين قدس سره ورضي الله عنه عن أقرب الطرق إلى الله فقال للسائل: الطريق إلى الله الشرع وأما ما سمعته من أن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلايق فتلك طرق القبول الداخلة في دائرة الشرع كقول القائل: "الله" وقبوله عند قولها، أو كصلاة في جوف الليل وقبوله عندها أو كصدقة وغير وذلك فإذا تشرعت فإنك دخلت حبطة في دائرتها تجد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلايق:
شريعة المختار للطرايق
بعدّ أنفاس الخلايق انطوت

 
دائرة تجمع للحقائق
طرائق الوصل بها للخالق

أهـ.
الترغيب بالتمسك بسنته صلى الله عليه وسلم
وقد مَنّ الله علي بذكر جملة شريفة تناسب هذا الباب كتبتها في كتابي (ضوء الشمس) وها هي بحروفها: "وجميع العلماء والأولياء والصلحاء والأتقياء والأقطاب والأفراد والأنجاب والأوتاد وأئمة أهل الرشاد الذين فاضت بركاتهم على العباد وملأ ذكرهم البلاد ملتمسون من رسول الله ومستمدون من إمداداته ومستفيضون من فيوضاته ومشمولون بإحساناته ومنعمون بإنعاماته أبديه لهم شاملة وألطافه لديهم متواصلة ولله در البوصيري حيث قال:
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ

 
غَرفاً من البحر أو رشفاً من الدِّيَمِ

        فينبغي لكل من منّ الله تعالى عليه بالإسلام أن يكون في جميع حالاته متابعاً له عليه الصلاة والسلام قولاً وفعلاً وتقريراً ويعض على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده بالنواجذ قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه} آل عمران31. " وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما}النساء65.  أي ينقادوا انقيادا. وقال تعالى:  {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}الأحزاب21.  والأسوة، القدوة وهل يجهل ذو لبّ وبصيرة أن شريعته الطاهرة وكلمته القاهرة شريعة العدل الأكمل وكلمة الحق الذي لا يتحول والفارقة بين الحق والباطل والكافلة لحفظ حق الضعاف من تسلط الأقوياء ونعم الكافل والدالة على خيري الدنيا والدين والممدودة الظلال لحماية العجزة والمساكين. وما أحسن ما قلت به بفضل الله تعالى:
كفى الضعيف عن الأحزاب ثم حما
وأيّد العدل حتى قال قائل من
فكل مفتقر تلقاه كافلهُ

 
حِمى الفقير الذي أعناه ظالمهُ
في أرض هذا رسول العدل حاكمهُ
وكل باغٍ عنيدٍ فهو قاصمهُ

فيجب على كل منصف وصاحب طبع سليم تجردت نفسه من الأغراض السقيمة واندرجت طبيعته في سلك الطباع السليمة أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام وأن ينصب نفسه لتأييد أحكام شريعته التي هي مهد الأمن للأنام وهذا الشأن من أهم المهمات لمن آمن به صلى الله تعالى عليه وسلم واتّبعه وأحبه ولا شك أن مَن أحب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كان لقوله سميعاً ولأمره مطيعا، فدعوى محبته مع كثرة مخالفته من دعاوى النفس المجردة عن البيان والعارية عن الحجة والبرهان ولله در القائل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
 
هذا لعَمري في القياسٍ بديعُ

لو كان حبك صادقاً لأطعته

 
إن المحب لمن يحب مطيعُ

وفي الحديث الشريف: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" زاد في رواية "وكل ضلالة في النار". وفي حديث آخر: "مَن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني". وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد. وشر الأمور محدثاتها". وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد". وعن أنس قال عليه الصلاة والسلام: "مَن أحيى سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي". وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: سَنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي مَن خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد ومن انتصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وقالوا الاعتصام بالسنة نجاة وعن عطاء في قوله تعالى:  {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُول}النساء59.  أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال سهل التستري: أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الأخلاق والأفعال والأكل من الحلال وإخلاص النية في جميع الأعمال. وفي الحديث: "مَن رغب عن سنتي فليس مني". وانظر يا أخي ما قاله السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه: لو بلغنا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرنا بقص الأعناق لقصصناها اتّباعاً وامتثالا لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال لولد بنته القطب المقرب أبي اسحق السيد إبراهيم الأعزب الرفاعي قدّس سره: ما أخذ جدك طريقاً لله إلا إتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن مَن صحت صحبته مع سر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اتّبع آدابه وأخلاقه وشريعته وسنته ومَن سقط من هذه الوجوه فقد سلك سبيل الهالكين. انتهى.
الترهيب من مخالفة سنته صلى الله عليه وسلم
 
ويكفيك في النهي عن مخالفة السنة النبوية والطريقة المحمدية ما  جاء من الآيات الفرقانية والنصوص القرآنية قال تعالى وهو أصدق القائلين: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}النور63. الآية. وقال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا}النساء115. ومعلوم أن الله تعالى ما أرسل هذا الرسول إلا ليطاع وما بيّن صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام سنته السنية إلا لأجل الاتّباع والخير كله لمن اهتدى فاقتدى واتّبع. والشر كله لمن ذلّ فَضَلّ وابتدع. ولذلك قال صاحب (الجوهرة):
وكل خيرٍ في اتّباعِ مَن سَلَفْ

 
وكل شرٍّ في ابتداع مَن خَلَفْ

 والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ولم يترك خيراً إلا وحضّنا عليه كثيرا ولا شراً إلا وحذّرنا منه تحذيرا. فمن أراد عِزّ الدنيا والآخرة فشرعه صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم دليل. ومَن فارقه قيض شبر فقد ضل سواء السبيل. أهـ. وهذا كافٍ لمن وفقه الله تعالى.
 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:27 pm


 
 
11- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان".
 وقد أجمع على ذلك أئمة الدين وصرّح بذلك القرآن. قال تعالى في شأن ذاته القدوسية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}الشورى11. وقال الحبيب العظيم مناجياً: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وقال الصدّيق الأكبر رضي الله عنه: "العجز عن درك الإدراك إدراك". وقال سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتاب (البرهان) ما نصه: "وقد جمع إمامنا الشافعي، رضي الله عنه، جميع ما قيل في التوحيد بقوله: "مَن انتهضَ لمعرفة مدبره، فانتهى إلي موجودٍ ينتهي إليه فكره فهو مُشبِّه . وإن اطمأن إلى العدم الصرف، فهو مُعطِّل. وإن اطمأن لموجود، واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحِّد".
حمل المتشابه على المحكم
 
        أي سادة: نزِّهوا الله عن سمات المحْدَثين، وصفات المخلوقين، وطهِّروا عقائدكم من تفسير معني الاستواء في حقه تعالي بالاستقرار، كاستواء الأجسام على الأجسام المُستلزِم للحلول، تعالى اللهُ عن ذلك. وإياكم والقول بالفوقية والسفلية، والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالإتيان والانتقال، فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة، مما يدل ظاهره علي ما ذُكر، فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود، فما بقي إلا ما قاله صلحاء السلف وهو: الإيمانُ بظاهر كل ذلك، وردُّ علم المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الباري تعالى عن الكيف وسمات الحدوث، وعلى ذلك درج الأئمة، وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته والسكوت عنه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله. ولكم حمل المتشابه على ما يوافق أصل المحكم، لأنه أصل الكتاب، والمتشابه لا يعارض المحكم. سأل رجل الإمام مالكا بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه 5) فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. وأمر به أن يخرج. وقال إمامنا الشافعي  رضي الله عنه لما سئل عن ذلك: "آمنتُ بلا تشبيه، وصدَّقتُ بلا تمثيل، واتهمتُ نفسي في الإدراك، وأمسكتُ عن الخوضِ فيه كل الإمساك".      وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: "مَن قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض فقد كفر". لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا. ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مُشبِّه.         وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء، فقال: "استوى كما أخبر، لا كما يخطرُ للبشر". وقال الإمام ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "مَن زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك. إذ لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان من شيء لكان مُحدَثا". أي سادة، اطلبوا اللهَ بقلوبكم، هو (أقرب إليكم من حبل الوريد) (ق 16)، (أحاط بكل شيء علما) (الطلاق 12). أهـ. فمن هذه الآثار الشريفة والأخبار المنيفة يظهر لك أن غاية المعرفة العجز عن الكيف والمكان مع الإيقان بوجوده تعالى وتقدس عن التشبيه والنقصان.
 
12- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "ثقل مرض الموت أول قناطر المعرفة بالله عند المحجوبين. ولهذا قيل لنا موتوا قبل أن تموتوا".
13- ثم قال رضي الله عنه: "حضرة الموت تكشف الحُجُب كما ورد: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا".
 لا يخفى أن من تدبر هاتين الحكمتين والدُرَّتين اليتيمتين أدرك أن سيدنا المؤلف رضي الله عنه طوى فيهما أسرار العرفان وأوضح ما يلزم في هذه الدنيا الفانية للإنسان وبيّن للعاقل في الحكمة الأولى أن ثقل مرض الموت كالقنطرة يعبر عليها المحجوب أي الغافل إلى معرفة الله فيذعن عن طبعة وتعترف بشريته حالة إيقانه بمفارقة هذه الدنيا الدنية أن مصيره إلى الله وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه. ولينظر ما أحسن تتمة الحكمة الأولى فإنه ختمها بقوله: "ولهذا قيل لنا موتوا قبل أن تموتوا"، فإنه فرّق بهذه الكلمة بين الغافلين المحجوبين والعارفين المتيقظين. فالمحجوبون لا تنكشف لهم أسرار المعرفة بالله إلا بعد عبور قنطرة مرض الموت والعارفون رضي الله عنهم عملاً بأثر: "موتوا قبل أن تموتوا" يقطعون عن أنفسهم الزكية علائق البشرية ويرون أنفسهم وبقية الذرات المخلوقة محاطين بالعدم المحض فتنطبع قلوبهم على الانتباه الخالص فلا يؤثر فيهم حجاب الغين طرفة عين، {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام90.
وانظر كيف أتى بالحكمة الثانية على نسق منيع وأسلوب بديع فقال: "حضرة الموت تكشف الحُجُب" مستدلاً بخبر "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". علماً بقلة العارفين في كل زمن، {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}ص24. وإيضاحاً لعجز المخلوقين كافة عن العلم بالله في هذه الدار. وشاهد ذلك أمر الله لنبيه عليه الصلاة والسلام في القرآن العظيم بطلب زيادة العلم بقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْما}طه114. فما انكشف للعارفين في هذه الدار بالنسبة لما سيظهر في الدار الآخرة كالنقطة من البحر. فإن عجائب القدرة وقوة سلطان الربوبية لا يتمكن البشر قبل إزالة حجاب هذه الحياة أن يحيط بفهمها أو أن يتحمل دهشة الاطلاع عليها. فلذلك عبّر عن هذه الحياة بالنوم لانحجاب البشر بها عن حقيقة المعرفة. وعبّر عن الموت بالانتباه لحصول القابلية الإنسانية من النوع الآدمي كل بنسبة مرتبته للاطلاع على حقيقة المعرفة بالله وبعظمة سلطانه وعزيز برهانه. وما صحّ هذا الاطلاع لأحد في هذه الدار إلا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقوة استعداده ولياقة قابليته المحمدية ولكونه حزب الله سمّاه الله حزباً مع أن الحزب لا يُطلق إلا على الجماعة إشارة لثبات قلبه الشريف وفرط قوته واستعداده وقابليته لتلقي التجليات تدنياً وتدلياً. ويؤيد ما سبق من المقصود قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا". صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وورّاثه وأحبابه أجمعين.
 
14- قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "كل توحيدك قبل تنزيهه تعالى شرك. التوحيد وجدان في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه".
أراد المؤلف رضي الله تعالى عنه إسقاط تأثير الأسباب وتنزيهه سبحانه وتعالى عن المشاكلة والمجانسة في ذاته وصفاته وقد فسر هذه الحكمة بقوله في كتابه (البرهان): " طب بربك عن الكل. فإن الربوبية تقدست وجلّت عن وصف المشاركة في كل حال ردّت أعمال الشرك إلى المشركين وقبلت أعمال التوحيد من الموحدين: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}الزمر3. وقال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا}الكهف110. أهـ.
ثم عرّف التوحيد بوجدان سر مضمر في القلب يمنع خواطر التعطيل والتشبيه أن تمر على الحضيرة القلبية وهذا هو التوحيد المحض لأن الله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور}غافر19. وقد سبق على مثل هذا الكلام وبه الكفاية.
 
15- قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "رح وتعال، كلك خيال. انزل يا مسكين عن فرس عجبك. رُبّ عثرة أوصلت الحفرة".
أراد المؤلف رضي الله تعالى عنه بقوله "رح وتعال كلك خيال"، عدم البقاء في هذه الدار. ومن هذا المعنى قول الصديق الأكبر رضي الله عنه:
كل امرء مصبح بأهله

 
والموت أدنى من شراك نعله

ويؤيد ذلك قول الله تعالى لنبيه الطاهر المأمون {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }الزمر30. وقال صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها". وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لا تدرون تنجون أو لا تنجون". فمن هذه الأخبار الشريفة المحمدية يستدل على هوان الدنيا وسرعة مرورها ولزوم ترك العجب فيها. وقد ورد ما هو أوضح من هذا وهو أن عمر رضي الله تعالى عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشاً أو ترضى هذا. قال: "مالي وللدنيا وما للدنيا ومالي والذي نفسي بيده ما مَثَلي ومَثَل الدنيا إلا كراكبٍ سافر في يوم صائف واستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها". ومن هذا المعنى المبارك قول مولانا السيد الشيخ سراج الدين الرفاعي المخزومي قدس سره العزيز:
أذان الناس حيث الطفل يأتي
يشيرُ بأن عمر المرء فيها


 
وتأخير الصلوة إلى الوفاة
كما بين الأذان إلى الصلاة

        فكأن سيدنا المؤلف رضي الله عنه يقول: أيها المسكين المغرور بهذه الحياة القصيرة، المعجب فيها بقوته وحوله وطوله، انزل عن فرس خيالك وعجبك بحولك وقوتك فإن القوة والحول والطول والقدرة والبقاء لله تعالى. والذي أنت فيه عثرة يوشك أن يوصلك حفرة العذاب بعد وصولك حفرة القبر. وكأنه يقول رضي الله عنه في وجه آخر: أيها المعجب بنفسه على أبناء جنسه تأدب مع الله وخلقه فرب عثرة لك يقودك إليها عجبك وغرورك وترفعك على الخلق تصل بها إلى حفرة الانحطاط عن جاهك وحياتك وغير ذلك ويناسب هذا قول القائل:
كم نعمة زالت بأدنى ذلة

 
ولكل شيء في ثقليه سبب

   
16- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "رُبّ علم ثمرته جهل. ورُبّ جهل ثمرته علم".
17- وألحقها بقوله: "كيف يصح لك عز العلم وأنت كسوت علمك ثوب الذل".
أراد رضي الله عنه بقوله: "رُبّ علم ثمرته جهل" أي رب علم اختطفت صاحبه أجنحة الغرور بالعلم فاكتفى به عن العمل وتعالى على الخلق فأنتج له العلم المذكور ثمرة القطيعة التي ينتجها الجهل. وأراد بقوله ورب جهل ثمرته علم أي ورب جهل ألزم صاحبه الانكسار والاحتقار لنفسه فلزم أبواب العارفين والعلماء العاملين وأخذ عنهم وانتفع منهم فأورثه اعترافه بجهله وإنكساره معه علماً.
حال الصوفية والعلماء تحت أربع درجات
 
        وما أحسن ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) وهو: "أي سادة، كل حال القوم من أولهم إلى آخرهم تحت أربع درجات وكل حال العلماء والفقهاء كذلك.
فأما الدرجة الأولى من حال القوم: فدرجة رجل طلب المرشد لما رأى من إقبال العامة على الطائفة فأحب ذلك وفرح بالرواق والجمعية والزي.
والدرجة الثانية: درجة رجل طلب المرشد عن حسن ظن بالطائفة فأحبهم وأحب ما هم عليه وأخذ بصميم القلب كل ما نقل عنهم وأخذ منهم بالاعتقاد الصحيح النظيف.
الدرجة الثالثة: درجة رجل سلك المقامات وقطع العقبات وبلغ من الطريق العوالي من الدرجات ولكن وقف تارة عند قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد}فصلت53. فساعة يرى الكون بمشهد الآية التي أُريت له فيغيب بها عمن أراه إياها. وساعة يرى نفسه بمشهد الآية التي أريت له في نفسه فيغيب بها وهذا المشهد مشهد الإدلال ومنه تحصل الشطحات والتجاوز وإظهار العلو على العوالي والبروز بحال السلطنة والظهور بالقول والفعل والحول والقوة.
 والدرجة الرابعة: درجة رجل سلك الطريق مقتفيا آثار النبي صلى الله عليه وسلم في كل قول وفعل وحال وخلق، حاملاً راية العبدية فارشًا جبين الذل في الحضرة الربانية يشهد على هامه {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهه}القصص 88، ويقرأ من صحيفة جبهة كل ذرة مخلوقة {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} الأعراف54. يقف عند حده ويبسط على تراب الأدب بساط خده ويمر في أثناء سيره على عقبات الآيات فينصرف عنها إلى المعبود {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} الكهف110.
 فصاحب الدرجة الأولى محجوب.
وصاحب الدرجة الثانية محب.
وصاحب الدرجة الثالثة مشغول.
وصاحب الدرجة الرابعة كامل.
وفي كل درجة من الدرجات المذكورات درجات كثيرة تظهر للعارف من حال الرجل.
 وأما درجات العلماء والفقهاء:
فالدرجة الأولى: درجة رجل طلب العلم للمماراة والجدال والتفاخر وجمع المال وكثرة القيل والقال.
والدرجة الثانية: درجة رجل طلب العلم لا للمناظرة ولا للرياسة ولكن ليحسب في عداد العلماء فيمدح بين أهله وعشيرته وأهل قريته مكتفيا بهذا المقدار متمسكا بالظاهر لا غير.
والدرجة الثالثة: درجة رجل حل عويص المشكلات وكشف دقائق المنقولات والمعقولات وغاص بحور الجدل مضمرا الهمة لنصرة الشرع في أحواله إلا أنه أخذته عزة العلم على من هو دونه. وإذا انتصر للشرع وعورض بدليل اختطفته نصرة نفسه فأفرط وأقام الأدلة على خصمه وشنع عليه وربما كفره وطعن فيه وهجم عليه هجوم الحيوان المفترس مع عدم رعاية الحد المحدود شرعا في كل حال من أحواله وأحوال خصمه.
والدرجة الرابعة: درجة رجل علمه الله فنصب نفسه لتنبيه الغافل وإرشاد الجاهل ورد الشارد ونشر الفوائد والنصيحة وإنكار ما يُنكر شرعا وقبول ما يُقبل شرعا بحسن التجرد من الغرض، يرى أن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، يأمر بالمعروف أمر حكيم غير غليظ ولا فظ وينهى عن المنكر نهي مشفق غير ظالم ولا عاد.
فصاحب الدرجة الأولى سيئ.
وصاحب الدرجة الثانية محروم.
وصاحب الدرجة الثالثة مغرور.
وصاحب الدرجة الرابعة عارف.
وفي كل درجة من الدرجات المذكورات كذلك درجات تظهر من حال الرجل. والمعصوم من عصمه الله. أهـ.
        فانظر ما أجمل هذا التفصيل الحسن فإنه إذا فقهت استوفى مراتب الصوفية والفقهاء وتدبر كيف التفت مخاطباً لمن أضاع ثمرة العلم وطلب عزه فقال له: كيف يصح لك عز العلم الذي هو بركة العمل التي تنتج العلم اللدني بشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما يعلم ورّثه الله علم ما لم يعلم". وأنت كسوت علمك ثوب الذل والإهانة بترك العمل والانحراف عن الطريق المستقيم الذي به وصل أهل العلم بالله إلى الله وهذا عين مضمون البيت المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

 
ولو عظّموه في النفوس لعظموا

فتعظيمه في النفوس إنما هو تعظيم شعائر الله قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32. ومن كان عالماً بالدنيا جاهلاً الآخرة فهو مبغوض عند الله بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى يبغض كل عالم الدنيا جاهل بالآخرة". فالله نسأل وبرسوله العظيم نتوسل أن يجعلنا من العالمين العاملين المقبولين عنده المرضيين، إنه أرحم الراحمين.
 
18- قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "لا تظن أن صبغك يستر شيبك. غيّره وما ستره.
 قد أتى بهذه الحكمة الرصينة على وجه استجمع غاية الحسن ونهاية البلاغة لاستعماله الصبغ الذي لا يكون إلا في المحسوس وفي المعقول. فهذا الاستعمال اللطيف مجاز بالاستعارة وإيضاحه أن تقول، شبّه البطالة والانحراف عن طريق الاستقامة بالشيب وشبّه الرياء الذي يستعمله البطّال بالصبغ وشبّه فراسة المؤمنين بالمقل التي ترى الشيب المصبوغ مغيّراً بالصبغ عن أصله معلوماً لديهم أنه تحول عن شكله الصحيح بعارض الصبغ. وفي هذا السبك من حسن الإيجاز ورقة المعنى ما لا يخفى على صاحب ذوق وعلم. ويؤيد هذا ما ورد أن مَن أسَرَّ سريرة ألبسه الله رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وحسن ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) وكأنه نظم لإيضاح هذا المعنى وهو:
بدّلت بالحِنّا بياضكَ أحمرا

 
وخُدعتَ فيه وقلتَ شعري أحمرُ

        ومن المعلوم أن هذه الحكمة المباركة شيّدت دعائم السنة من أربع جهاتها. دعامتها الأولى أن جاءت بتنبيه الغافل ونصح الجاهل. والثانية ورّت بالفعل ولم تصرح باسم أحد. الثالثة . قال لسان حالها الحق ولم يخف في الله لومة لائم. الرابعة. التزام أثر النبي صلى الله عليه وسلم بهدي الجاهل وتنبيه الغافل وإحياء السنة وإماتة البدعة. فرضي الله عن سيدنا المؤلف فإنه كما ناب عن جده صلى الله عليه وسلم بإعلاء منار الشرعية الغراء ونشر أعلام المحجة البيضاء والتخلق بأخلاق جده صاحب الخلق العظيم والسير بصحة الاتّباع على طريقه الصراط المستقيم. فكذلك مَنَّ الله عليه بلسان اضمرت فيه الوراثة المحمدية. فجرت عليه ينابيع الحكمة المستفاضة من صاحب جوامع الكلم سيد البرية. فأنى يأتي الزمان له بخلف. وقد ثبت بشواهد أفعاله وأحواله عدم وجود مثله بعد الصحابة وأئمة الآل الكرام في السلف  (حلف الزمان ليأتيَنَّ بمثلهِ              حنثت يمينكَ يا زمان فكفّرِ).
 
19- ثم قال رضي الله عنه: "لو خطا الرجل من قاف إلى قاف كان جلوسه أفضل. ولو تكلم عن الذات والصفات كان سكوته أفضل".
 أراد بذلك إشغال الواصل بالمكرم لا بالكرامة. وأشار إلى منع المتكلم عن الخوض بالذات والصفات. وهذا مذهب العارفين وأهل المؤيدين. ألا ترى كيف قال في كتابه (البرهان المؤيد): "أي أخي، أخافُ عليكَ من الفرحِ بالكرامةِ وإظهارِها، الأولياءُ يستترون من الكرامة كاستتارِ المرأةِ من دم الحيض. أي أخي، الكرامةُ عزيزةٌ بالنسبة إلى المكرم، ليست بشيءٍ بالنسبة لنا، لأن هذا الإكرام لما ورد من باب الكريم، عظُمَ وعزَّ، وتلقتهُ القلوبُ بالإجلال. ولما تحول لفظُ النسبة إلى العبدِ هانَ الأمر، واستتر الكاملُ من هذه النسبة التي تحولَ أمرُها، من بابٍ قديمٍ إلى بابٍ حادث، خيفةً من استحسان النسبة الثانية، فإن قبولها سمٌّ قاتل. (كلُّنا عارٍ إلا مَن كساه، كلنا جائع إلا مَن أطعمه، كلنا ضالٍّ إلا مَن هداه). ليس للعاقلِ إلا قرعُ بابِ الكريم في الشدة والرخاء. المخلوقُ ضعفُ، عجزٌ، فقرٌ، حاجةٌ، عدمٌ مَحْض.
أكرمَ اللهُ أحبابَه المتقين، وأظهرَ على أيديهم الخوارق، وأيدهم بروحٍ من عنده، ورفع منارهم، فاشتغلوا به تعالى عن كل ذلك. خافوا اللهَ فأسكنهم جنةَ قُربِهِ، وأكرمهم إذ نزلوا به بالنظرِ إلى وجهه الكريم، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات 41 – 40)". أهـ.
        ولينظر كيف أشار بقوله: "ولو تكلم عن الذات والصفات كان سكوته أفضل" إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فتهلكوا". ومعلوم أن كتب السنة طافحة بمثل هذه الأخبار النبوية، والآثار الصادقة الزكية واضحة لا تحتاج للإيضاح.
 
20- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "مَن تطاول على الخلق قصر عند الخالق". "مَن تعالى على العباد سقط من عين المعبود".
 لا يخفى أن الحكمة الأولى مأخوذة من سر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه". فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك. قال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم}لقمان13. وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض ولا يخفى أن التطاول هو الامتداد والارتفاع ولا يتم للرجل امتداد يده إلى الناس وارتفاعه عليهم إلا بالقوة القاهرة وهذا هو الظلم بعينه وفيه الكبر أيضا على الخلق. والرسول المعظم صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته وإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته". والحكمة هنا بفتح الحاء والكاف شأن المرء وأمره كما في (القاموس). والتعالي على العباد مخالفة أمر الله تعالى في شأنهم ورعاية حقوقهم وهذا والعياذ بالله من موجبات الطرد من باب الله. ألا ترى إبليس لما تعالى وتكبر وامتنع من السجود لآدم عليه السلام كيف قال الله تعالى له موبخاً: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين}ص75. أي من المخالفين لأمري كما ذكر ذلك ابن عباس. والعلو العتو والتكبر بالمال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَة}القصص83، أي الجنة {نَجْعَلُهَا}، أي نعطيها {لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً}، عتوّا وتكبرا في الأرض {وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين}القصص83. وقد علمت أن تعالي إبليس أسقطه من نظر رحمة الله وأحله دار البوار والغضب المؤبد وكذلك من ينهج منهج إبليس يحصل له من الجزاء والمقت الإلهي ما يناسب حال اقتدائه بإبليس. وقد صرح الحجة الإمام الفخر الرازي في تفسيره على هذه الآية بما يؤيد هذا المعنى فقال: أما قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَة} فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها. ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما. وعن علي عليه السلام أن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها. قال صاحب الكشاف ومن العلماء من يجعل العلو لفرعون لقوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}القصص4، والفسادَ لقارون لقوله: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْض}القصص77.  ويقول: مَن لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} كما تدبره علي بن أبي طالب عليه السلام. أهـ.
وقول المؤلف رضي الله عنه: "سقط من عين المعبود" أوضح معناه الفخر أيضاً في تفسيره قول الله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}طه39. الآية. بما نصه: قوله {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} قال القفال لترى على عيني أي على وفق إرادتي. ومجاز هذا أن مَن صنع لإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يجب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه. فكذا ها هنا وفي كيفية المجاز قولان، الأول المراد من العين العلم أي ترى على علم مني. ولما كان العالم بالشيء يحرسه من الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه. الثاني المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة. فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }طه46. ويقال عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله ولتصنع على عيني الحفظ والحياطة كقوله تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَن}طه40" فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له .أهـ. وفي هذه الكفاية.
 


_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:29 pm


 
21- ثم قال المؤلف رضي الله عنه:  "كل حال تحوله فيه، وكل ظاهر به ما يخفيه".
نبه سيدنا المؤلف رضي الله عنه على عدم الاغترار بالأحوال والمظاهر لأن الأحوال تتحول والمظاهر تختفي وتنقلب ولا بقاء في هذه الدار الفانية بحال من الأحوال وألزم بفتق حجاب الغفلة التي تحجب الهمة بالحال عن محوله وبالمظهر عن مظهره وفي معنى الحكمة إشارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُدّ نفسك من أهل القبور. ويعجبني بهذه المناسبة قول القائل:
أرى المرء ديناً للمنايا ومالها
فإذا لقاء الفرع من بعد أصله


 
مطال إذا حلت بنفس ديونها
ستلقى الذي لاقى الأصول غصونها

وما أجمل قول سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): "المصير إلى الله والرجوع إليه وكل يعود إلى معدنه ويستوفي أجله وتعود عليه المسألة قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} طه55. هذه الحبة التي تأكلونها نبتت بتراب مثلكم، كان لهم قوة وبأس شديد ذهبوا وبانوا وكأنهم ما كانوا:
هذا ترابٌ لو تفكره الفتى

وكـأنـمــا ذرّاتــــــــه لــو مُـيـــِّزت
 
لرأى عليه من الجباه بساطا
صيغت لألسنة الأولى أسفاطا

 
   ندوس ألسناً وجباهًا وخدوداً وشفاها {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار} الحشر2. أهـ.
 ويطابق هذا المعنى قول المعري من قصيدة:
خفف الوطأ ما أظن أديم الأ
وقبيح بنا وإن قدم العهد


 
رض إلا من هذه الأجساد
هوان الآباء والأجداد

إلى أن قال:
رُبَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً
ودفينٍ علي بقايا دفينٍ


 
ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
في طويل الأزمان والآبادِ

وحسن قول الشاعر أيضا:
شمر عسى أن ينفع التشميرُ
طولتَ آمالا تكلفها الهوى
قد أفصحت دنياك عن غدراتها
دارٌ لهوتَ بلهوها متمتعاً
فاعلم بأنك راحلٌ عنها ولو
ليس الغنى في العيش إلا بَلغةٌ
لا يشغلنك عاجل عن آجلٍ
ولقد تساوى بين أطباق الثرى


 
وانظر بفكرك ما إليه تصيرُ
ونسيتَ أن العمر منك قصيرُ
وأتــى مشــيــبُــكَ والمــشــيبُ نــذيـــرُ
ترجو المقام بها وأنت تسيرُ
عمّرت فيها ما أقام ثبيرُ
ويسير ما يكفيك منه كثيرُ
أبداً فملتبس الحقير حقيرُ
في الأرض مأمورٌ بها وأميرُ

وقال الفقيه شمس الدين العقيلي الواسطى رحمه الله: هذه الدنيا تقلب أحوالها بأحوالها وتقدُّ أوصالها بنصالها. جعلها الله دار عبور وبيت مرور فمل بها عن نفسك ومل بنفسك عنها وانتصر لله على نفسك وعليها تحسن في دار القرار أوقاتك وتعظم عند الله بالخير مجازاتك وحسن ما رواه صاحب (أم البراهين) الإمام الفقيه محمد بن قاسم الواسطي عند بعضهم قال:
وحدثتك الليالي وهي فاعلة
وكن على حذر منها فقد نصحت


 
تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا
وأنظر إليها ترى الآيات والعبرا

فهل رأيت جديداً لم يعد خلقاً
أين الملوك ومَن ساسوا الأمورَ ومَن
طغى عليهم زمانٌ كان ينصرهم


 
وهل سمعت بصفوِ لم يعد كدرا
ذلّ الجموع لهم واستعبدوا البشرا
فلم يدع لهم عيناً ولا أثرا

ويناسب معنى هذه الحكمة وجه آخر وهو قول الإمام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
دواؤك منك وما تبصرُ
وتزعم أنك جُرْمٌ صغيرٌ


 
وداؤك فيك وما تشعرُ
وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

وقد فسر سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) العالم الأكبر الذي عناه أمير المؤمنين بهذين البيتين بالعقل فقال: " العالم الأكبر: العقل، وقد انطوى بك، ومن العالم المطوي فيك، يظهر لك جرمك الذي استصغرته، إذ لولا وصول جرمك إلى الغاية التي تحيط بذلك العالم الكبير، وتليق له، لما صار محلا للعالم المذكور، فخذ بالهمة العلية على مقدار ما بلغه جرم هيكلك". أهـ. وقد صرح في هذا الباب بترفع العقل عن منزلة الحجاب عن الله بالقوة والجمال والمال والأهل والعشيرة والمنصب والرئاسة تحققاً بمعنى قوله تعالى:  {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه}القصص88. وهو سبحانه وتعالى محوّل الأحوال. ويعجبني قول الإمام السيد سراج الدين الرفاعي المخزومي قدس سره في معنى هذه الحكمة:
أنت فيما أهملته لك داءُ
كل حال فيه التحول منهُ


 
وإذا ما اجتهدت أنت الدواءُ
وتناهي هذا الظهور الخفاءُ

وفي هذه الحكمة المباركة وجه آخر وهو أن كل بارز ظاهر به حالة ظهوره ما أخفاه عن الناس كقول الشاعر:
ومهما تكن عند امرءٍ من خليقةٍ

 
وإن خالها تُخفى على الناس تُعلمِ

وهذا المعنى مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج عمله للناس كائناً ما كان". وهذا أحسن الوجوه فليدرك.
 
22- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "مَن ادّرع بدرع الصبر سلم من سهام العجلة". ويؤيد هذا قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب}الزمر10. وقال سيد المخلوقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين: "الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله". وقال صلى الله عليه وسلم: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد". وفي الحديث أيضاً: "انتظار الفرج بالصبر عبادة". وأما حكمة التأني في الأمور فإنها كما صرحت بها السنة السنية أطبق عليها أصحاب العقول في البرية.
23- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "الرجل المتمكن إذا نصب له سنان على أعلى جبل شاهق في الأرض وهبت عليه رياح الليال الثمان ما غيرت منه شعرة واحدة".
قلت وهذا هو الإيمان الصحيح والاعتقاد المتين الرجيح والتحقق بمقام الرضا من الله مع صدق الاعتماد عليه والتسليم له سبحانه وتعالى عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف". وحسن هنا قول الإمام الشيخ سراج الدين الرفاعي قدس سره:
رفعت له بإيمان أموري
ولستُ بسائل بعد اتكالي


 
وحسبي أن يؤيدها الخبيرُ
أسار الركبُ أم نزل الأميرُ

وأحسن منه قول الإمام الحسين السبط رضي الله عنه: "مَن اعتمد على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمن غير ما اختاره الله عزَّ وجل".
 
24- ثم قال المؤلف رضي الله عنه: "الكاذب يقف مع المبدعات، والعاقل غايته وراءها". "من كَمُلَ أنفتْ نفسه عن كل شيء غير ربه".
الوقوف مع المبدعات اشتغال عن المبدع وهو دأب أصحاب الدعوى الكاذبة والعاقلون لا يشتغلون بالمبدعات عن المبدع ولذلك تأنف أنفسهم لكمالها عن أن تشتغل بشيء من الأغيار وهذا علو الهمة الذي جاء فيه خبر "علو الهمة من الإيمان". وقد أوضح هذا سيدنا المؤلف في كتابه (البرهان) فقال: "رمى بعض المريدين ركوته في بعض الآبار ليستقي الماء، فخرجت مملوءة بالذهب! فرمى بها في البئر، وقال: يا عزيزي! وحقك لا أريد غيرك". وحسن في هذا المقام قول مولانا السيد سراج الدين قدس سره
قالوا تمسك بغير الله قلت لهم
لكل شيء إذا فارقته عوض


 
ما الغير إلا خيال قام بالعَرَضِ
وليس لله أن فارقت من عِوَضِ

   
25- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "الخلق كلهم لا يضرون ولا ينفعون، حُجُبٌ نصبها لعباده، فمن رفع تلك الحجب وصل إليه".
26- "الاطمئنان بغيره تعالى خوف. والخوف منه اطمئنان من غيره".
قد تبين من حديث بن عباس رضي الله عنه وغيره من الأحاديث الجليلة النبوية والآيات المعظمة القرآنية وثبت بالأدلة الجلية العقلية أن الخلق لا يضرون ولا ينفعون وإنما هم كما ذكر سيدنا المؤلف رضي الله عنه حجب قامت بيد القدرة لا بنفسها توهم منها المحجوب بها حصول التأثير في النفع والضر فمن أسقط تأثير الأشياء والأسباب وهاجر بصدق العزيمة إلى المؤثر المسبب وصل إليه وانظر ما أحسن ما أتى به سيدنا المؤلف رضي الله عنه بعد قوله: "فمن رفع تلك الحجب وصل إليه"، فقال: "الاطمئنان بغيره تعالى خوف والخوف منه اطمئنان من غيره" فإن في هذه الكلمة من تثبيت قلب السالك ما يكفي عن الإطالة لاستجماعه. أوجز المعاني وأجزل الحقائق لأن السالك لما رفع حجب الآثار والأسباب بيد الهمة وأسقط تأثير الضر والنفع منها احتاج إلى شيء تطمئن به نفسه ويسكن إليه روعه فعرّفه سيدنا المؤلف أن "الاطمئنان بغيره تعالى خوف" لأن من حصل له الله حصل له كل شيء ومن فاته الله فاته كل شيء. وأوضح له أيضا أن "الخوف من الله تعالى اطمئنان من غيره" بشاهد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اتقى الله أهاب الله منه كل شيء ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء". وقال صلى الله عليه وسلم: "من اتقى الله عاش قوياً وسار في بلاد الله آمنا وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون}النحل128، وقد جمع سيدنا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه أسرار هذه الحكمة المباركة ببيتين كأنما نظما شرحاً لمضمونها وهما:
يريد العبد أن يُعطى مناه
يقول المرء فائدتي ومالي


 
ويأبى الله إلا ما أرادا
وتقوى الله أفضل ما استفادا

   
27- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "تحت كل حالة حال رباني لو عرفته لعلمت أنك تسكن به. وتسعى به وأنت مسخر. (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)". أراد المؤلف رضي الله تعالى عنه إعلام العبد أن تحت كل حالة من حالاته شأنا ربانياً يسكن به العبد ويسعى به حالة كونه في مقام الانقهار لذلك الشأن عن غير علم منه به. ولذلك قال المؤلف رضي الله عنه "لو عرفته" أي عرفت ذلك الشأن الرباني لعملت العلم اليقين أن ربك هو المسكّن المحرّك وأنت مسخر ودليل ذلك الخبر الشريف وهو "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". وانظر كيف أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بسؤال الكفار عن الكالئ لهم فقال تعالى له: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} الأنبياء42، الآية. إعلاماً للجاهل وتنبيها للغافل لأن الكالي الحارس الضار النافع والأغيار كبارهم وصغارهم على اختلاف طبقاتهم {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ}الأنبياء43. كما صح ذلك بنص القرآن. قلت وقد قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون}الصافات96. احتج جمهور الأصحاب بقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. وأطال الفخر الرازي في ذلك والذي اختاره أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه أن الله سبحانه وتعالى خلق العبد وأعماله وجعل من أعماله أفعالا ناتجة بالاختيار وأفعالاً ناتجة بالاضطرار فما كان منها بالاختيار فهو الفعل الحاصل بالإرادة الجزئية التي وهبها الله تعالى لعبده كالقيام والقعود والذهاب إلى المسجد والسوق وغير ذلك وإشغال اللسان بالذكر أو بضده من الكلام التي تترتب المواخذة الشرعية عليه. فمثل ذلك كله يسئل عنه ويجازى العبد به خيراً كان أو شرا وأما الأفعال الاضطرارية كالنوم واليقظة والمرض والموت وغير ذلك من مجاري الأقدار السماوية التي لا صنع للعبد بها فالعبد غير مسئول عنها مثاب على ما يصاب به منها. فتدبر هذه المعاني الكريمة ترشد والله يتولى هدانا وهداك.
 
28- ثم قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: "الصوفي من صفا فلم ير لنفسه على غيره مزية".
 التصوف التزام الآداب الظاهرة لأنها تدل على الآداب الباطنة وحضور القلب وعدم الغفلة. وقالوا: التصوف الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطنا فإن من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه. وقالوا: التصوف التمسك بالفقر والافتقار والتحقق بالذل والانكسار وترك التعرض والاختيار وصحة البذل والإيثار.  وقال سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): "التصوف:  الإعراض عن غير الله وعدم شغل الفكر بذات الله والتوكل على الله وإلقاء زمام الحال في باب التفويض وانتظار فتح باب الكرم والاعتماد على فضل الله والخوف من الله في كل الأوقات وحسن الظن به في جميع الحالات".  وقال رضي الله عنه في محل آخر من الكتاب المذكور "أي سادة! الفقير علي الطريق مادام على السُنة، فمتي حاد عنها زلَّ عن الطريق.

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:29 pm


 
سبب تسمية هذه الطائفة بالصوفية
قيل لهذه الطائفة: الصوفية، واختلفت الناسُ في سبب التسمية، وسببها غريبٌ لا يعرفه الكثير من الفقراء، وهو أن جماعة من مُضر يقال لهم بنو الصوفة، وهو الغوث  بن مر بن أدّ بن طابخة الربيط ،  كانت أمه لا يعيش لها ولد، فنذرت إن عاش لها ولد لتربطن برأسه صوفة، وتجعله ربيط الكعبة، وقد كانوا يجيزون الحاج، إلى أن مَنَّ الله بظهور الإسلام، فأسلموا وكانوا عبادا، ونُقل عن بعضهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمَن صحبهم سُمي بالصوفي، وكذلك مَن صحب مَن صحبهم، أو تعبد ولبس الصوف مثلهم، ينسبونه إليهم، فيقال: صوفي.
معنى التصوف
ونوَّع الفقراء الأسباب، فمنهم مَن قال: التصوف: الصفاء، ومنهم مَن قال: المصافاة، وغير ذلك. وكله صحيح من حيث معناه، لأن أهل هذه الخرقة التزموا الصفاء والمصافاة، وعملوا بالآداب الظاهرة، وقالوا: إنها تدل على الآداب الباطنة، وقالوا: حُسنُ أدب الظاهر، عنوان أدب الباطن، وقالوا: مَن لم يعرف أدب الظاهر، لا يؤتمن علي أدب الباطن. كل الآداب منحصرة في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، قولاً وفعلاً، وحالاً وخُلُقاً. فالصوفي آدابه تدل علي مقامه. زِنوا أقواله وأفعاله، وأحواله وأخلاقه بميزان الشرع، يُعلم لديكم ثقل ميزانه وخفته. خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم؛ القرآن ، قال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام 38 ). مَن التزم الآداب الظاهرة دخل في جنسية القوم وحُسب في عِدادهم، ومَن لم يلتزم الآداب الظاهرة، فهو فيهم غير، لا يلتبس حاله عليهم، لأن استعمال الآداب دليل الجنسية، بل تكون عِلة الضمّ. قال رويم  رحمه الله تعالى: التصوف كله أدب. وهذا الأدب الذي أشارت إليه الطائفة، أدب الشرع. كُن متشرعاً، ودع حاسدك يكذب عليك، وينسب ما يحب إليك.
ولستُ أبالي مَن رماني بريبةٍ           إذا كُنتُ عِند اللهِ غير مريبِ
إذا كان سري عِند ربي مُنزَّهاً           فما ضرني واشٍ أتى بغريبِ
أهـ.
 وذكر صاحب أم البراهين أن سيدنا المؤلف رضي الله عنه كان يقول:
ليس التصوف بالخرق
إن التصوف يا فتى


 
من قال هذا ما صدق
حرق يمازجها قلق

وقد شطرتهما تشبثا بأذياله قدس الله سره فقلت:
ليس التصوف بالخرق
أو بالتعالي والجفا
إن التصوف يا فتى
ويئج من مكنونه


 
أو بالتوهّم والعلق
من قال هذا ما صدق
سِرٌّ على القلب انتسق
حرق يمازجها قلق

وانشد بعضهم:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
ولست امنح هذا الاسم غير فتى


 
فيه وظنوه مشتقا من الصوفي
صافي وصوفي حتى سمي الصوفي

 
فإذا أدركتَ ما اندرج فيما قدمناه لك من معنى التصوف ومن وصف الصوفي تيقنت أن من كانت هذه نسبته وهذه صفته لا يرى لنفسه على غيره مزية.
 
29- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "كل الأغيار حُجُب قاطعة فمن تخلص منها وصل".
 أراد رضي الله تعالى عنه بالأغيار غير الله سبحانه وتعالى وعدّها حجباً قاطعة أي أسباباً مانعة عن القرب من باب الله سبحانه وتعالى:
        ثم قال "فمن تخلص منها" أي فمن أعرض عنها وطرحها عن قلبه وأقبل على الله بكليته وصل أي إلى الله وصار من أوليائه الذين لا تشتغل قلوبهم بغينٍ طرفة عين {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون}المجادلة22. ويؤيد قول المؤلف رضي الله عنه حديث "من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
 
30- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "الوقت سيف يقطع من قطعه".
 شبه الوقت بالسيف لشدة قطعه والوقت مروره أسرع من قطع السيف فيمن قطع عزمه عن اغتنام بركة الوقت فإن للأوقات هوابط وتجليات لا ينتفع بها إلا اليقظ المتنبه الذي لا يضيع وقته. وفي هذه الحكمة المباركة حث على اغتنام بركة أهل الوقت فقد قال الجنيد رضي الله عنه: "مَن حُرم بركة أهل الوقت فوقته كله مقت". وقد عدّ الشارع صلى الله عليه وسلم حسن الظن من العبادة فقال عليه الصلاة والسلام: "حُسن الظن من حُسن العبادة".
 
31- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "علامة العاقل الصبر عند المحنة. والتواضع عند السعة. والأخذ بالأحوط. وطلب الباقي سبحانه".
فانظر كيف جمع أحسن الشيم وأكرمها وجعلها علامة للعاقل وابتدأ بالصبر تشبثاً بأذيال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال عليه الصلاة والسلام: "الصبر رضا الحكيم". وقال صلى الله عليه وسلم: "الصبر عند الصدمة الأولى". قال أئمة الحديث رضي الله عنهم: أراد بالصدمة الأولى ثورة المصيبة وشدتها، والصدم ضرب الشيء الصلب بمثله والصدمة المرة منه. وقالوا أراد بالصبر الورع لأن العبادة قسمان: نسك وورع. فالنسك ما أمرت به الشريعة والورع ما نهت عنه وإنما ينتهي عنه بالصبر فكان "الصبر نصف الإيمان" كما جاء في حديث آخر وكان الصبر أيضا رضا الحكيم الذي ألهمه الله رشده وآتاه من لدنه فهما وعلماً وأقامه مظهراً لقوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا}البقرة269 .
وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر في عدة آيات فقال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك}الطور48. وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل}الأحقاف35. وقال تعالى : {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّه}النحل127. وقد وعد الله الصابرين بالنجاح وحسن العاقبة فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين}البقرة155. الآية. ووعدهم أيضا بمعونة معيته فقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}البقرة153. ووعدهم بحسن الصبر مع الأجر على الصبر فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب}الزمر10. وشهد القرآن بعزم الصابر التقي فقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}آل عمران186.
        ثم أتى المؤلف رضي الله عنه بقوله "والتواضع عند السعة". فقد جعل التواضع عند السعة علامة للعاقل لأن العاقل إذا اتسع به أمر المال والجاه والعزة والشهرة وغلب بعقله على كل ذلك وتواضع للخلق وتذلل للحق فإن ذلك لا يزيده إلا رفعة وعزا وإذا علمه الطيش ولَمَّ به الغرور وتكبر على الخلق ونسي الحق فقد شهد على نفسه بخفة العقل ولا يتم شأنه أبدا. ولما كان الغرور والكبر على الغالب لا يتشعب في النفس إلا في أيام السعة عدَّ المؤلف رضي الله تعالى عنه التواضع عند السعة من علامات العاقل الذي يريد دوام نعمته ويؤيد ذلك قول الرسول العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم: "التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله تعالى"، الحديث. (تنبيه) الوقار لا يُعَدُّ من الكبر إنما هو أدب يحفظ به الرجل حرمته أن ينتهكها الجهال وقد يكون ذلك في الرجل العالم العاقل الورع الغني وفي الرجل العالم العاقل الذي لا مال له ولا ثوب له وقد يظهر الوقور شرف الوقار تجاه الأحمق الذي لا يدرك شرف الذات كما وقع للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حين احتقره بعض الجهال لثوب خلق كان عليه فأنشد:
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس
وثوبك شمس تحت أنواره الدجي


 
فلي فيه نفس دون قيمتها الإنسُ
وثوبي ليل تحت ظلمته الشمسُ

وحسن في هذا الباب قول الشاعر:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه

 
فكل رداء يرتديه جميلُ

ولنرجع للمقصود فنقول: قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: "التواضع في كل أحد حسن لكنه في الأغنياء أحسن والكبر سمج لكنه في الفقراء أسمج". وقالت الحكماء: ما تكبر أحد إلا من زلة يجدها في نفسه. وقالوا: الشرف في التواضع. وقالوا: التواضع نعمة لا يحسد عليها والتكبر محنة لا يرحم عليها والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر لا يجده.
        ثم اتبع المؤلف رضي الله تعالى عنه علامة التواضع بقوله "والأخذ بالأحوط وطلب الباقي سبحانه"، أراد بقوله "الأخذ بالأحوط" استعمال الحكمة في الأعمال أخذاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك". وقيّد استعمال الحكمة بطلب الباقي سبحانه ألا ترى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار. فإذا أمعنت النظر في هذه الحكمة الأحمدية الجليلة رأيت أن سيدنا الغوث المؤلف رضي الله عنه أوضح شأن العقل وأنار برهانه وأتى بما لم يأت به غيره من أعاظم الأفراد المتمكنين وأجلاء صدور الأقطاب المقربين وما أحراه وأليقه بما قاله فيه سيدنا الشيخ أبو بكر ابن يحيى الواسطي بمحضر منه رضي الله عنهما وهو قوله:
يا واحد الخلق بالافعال والكرمِ
يا من أياديه لا تُحصى مواهبُها
يا من إذا قولاً أو حمى حرماً
أنت الذي عطّر الأكوان مخبره


 
وأوجز الناس بالتبيان والحكمِ
يا أحمد الناس من عُربٍ ومن عجمِ
وفي بميثاقه والعبد والذممِ
وضمَّ للفضل حسن الخلق والشيمِ

        ولقد أجاد وأصاب وأتى من الصواب بفصل الخطاب على أن هذا السيد الجليل والعلم الطويل:
هيهات أن يأتي الزمانُ بمثله

 
إن الزمان بمثله لبخيلُ


32- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "علامة العارف كتمان الحال وصحة المقال. والتخلص من الآمال".
 جعل علامة العارف كتمان الحال عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود". وأتبع العلامة الأولى بقوله "وصحة المقال" إلزاماً بالصدق ونهياً عن الكذب عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الكذب يسود الوجه". الحديث. ثم اتبعها بالعلامة الثالثة وهي قوله "والتخلص من الآمال" استغناء بالله سبحانه وتعالى وعملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استغنوا بغنى الله". وقوله عليه الصلاة والسلام: "استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك" أي بغسالته. وقيل بما يتنتت منه عند التسوك ولا يخفى أن العارف هو الحكيم الذي انبجست معرفة الله تعالى من عين قلبه وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "كاد الحكيم أن يكون نبيا".
 
33- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "الدنيا والآخرة بين كلمتين، عقل ودين".
أراد بذلك أن نفع الدنيا والآخرة ينتظم بين نتيجة كلمتين الأولى العقل وهو الجوهر الذي يعقل النفس عند حدها في أخذها وردها والثانية الدين وهو في اللغة الجزاء ثم الطاعة وقد سموا الطاعة دينا لأنها سبب الجزاء كما ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسيره ولا يخفى أن الدين الذي اختاره الله تعالى وارتضاه وأمر به إنما هو الإسلام قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَم}آل عمران19. وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين}آل عمران85. وقد جاء في شأن العاقل أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا". وقلت في معنى هذه الحكمة بيتين:
أخي لك العز يوم المعاد
وتبلغ مجداً رفيع العماد


 
وفي هذه الدنيا تغدو مكينا
إذا أنت أحرزت عقلا ودينا

34- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "العلم ما رفعك عن رتبة الجهل، وأبعدك عن منزل العزة. وسلك بك سبيل أولي العزم".
 العلم الذي قصده المؤلف رضي الله عنه إنما هو العلم النافع الذي يتم به الجمع بين منفعتي الدنيا والدين كالفقه والتفسير والحديث وغير ذلك من العلوم النافعة الشرعية ولم يعتبره بنسبة حامله علماً إلا بقيود مخصوصة وهي أن يرفع صاحبه عن رتبة الجهل فلا يقطع ما أمر الله به أن يوصل ولا يتعدى حدود الله ويأتمر بأوامر الله وينتهي عما نهى عنه الله فحينئذ يكون متحققا بمرتبة العلم مترفعاً بها عن مرتبة الجهل وأن يبعده علمه أيضا بعد تحققه بمرتبة العلم عن موطن الاعتزاز والاغترار بالعلم فلا يشهد نفسه أحسن من أحد اجتناباً وابتعادا عن خلق إبليس لعنه الله وتمسكاً بذيل الشرع الشريف والكلام القديم المنيف وشرط عليه بعد هذا أن يسلك به علمه سبيل أولي العزم الذين صبروا في الله واستقاموا كما أمر الله ليبلغ مقام القوم الذين قال فيهم الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون}فصلت30. وليحفظ من ورطة العلم الذي لا ينفع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أشد القوم عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه". وإن من دعائه عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع". الحديث.
 
35-  ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "الشيخ مَن إذا نصحك أفهمك. وإذا قادك دلـّك. وإذا أخذك نهض بك".
36- "الشيخ مَن يلزمك الكتاب والسنة ويبعدك عن المحدثة والبدعة".
37- "الشيخ ظاهره الشرع وباطنه الشرع".
 أراد بالشيخ المرشد لأن الشيخ لغة مَن بلغ الأربعين. واصطلاحا من بلغ رتبة أهل الكمال ولو كان صبيا. والمرشد من الإرشاد وهو ضد الإضلال. ووصفه بأنه هو الذي إذا نصح السالك أفهمه بموعظته طريق نجاحه وإذا اجتذبه بيد إرشاده دلـّه على أسباب سعادته وأوصله إليها. وإذا أخذه وقَبِله صاحباً ورفيقا نهض به ورفعه من حيطة الغفلة وورطة الشك والانتباه وساحة اليقين وذلك بأن يلزمه ويجبره بعساكر همته وسلطان حكمته على متابعة الكتاب والسنة وهجر المحدثة والبدعة عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". ثم وصف الشيخ بأن ظاهره عين الشرع وباطنه عين الشرع يريد بذلك أن أفعاله الظاهرة وأفعاله الباطنة قائمة بالشرع لا تنحرف عنه مقدار شعرة امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: "من اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني فحيئنذ ظهر المعاقل أن الشيخ الذي يصح أن يكون قدوة ومرشدا إنما هو المنصف بهذه الأوصاف وإلا فكل من ادعى المشيخة لا يليق بمجرد الدعوى أن يكون قدوة للناس لان رتبة المشيخة لمّا كنت رتبة إرشاد وهداية وجب على صاحبها التمكن في مقام مرتبته بما يؤيد برهانها ويرفع أركانها من الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال المحمدية وحيئنذ لا بأس عليه أن يتصدر لإرشاد الخلق طمعا بحصول نتيجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم". ولا ريب أن من دعا إلى ضلالة موزور ومن دعا إلى هدى مأجور وقد بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أيما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبع كان عليه مثل أوزار من اتّبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئاً وأيما داع دعا إلى هدى فاتُّبع فإن له مثل أجور من اتّبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا". وعلى هذا الميزان درج سادات المشايخ الذين منهم الأقطاب الأنجاب والأبدال ومنهم القطب الغوث الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان.
كلام القوم في القطبية والغوثية
 
(تنبيه) قد تكلم القوم وغيرهم في القطبية والغوثية واختلفت فيها الروايات فقال قوم من الصوفية القطب من جنس الأولياء من بني آدم من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ويشرب وينكح ويأتي بالعزائم والرخص ويجاهد هواه، قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام يقوم ويقعد مقتفيا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون إن الله سبحانه وتعالى اصطفى لنفسه من خلقه في كل زمن ثلاثمائة وهم خُلّص الأولياء وسبعين وهم الأبدال والنجباء وأربعين وهم الأوتاد وعشرة وهم النقباء وسبعة وهم العرفاء وثلاثة وهم المختارون وواحداً وهو القطب الغوث. فإذا قُبض القطب الغوث يختار من الثلاثة واحد يجعل مكانه ويختار من السبعة واحد يُضم إلى الثلاثة ويختار من العشرة واحد يُضم إلى السبعة ويختار من الأربعين واحد يضم إلى العشرة ويختار من السبعين واحد يضم إلى الأربعين ويختار من الثلاثمائة واحد يضم إلى السبعين ويختار من الخلق واحد لإتمام الثلاثمائة ولا يزال كذلك إلى يوم القيامة وعلى رأي هذه الفرقة أن الغوث قد يكون من غير أهل البيت النبوي خلافاً لجماهير العارفين من الصوفية رضي الله عنهم فإنهم يقولون أن القطب الغوث لا يكون إلا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى أن القطب لغةً قلب الرحى أي عمودها الذي تدور عليه ويقال قطب القوم أي سيدهم الذي ينتهي إليه رأيهم ويدور عليه أمرهم ومن هنا اصطلح الأولياء رضي الله عنهم على تسمية رئيسهم ومقدمهم بالقطب وقد اتفقوا جميعا مع اختلاف رواياتهم أن القطب لا يكون في كل زمان إلا واحداً وهو الغوث الفرد الجامع الذي يتلقى الأوامر الباطنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفيضها على أصحاب النوبة رضي الله عنهم. وأظن أن أصحاب النوبة هم المرادون بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "خيار أمتي في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله من الخمسمائة مكانه وأدخل في الأربعين مكانه يعفون عمن ظلمهم ويُحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون فيما أتاهم الله".

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:31 pm


 
عدم حصر القطبية في طائفة من الطوائف
 
وقد وقع الغلو في بعض المتصوفة فإنهم حصر بعضهم هذه المرتبة المباركة أعني القطبية في مشايخهم ورجال طريقتهم كفرقة من الشاذلية فإنهم يقولون أن القطب الغوث لا يكون إلا شاذلياً وقد صرح بذلك ابن عباد الشاذلي المغربي في رسالته. وذكر لبعضهم قصيدة يمدح بها السادة الشاذلية يقول فيها (خدامهم أستاذ كل زمان) يعني بخدامهم الذي هو أستاذ كل زمان القطب الغوث قدس الله سره وإني لفي معزل إن شاء الله عن هذه المبالغة والغلو والجرأة وإني أعتقد أن الوهب الإلهي لا ينحصر في طائفة من الطوائف ولا في طريقة من الطرائق على أنه سبحانه وتعالى لا حجر عليه يهب ما شاء لمن شاء ، {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء}المائدة54. هذا مع أن فضل الأستاذ أبي الحسن الشاذلي قدس سره وأتباعه السالكين على منهجه المتمسكين بالسنة السنية والطريقة المحمدية لم تزل حرمتهم في كل زمن محفوظة وبأعين التعظيم ملحوظة.
رد القول بالأصالة والوكالة للقطبية
 
وقد جاء فرقة من المتصوفة بوجه آخر فإن بعضهم جعل القطبية تارة أصالة وتارة وكالة تُعطى لأناس بالأصالة ولأناس عن أناس بالوكالة فهذا الوجه حالة كونه ليس بمقبول فكذلك غير معقول. وقد كنت رأيت في كتاب (الفيض الوارد) للعلامة الفاضل السيد محمود أفندي الآلوسي المرحوم مفتي العراق عليه رحمة الخلاق ما نصه: "قد ذكر الإمام الرباني مجدد الألف الثاني في مكتوباته أن القطبية كانت لأئمة أهل البيت أصالة وصارت من بعدهم وكالة حتى ظهر الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره فأعطيها أصالة حتى إذا ذهب إلى حظائر القدس أعطيها من جاء بعده وكالة عنه فكل الأقطاب من بعده نوابه ووكلاؤه ولا يزال الأمر كذلك حتى يظهر المهدي فيعطاها أصالة. وفي قوله قدس سره:
غربت شموس الأولين وشمسنا


 
أبدا على فلك العُلا لا تغربُ

رمز إلى ذلك. انتهى. فليحفظ". انتهى. فكنت أتعجب كيف سكت المرحوم المومأ إليه مع غزارة علمه وسعة إطلاعه وحِدّة ذهنه وقوة بارقة فهمه واعتصابه كما يُدرك من مؤلفاته للحق وأهله وكيف لم يكتب على هذه المقولة الواهية شيئا. ولا زالت تتلجلج هذه القصة أحياناً في الخاطر حتى وقفت له رحمه الله على تفسيره (روح المعاني) الذي شيد به من محكمات الحكم الشرعية أرفع المباني فرأيته كتب في الجزء السابع من تفسيره المذكور المبرور فيما كتبه على قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا}الأحزاب33. ما نصه. والآية متضمنة الوعد منه عز وجل لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم إن ينتهوا عما ينهى عنه ويأتمروا بما يأمرهم به يُذهب عنهم لا محالة مبادئ ما يستهجن ويحلّيهم أجلّ تحليه بما يستحسن. وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم وترتب الآثار الجميلة عليها قطعا ويكون هذا خصوصية لهم ومزيّة على من عداهم من حيث أن أولئك الأغيار إذا انتهوا وأئتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك. ولذا نجد عبّاد أهل البيت أتم حالا من سائر العباد المشاركين لهم في العبادة الظاهرة وأحسن أخلاقا وأزكى نفسا وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق التي مبناها كما لا يخفى على سالكيها التخلية والتحلية اللتان هما جناحان للطيران إلى حظائر القدس والوقوف على أوكار الأنس حتى ذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر لا يكون إلا منهم خلافاً للأستاذ أبي العباس المرسي حيث ذهب كما نقل عنه تلميذة التاج ابن عطاء الله إلى أنه قد يكون من غيرهم. ورأيت في (مكتوبات) الإمام الفاروقي الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره ما حاصله أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين ثم أنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني فنال مرتبة القطبية على سبيل الأصالة فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه فإذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. أه.
        وهذا مما لا سبيل إلى معرفته والوقوف على حقيقته إلا بالكشف وأنّى لي به والذي يغلب على ظني أن القطب قد يكون من غيرهم لكن قطب الأقطاب لا يكون إلا منهم لأنهم أزكى الناس أصلا وأوفرهم فضلا وأن من ينال هذه الرتبة منهم لا ينالها إلا على سبيل الأصالة دون النيابة والوكالة. وأنا لا أعقل النيابة في ذلك المقام وإن عقلت قلت كل قطب في كل عصر نائب عن نبينا عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام ولا بدع في نيابة الأقطاب بعده عنه صلى الله تعالى عليه وسلم كما نابت عنه الأنبياء قبله فهو عليه الصلاة والسلام الكامل المكمل للخليقة والواسطة في الإفاضة عليهم على الحقيقة وكل من تقدّمه عصرا من الأنبياء وتأخر عنه من الأقطاب والأولياء نواب عنه ومستمدون منه. وأقول أن السيد الشيخ عبد القادر قدس سره وغمرنا بره قد نال ما نال من القطبية بواسطة جده عليه الصلاة والسلام على أتم وجه وأكمل حال فقد كان رضي الله تعالى عنه من أجلّة أهل البيت حسنيّاً من جهة الأب حُسينياً من جهة الأم لم يصبه نقص لو أن وعسى وليت ولا ينكر ذلك إلا زنديق أو رافضي ينكر صحبة الصديق وأرى أن قوله رضي الله تعالى عنه:
افلت شموس الأولين وشمسنا

 
أبداً على شمس العلا لا تغربُ

لا يدل على أن من ينال القطبية بعده من أهل البيت الذين عنصرهم وعنصره واحد نائب عنه ليس له فيض إلا منه بل غاية ما يدل عليه ويومئ إليه استمرار ظهور أمره وانتشار صيته وشهرة طريقته وعموم فيضه لمن استفاض على الوجه المعروف عند أهله منه وذلك مما لا يكاد يُنكر وأظهر من الشمس والقمر.أه.
        فرأيت أنه رحمه الله استعمل قلمه نجاحاً في هذا الباب يطوف طرق الرقائق فيأتي بأوضح الحقائق أو غواصاً يغوص بحور الحقائق فيستخرج درر الرقائق على أنه التزم جانب الأدب مع القوم الكرام والآل العظام فما أهمل مقدارهم ولا استخف منارهم وذكر ما للشيخ قدس سره من المنزلة وذكره بما يليق له واستدل بكلماته المباركة على استمرار ظهور أمره وطريقته وصيته وشهرته. وغير خاف أن ما استدل به من كلمات الشيخ قدس سره وقع مثلها وأصرح منها من جماعة أجلاء من إخوانه الأولياء.
أقوال الأئمة في شأن الإمام الرفاعي رضي الله عنه
 
ومنهم من شهد لهم غيرهم بهذا الظهور كسيدنا المؤلف رضي الله عنه فإن جماعة من أعظم خواص الأولياء شهدوا له بدوام دولة الطريقة واستمرار بركة الحقيقة في بيته وذريته إلى يوم القيامة بإذن الله ومن ذلك ما حكاه الإمام عبد الكريم الرافعي قدس سره في كتابه (سواد العينين) بما نصه: "أخبرني شيخنا الإمام الحجة القدوة عمر أبو حفص شهاب الدين السهرورودي عن عمه الولي العارف شيخ الشيوخ أبي النجيب عن شيخه الإمام الهمام البحر الطام محمد بن عبد البصري رضي الله عنهم قال: كل الأولياء أدركنا مقاماتهم وما وصلوا إليه وعرفنا منتهاهم في السير إلا السيد أحمد الرفاعي فإنه لا يُعرف منتهاه في السير وإنما رجال عصرنا على الإطلاق يعرفون الوجهة التي اتجه إليها ومن ادّعى الوصول إلى مرتبته والاطلاع على رتبته فكذبوه. أي إخواني هذا رجل لا يُعرف ولا يُحد. هذا رجل انسلخ من علائق بشريته وعوائق نفسه كانسلاخ الثوب عن البدن والأولياء في عصرنا هذا كبارهم وصغارهم المشارقة والمغاربة الأعارب والأعاجم عيال عليه يستمدون منه ويأخذون عنه وهو شيخ الكل في الكل يسح النوال من حجرة جده عليه الصلاة والسلام على قلبه وهو يقسمه على الرجال في الأرضين ولا ينقطع مدده بإذن الله والدولة له ولذريته إلى يوم القيامة مع طيب نفس المحب ورغم أنف الحاسد، يفعل الله ما يشاء لا رادّ لأمره ولا منازع لحكمه".
        وذكر الإمام الهمام البحر الطام سلطان المحدثين ولي الله الشيخ عزالدين أحمد
الفاروثي الواسطي قدس سره في (النفحة المسكية) ما نصه: "وبالسند الصحيح إلى شيخنا الشيخ منصور البطائحي الرباني رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: "يا منصور أبشرك أن الله تعالى يعطي أختك بعد أربعين يوما ولدا يكون اسمه أحمد الرفاعي ، مثلما أنا رأس الأنبياء كذلك هو رأس الأولياء وحين يكبر فخذه إلى الشيخ علي القاري الواسطي وأعطه له كي يربيه لأن ذلك الرجل عزيز عند الله ولا تغفل عنه". قال: فقلت له: "الأمر أمركم يا رسول الله عليك الصلاة والسلام وكان الأمر كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقد بشر به قبل ولادته بسنين أكابر الأولياء وانتظر ظهوره أماجد الأصفياء وأمروا إخوانهم إذا رأوه وصاروا في زمانه أن يعرفوا حق حرمته وعظيم منزلته. وقالوا إنه صاحب الوقت والزمان والدولة له ولذريته إلى يوم القيامة. وقالوا أنه متى ظهر يغلق أبواب الصالحين ويصير الوقت له ولأهله وتحكّمه وتصرفه يصل إلى مرتبة عظيمة يضرب داغه على جبهات الذراري في أصلاب الآباء وسيسلك طريقا لم يسلكها أحد قبله ولا بعده وهي طريق الذل والإنكسار والمسكنة والافتقار والخضوع والحيرة ولم يكن في الطرق إلى الله أعظم وأصعب منها وممن بشّر به بالأسانيد الصحيحة الثابتة الشيخ الكبير تاج العارفين أبو الوفاء ، والشيخ أحمد كنز العارفين الزاهد والشيخ نصر الهاماني والشيخ أحمد بن خميس والشيخ أبو بكر النجاري الأنصاري والشيخ منصور الرباني البطائحي وغيرهم رضي الله عنهم. والذين عددتهم لك مَن عرفتهم غصّت بفضائلهم الأوراق وانتشر صيتهم في الآفاق وقال جمٌّ من أهل الولاية بعلو مرتبته عن الغوثية والسلطنة وأن له عند الله منزلة لا يعرفها أحد من رجال عصره وأنه كان في حضرة الحبيب. وقال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ اليعقوبي وغيرهما من رجال وقته في شأنه أنه رجل لا يُعرف ولا يُحدّ ولا يصل إلى مرتبته أحد. وأما أخلاقه فقد وافقتها أعراقه طاب أصلا وخَلقاً وحالا وخُلُقا. وكان خُلُقه السُنة المحمدية ومشربه الحالة النبوية لم يُعهد ولم يُسمع في طبقات القوم من بعد الصحابة وأئمة الآل رضي الله عنهم عن أحد من الرجال أنه بلغ ما بلغه قدست أسراره من الصفاء والزهد والصدق والتواضع والحيرة والافتقار. أتى بكل أخلاق أهل عصره وعباداتهم ولم يأت كلهم بكل أخلاقه وعباداته وجاء بكل كراماتهم ومناقبهم ولم يجيء كلهم بكل كراماته ومناقبه فالحمد لله الذي مَنَّ علينا باتباعه وجعلنا من أتباعه". أه.
        ومثل ذلك حكى الإمام الشعراني قدس سره في (مننه الكبرى) و(عهوده) وكثير من كتبه وصرح بمثل ذلك تحدثاً بنعمة الله تعالى سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه في كثير من كلماته إتباعاً للحبيب العظيم عليه الصلاة والسلام واقتداء به فإنه قال صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" وقال: "أنا أعلمكم بالله وأتقاكم". وقد أخبرنا الله تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام أنه قال: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }يوسف55. وشعيب عليه السلام قال: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِين}القصص27. وعلي رضي الله عنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه عَهِدَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وإن بين جنبيَّ لعلماً جمّا". فمن هذا المنوال ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في شأن نفسه النفيسة منها ما نقله عنه جامع (البرهان) شيخ الإسلام شرف الدين أبو طالب ابن الإمام عبد السميع الهاشمي العباسي الواسطي قدست أسرارهم وهو:   أي سادة ما تركت طريقا صعبا ولا مسلكا غضا إلا كشفت قناعه، ورفعت بأكف عساكر الهمة ستره المسدول وشراعه، ودخلت على الله من كل باب فرأيت على الكل ازدحاماً عظيما فجئته من باب الذل والانكسار فرأيته خاليا فوصلت وحصّلت مطلوبي والطلاب على الأبواب. أعطاني ربي من فضله ومواهبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أهل هذا العصر. وعدني رسول كرمه أن يأخذ بيد مريدي ومحبي ومن تمسك بي وبذريتي وخلفائي في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة عند انقطاع الحيل وبهذا جرت بيعة الروح {لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَه}الروم6.
 
ومنها ما ذكره صاحب (الترياق) الحافظ تقي الدين الواسطي قدس سره أن الشيخ يعقوب بن كراز قدس سره قال لسيدنا السيد أحمد المشار إليه صبَّ الله سجال فضله ورحمته عليه: "أي سيدي مثلك مثل العروس على المنصة فهي مازالت قائمة لا يزال ينادي عليها والطبل يضرب والمدعيات يأتين فإذا نزل العروس سكت المنادي وانقطعت المدعيات. فقال: لا ، أي يعقوب ما يزال المنادي ينادي والعروس على المنصة والطبل يضرب والمدعيات يأتين فلا العروس تنزل ولا المنادي يسكت ولا المدعيات ينقطعن إلى يوم القيامة وبها جرت البيعة ولن يخلف الله وعده وهو أعلم وأحكم".
        ونقل عنه صاحب (الترياق) أيضا أنه قال: "دولتي باقية إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى". ويؤيد ذلك أدلة كثيرة وبراهين وفيرة أحسن الله بها إليه ومَنَّ الله بها عليه يضيق لها دفتر الاستقصاء ويكلُّ لها قلم الإحصاء: منها أن مرقده الشريف اختار الله تعالى له أن يكون في بر أقفر داخلا في حكم القبور الدواثر التي هي خير القبور كما أنبأتنا بذلك الأخبار ورواقه المبارك مغيبا عن الأبصار ومع ذلك فقد ملأت بفضل الله أسراره الأقطار وهيبة كراماته المستمرة أترع بها الأفئدة والأسرار وانتشرت طريقته المباركة بتداول الأعصار في جميع الأقطار والأمصار انتشار أشعة الشمس ظهر النهار.
        ومنها أن الله أيّد طريقته بعلماء الأولياء وأولياء العلماء والرجال الذين ثبتت لهم القطبية وعمّت شهرتهم في البرية.
        ومنها أن الله تعالى صان عوام أهل طريقته فضلاً عن خواصها من الدعوى والشطح والغرور والتعزز في الطريق واحتقار الخلق والترفع عليهم وطهرهم الله من القول بالوحدة المطلقة وأمثال ذلك من العقائد الفاسدة والكلمات الواهية الباطلة.
        ومنها أن جعل أكثر خدمة طريقته ومحبيه الفقراء والضعفاء كما وقع لجده سيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الأتقياء.
        ومنها أن حفظ الله سبحانه وتعالى أساس طريقته من الأحوال الناقصة التي تنقص حال كُمَّل أتباعه وتذهب حال ناقصهم كما هو مقرر بين القوم وقد التزم أتباعه في كل زمان على الغالب الحدود ووقفوا عندها وتردوا برداء الانكسار والافتقار إلى الله تعالى والتواضع والشفقة على خلق الله تعالى تخلقاً بخُلُقه رضي الله عنه وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذاً بركة استمرار الظهور الذي أشار إليه العلامة الآلوس في (تفسيره) حاصلة لسيدنا السيد أحمد رضي الله عنه وظاهرة في طريقته واتباعه بالبراهين الواضحة أكثر من ظهورها في غيرهم وما بقي إلا القول بأن فضل الله تعالى لا يُحجر عليه له التصرف المطلق في ملكه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ويفتح لمن يحبه بمحض فضله وعنايته أبواب السلوك ويلحق بنظرة من عين رحمته العبد المملوك بمراتب الملوك والأولياء رضي الله عنهم. كلهم عبيده الداخلون في سلك أحبابه الفائزون بمِنّة اقترابه على أقدام الأنبياء الكرام لا نفرق بين أحد منهم ولا نغلو فيهم ونحبهم لله ونقول رضي الله عنهم. ولنرجع للمقصود فقد طال البحث ونقول قد ظهر لك من نص الحكمة الأحمدية أن المشيخة عبارة عن التمسك بالسُنة المحمدية فالزم لعمرك هذا الباب تفتح لك بإذن الله جميع الأبواب.
 
الطريقة: الشريعة
 
38- ثم قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: "الطريقة: الشريعة، لوَّثَ هذه الخرقة كذاب؛ قال الباطن غير الظاهر. العارف يقول الباطن باطن الظاهر وجوهره الخالص".
أراد بذلك أن الباطن نتيجة الظاهر ولذلك لم يفرق رضي الله عنه بين الطريقة والشريعة فقال الطريقة الشريعة إذ لولا الشريعة لما عرفت الطريقة قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه}آل عمران31. فعلى هذا لا يصح شرط محبة الله إلا بمحبة رسول الله ولا يتم هذا الشأن إلا بطاعته صلى الله عليه وسلم واتّباع ما جاء به لقوله عزّ وجلّ: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه}النساء80. ولهذا السر الواضح قال المؤلف رضي الله تعالى عنه "لوَّثَ هذه الخرقة كذاب" أي دنّس خرقة القوم مختلق افترى على طريقهم فسمّاه باطنا وجعله غير ظاهر الشرع. ثم قابل قول الكذاب المختلق بقول العارف المحقق فقال "العارف يقول الباطن باطن الظاهر" أي سره الذي نتج منه بشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "علم الباطن سر من أسرار الله عزّ وجلّ وحُكْمٌ من حِكَم الله يقذفه في قلوب من يشاء من عباده". وهذا السر الذي عناه الحبيب المعظم صلى الله عليه وسلم مشروط حصوله بالعمل لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن عمل بما يعلم ورّثة الله علم ما لم يعلم". وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}العنكبوت69. وليعلم أن الله سبحانه وتعالى يختص بفضله عبادا من عباده فيجتذبهم سابق رحمته إليه من دون سابقة علم ولا عمل فيدخلهم محض الاختصاص في سلك المحبوبين وحينئذ يقومون بواجب العبودية بكمال الإخلاص والاهتمام بالأوامر الشرعية المرضية وإلا فلا تصح القربى للعبد الآبق أبدا. ومن هنا قال سيدنا المؤلف "إن الباطن باطن الظاهر وجوهره الخالص" أي المحض الذي لم يُشب جوهره بعَرَض من أعراض المبدعات والمحدثات أبداً إنما هو جوهر من جوهر قيل لمضمره باطن ولمرئيه ظاهر وهو في الحقيقة واحد ولا شك في ذلك لمسلم أبداً والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
 
39- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "القرآن بحر الحِكم كلها. ولكن أين الأذن الواعية".
 أراد بقوله "بحر الحكم" أي الحقائق الجامعة لخيري الدنيا والآخرة. قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء}الأنعام38. ولما كان القرآن العظيم أعظم بحور الحكم الإلهية أنزله الله على أعظم أنبيائه تشريفا لقدره عليه الصلاة والسلام وجعله أعظم معجزة له صلى الله عليه وسلم لأن المعجزات التي وقعت وانقضت يمكن أن يجحدها الجاحد الحاسد وأن ينكرها جهلا وطيشا المشرك المعاند وأما معجزة القرآن العظيم الشأن فهي هي بحمد الله موجودة حاضرة وبين أيدي الخلق متداولة ظاهرة تردع أهل الزيغ والفساد وتقمع أرباب الجحود والعناد على أن القرآن العظيم جعله الله تعالى معجزاً بعشر سور ثم جعله معجزا عليه بسورة. وقد تحدى عليه الصلاة والسلام بسورة منه فبهت لها فصحاء العرب وعجزوا عن أن يأتوا بمثل سورة الكوثر التي هي أقصر السور لأن فصاحة القرآن ووجوه بلاغته وشريف نظمه وجميل مزاياه ونكاته كلها خوارق لا طاقة للمخلوق على الإتيان بشيء منها. وقد انطوى هذا الكتاب الكريم والكلام القديم على عظائم المعجزات والأخبار بالمغيبات وأتى بكل حكمة لابد منها ولا غنى عنها. ولذلك أرشدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه إلى منزلته ودلنا على شريف مكانته فقال: "القرآن بحر الحكم كلها" عند من يفهم ويعي ويدرك ما قررناه من عظم شأن القرآن ولهذا أتبع ما قال بقوله "ولكن أين الأذن الواعية" أي التي إذا سمعت كلام الله وعت وفهمت بعض ما انطوى فيه من الحكم الربانية والإرشادات الصمدانية ويؤيد هذه الحكمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "القرآن غني لا فقر بعده ولا غنى عنه". وقوله عليه الصلاة والسلام: "القرآن هو النور المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم" وفي هذا إبلاغ لمن وفقه الله تعالى.
40- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "رنة النجاح تُسمع عند قرب باب الرضا من الله. ارض عن الله ونم مرضياً ولك الأمن".
لا يخفى أن القوم أكثروا الأقوال في ذكر الرضا فمنهم من قال "الرضا حال" ومنهم من قال مكتسب ولهم فيه أبحاث. وقالوا هو أن لا يعترض العبد على مقادير سيده وقالوا الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام وتنزلات الأقدار وهذا سر قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: "أسألك الرضا بعد القضاء" لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا الأكمل. ولذلك قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه "رنة النجاح" أي نغمة صوت البشر في الغيبية بنجاح حال العبد بعد صدمة القضاء تُسمع وتظهر حالة قرعه باب الرضا من الله سبحانه وتعالى. ولهذا السر قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه معلماً ومرشداً "ارضَ عن الله ونم مرضيا ولك الأمن" بعد الرضا من دهشة وارد القضاء فإن العبد إذا لزم الرضا من سيده مع ضعفه وعجزه ومسكنته واحتقاره فلا بد أن يقابله العظيم القادر الكريم البر الرحيم بما يناسب أوصاف ربوبيته وشأن ألوهيته من الكرم والرحمة والفضل والعناية ويجعله في ساحة إحسانه معززاً مكيناً محتفلاً أميناً.
ذم الفخر والكبر
 
41- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "ما شمَّ رائحة المعرفة من افتخر بابيه وأمه. وخاله وعمه وماله ورجاله ليس عند الله على شيء من رأي نفسه". 42- "لو عبد الله العابد بعبادة الثقلين وفيه ذرة من الكبر فهو من أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم".
جمعت هذه الكلمات المباركة النهي عن التفاخر بالأنساب والمال والرجال والعُجب والكِبر استنادا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من الجاهلية الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والنياحة". وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر". وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار ولا أبالي". وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى مُتبع وإعجاب المرء بنفسه". فإذا طبّق العاقل حكم الحضرة الأحمدية على هذه النصوص الشريفة النبوية أدرك ما في العُجب والتفاخر والكبر من الخطر ووقف عند حد عبديته بما يناسب عجز البشر.
 
التحذير من الحمق والعجب والبخل
 
43- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "ثلاث خصال مَن كن فيه لا يكون ولياً إلا إذا طهّره الله منهن: الحُمق والعُجب والبُخل".
ولا يخفى أن الحمق نتيجته سوء الخُلق. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حُسن الملكة يُمن وسوء الخُلق شؤم". والعُجب هو استعظام الرجل عمل نفسه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك؛ العُجب العُجب". كررها صلى الله تعالى عليه وسلم مرتين. والبخل وهو الحرص والشح والتهالك على حطام الدنيا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها حتى يدخله النار". وقال عليه الصلاة والسلام: "السخي قريب من الله تعالى قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله تعالى بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل". فتدبر هذه الأخبار الصادقة يظهر لك ما قاله سيدنا المؤلف نفعنا الله بعلومه من أن الأحمق والمعجب بنفسه والبخيل لا يكون ولياً لأن الولي لمّا كان من أحباب الله يأبى الله أن يخلّقه بخُلق يكرهه. ألا ترى سيدنا المؤلف رضي الله عنه مع ما كان عليه من حسن الخُلق والتواضع كيف كان أجود من المطر تخلقا بخُلق جده سيد البدو والحضر صلى الله عليه وسلم. فقد روى الإمام الشعراني في (مننه) ما حاصله: "أن حلقة سيدنا السيد أحمد الرفاعي المشار إليه رضي الله عنه من إخوانه لورده ومجلس ذكره كل يوم كانت ستة عشر ألفا وكان يمد لهم السماط صباحا ومساء".
        وقال صاحب (الترياق): "كان السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه على جانب عظيم من سخاء النفس وكرم الطبع وما أشبهه بجده صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ثقة بالله واعتماداً عليه وفيه أقول آخذاً معنى ابن رشيق في بيتيه المشهورين:
أعز روايات المكارم حجة
حديثٌ رواه السيلُ عن خير وابلٍ


 
وأصدقها قيلا بأحسن مُسندِ
عن البحر عن كف الرفاعيِّ أحمدِ

 
التحذير من التعالي على الناس
 
44- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "أكذب الناس على الله والخَلق من رأي نفسه خيرا من الخَلق. كل الظلم التعالي على الناس، الظلم حرص الرجل على المراتب الكاذبة الدنيوية ومنها أن يحب الارتفاع على أخيه بكلمة أو جلسة لا حق له بها وعلى ذلك تقاس المراتب".
 أرشدنا المؤلف قدس سره وغمرنا بره أن إعجاب المرء بنفسه كذب على الله والخلق وذلك معنى قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبا}الأنعام21. فكأنه أسند إلى الربوبية بغير علم ولا هدى إعلاءه على غيره من الخلق الذين ربما كانوا عند الله كلهم أحسن منه وأقرب منزلة وأدنى مكانة فبرؤيته نفسه خيرا من الخلق افترى الكذب على الله والخلق بل وعلى نفسه. ولهذا أتبع سيدنا المؤلف قوله المذكور بقوله "كل الظلم التعالي على الناس". ثم صرح بأن الظلم هو حرص الرجل على المراتب الكاذبة وأن يحب الارتفاع على أخيه بكلمة أو جلسة لاحق له بها. وما أحسن هذا المعنى لأن الحرص على المراتب الكاذبة وحب الترفع على الناس يأخذ بصاحبه إلى المناهج الذميمة وربما يقوده غرضه للكذب والفساد وإلقاء الفتن بين العباد وإعطاء من لا يستحق ومنع من يستحق وجرح الأعراض بسهام الأغراض وغير ذلك مما لا يكاد يُحصر من الخصال القبيحة حمانا الله والمسلمين.
الحث على الرفق والإخلاص
 
45- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن أخذ الناس بقوته القاهرة ترك في قلوبهم الضغائن عليه كيف كان ، ومن أخذ الناس بانكساره ترك في قلوبهم الاعتراف له عزَّ أو هان".
46- "نِعم الرفيق في بلاد الله تقوى الله ونِعم المِراح الذي يستريح القلب والبدن به ، الإخلاص".
        أشار سيدنا المؤلف رضي الله عنه بهذه الحكمة للرفق وعدم القهر لأن الرفق حكمة تصلح بها القلوب والجفاء والغلظة من أسوء الخصال المنفرة للطباع ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الرفق رأس الحكمة". وقوله عليه الصلاة والسلام: "الرفق به الزيادة والبركة ومَن يُحرم الرفق يُحرم الخير". وقال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك}آل عمران159. وقد أوضحت الحكمة الأحمدية مضمون هذه الآية الجليلة القرآنية والأحاديث الشريفة النبوية. ألا تراها كيف صرحت أن مَن علا على الناس وتغلب عليهم بما أفاضته القدرة إليه من القوة القاهرة ولم يراع حق الله في عباده لابد أن تبقى القدرة الربانية كميناً في قلوب الخلق يوشك أن تفعل سهام الكمين المذكور بتأثيرات القلوب في ذلك الرجل من أي صنف ومن أي طائفة كان مالا تفعله البيض والسّمر ولله الخلق والأمر. ومَن وفقه الله فتردى برداء الإنكسار لله وعامل الخلق بالرفق لابد أن يسخّر الله له القلوب فينقاد الناس إليه لسانا وجَناناً عزيزاً كان ذلك الرجل أو هيناً. وإلزاماً بهذا الشأن وإبعاداً عن العزة قال سيدنا المؤلف: "نِعم الرفيق في بلاد الله تقوى الله ونِعم المِراح الذي يستريح القلب والبدن به ، الإخلاص".
        قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }النحل128. وقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب} {الطلاق2-3}. وقال عليه الصلاة والسلام – لرجل قال أوصني: "عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير". وحسن ما قاله ابن الوردي في لاميته:
واتق الله فتقوى الله ما
ليس من يقطع طرفاً بطلا


 
جاورت قلب امرءٍ إلا وصلْ
إنما من يتقى الله البطلْ

وقال سيدنا الأستاذ أبو المعالي السيد سراج الدين الرفاعي البغدادي قدس سره:
ليس الشجاع الذي يحمي فريسته
لكن مَن كفَّ طرفاً أو ثنى قدماً


 
يوم القتال ونار الحرب تشتعلُ
عن الحرام فذاك الفارسُ البطلُ

        وقد ظهر للعاقل أن أحسن ما يستريح القلب والبدن به الإخلاص وهو تصفية العمل لله عن ملاحظة المخلوقين ومن علاماته نسيان رؤية الأعمال وهو سر من أسرار الله يستودعه قلب مَن أحبه من عباده كما أشار إلى ذلك حديث جبريل عليه السلام وهذا ميزان النجاح لمن أراد به الله الخير والفلاح.
 
الانخلاع عن الأنانية والشطح والدعوى الكاذبة
 
47- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "لن يصل العبد إلى مرتبة أهل الكمال وفيه بقية من حروف ( أنا )".
 48- "الشطّاح يقف مع شطحه حالة الشطح إذا لم يسقط والكامل لا يشتغل عن خدمته".
49- "الدعوى بقية رعونة في النفس لا يحتملها القلب فينطق بها لسان الأحمق".
        شَرَطَ المؤلف رضي الله تعالى عنه وصول مرتبة الكمال بالانخلاع عن الأنانية البتة البتة وبيّن أن من بقيت فيه بقية من آثارها لا يصل إلى مرتبة الكمال لأن مرتبة الكمال التخلي عن الأوصاف الذميمة والتحلي بالأوصاف الكريمة. والأنانية إنما هي وصف إبليس لعنه الله. قال في شأن آدم عليه السلام {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}الأعراف12. فأعقبه قول هذه الكلمة خزيا وطرداً ولعنا والعياذ بالله فإذا تعيّن على سالك طريق الرب أن يتبرأ من وصف إبليس وأن يتمسك بذيل صاحب الخُلق النفيس صلى الله عليه وسلم. ولينظر كيف قال سيدنا المؤلف أمدنا الله بمدده "الشطّاح" أي المتجاوز. وقال قوم معنى الشطح ، التبجُّح ، وصاحبه أي الشطّاح يقف عن الترقيات والمجاهدات والأعمال الموجبة لإعلاء المراتب والدرجات مع شطحه وتجاوزه منحطاً عن المراتب الرفيعة حالة الشطح هذا إذا لم يسقط بصدمة شطحه عن مرتبته بالكلية لأن الشطح من أعظم مزالق الأقدام لأن صاحبه ربما ينصف عنه انطماسه وذهوله ووارد غيبته ويعود إلى الصحو ويبقى على لسانه الأول متكلما في حضرة خيالية فيسقط ويبعد ويلحق بأهل الأنانية حفظنا الله والمسلمين.
        ولذلك أعقب سيدنا المؤلف قوله هذا بقوله "والكامل" أي المتمكن في مقامه لا يشتغل عن خدمته لربه بشيء من حوادث الأكوان وينزّه صدق عبديته عن كذب الدعوى لأن الدعوى من بقايا أوساخ النفس تجتمع على القلب فيضيق لها فيقذفها إلى ساحة اللسان فيتلقاها لسان الرجل الأحمق كتلقي الوارد فينطق بها بينة تشهد عليه بالنقصان ولا نقصان أعظم من هذا فافهم.
 


_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:32 pm


 
التحدث بالنعمة وعدم النظر إلى الدنيا وترك الأغيار
 
50- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه: "التحدث بالنعمة ذكر القربية والتخلص من تجاوز مرتبة العَبْدية".
51- "العارف لا ينظر إلى الدنيا ولا إلى الآخرة".
52- "كل الكمال ترك الأغيار وطرح الاستبشار بحوادث الأكوان والذل بكسوة الفناء بين يدي الحي الذي لا يموت".
        نقل الإمام عبد الكريم الرافعي في كتابه (سواد العينين) أن سيدنا المؤلف رضي الله عنه قال في كتابه (طريق السائرين إلى الله) ما نصه: "الولي الجامع لا يرى بعد تمكنه في مقام النهاية فرقاً لنفسه على غيره مع شهوده نعمة الله فيه آخذاً بسبيل نبيه صلى الله عليه وسلم الذي سلكه بأمر ربه لمّا قال له تعالى في القرآن: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ}الكهف110. فسقطت الفرقية النوعية بالمثلية الآدمية وشوهدت النعمة القدوسية بذكرها المُجمل. والذي أراه أن الولي الجامع الكامل مع انحجابه عن رؤية الفرقية وتحققه بشهوده النعمة يتأدب أن يذكرها بل يعترف بها ويقوم بشكرها للمنعم تعالى إلا إذا جهل أهل مصره أو أهل عصره قدر نعمة الله عليه فخاف عليهم الوقوع في ورطة "من آذى لي وليا فقد حاربني". فهنالك يتحدث بالنعمة مراعياً هذه الحكمة صارفاً وجهة القلب عن الزهو والعُجب والعُلو على الأمثال مقتبساً من أشعة نور الهدى المحمدي منطمساً في نفسه لا تحركه زعازع النخوة ولا تهشه عواصف الأكوان ويتساوى عنده المدح والذم والذل والعز والفقر والغنى. علماً بأن البقاء المحض والقدرة النافذة لله تعالى وحده والعبد عدمٌ محضٌ عجزٌ ضعفٌ {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفا}النساء28. وتسليما للحاكم الآمر الفاعل المطلق الذي لا قيد يمنع نوافذ أحكامه وأوامره وأفعاله أن ربك على كل شيء قدير. أه. وقد أوضحت هذه المقولة المباركة ما انطوى في نص كلمات الحكم من المعاني ولم يبق إلا معنى قوله رضي الله عنه "العارف لا ينظر إلى الدنيا ولا إلى الآخرة" فإن هذا المعنى المبارك مقصد الخُلَّص من العباد المتمكنين الذين تأنف نفوسهم عن الدنيا ونعيمها اشتغالا بربهم جلّ وعلا ولا يطمعون في الجنة ولا يخافون من النار بل يعبدون الله ويضرعون إليه طمعا بمشاهدة وجهه الكريم في الدار الآخرة وخوفاً من القطيعة والهجر.
        وهذا سر قول الشارع الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم: "الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا والآخرة حرام على أهل الله". فمن هذا ظهر أن أهل الكمال خُلُقهم ترك الأغيار والترفع عن الاستبشار بحوادث الأكوان والخضوع على بساط الفناء عن النفس والخلق بالذل للحق الحي السرمدي الأبدي الديمومي فإنه سبحانه الصمد الذي لا يتحول والباقي الذي عليه دون غيره المعوَّل.
       
53- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "لا تجعل رواق شيخك حرماً وقبره صنماً وحالَهُ دَفةَ المُكدية. الرجل مَن يفتخر به شيخه، لا مَن يفتخر بشيخه".
 أشار رضي الله تعالى عنه بقوله "لا تجعل رواق شيخك حرما" إلى قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى". فكأنه يقول قدس سره لا تحث الناس على شد الرحال إلى رواق شيخك كأنك تجعله حرماً رابعاً يجب شد الرحال إليه فإن هذا من الغلو حمانا الله. وكأنه بقوله له "وقبره صنما" يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري وثناً يُعبَد بعدي". وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن مَن كانوا قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك". أمر الشارع الكريم صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض ونهى عن الزيغ والشرك وحذر الأمة من اتخاذ قبور الصالحين أوثاناً تعبد وتقصد لأن ذلك مما يهدم الدين والعياذ بالله. لأن الجهلة الذين لا يفرقون بين الحق والباطل يظنون بل يعتقدون أن هذا المخلوق المدفون في هذا القبر المزين المحتفل المحتشم يصل ويقطع ويفرق ويجمع ويعطي ويمنع وهذا الاعتقاد والعياذ بالله من الضلال والشرك بمكان فلذلك نبه سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه إخوانه المسلمين وحذرهم الوقوع في هذا الخطر العظيم ونبه السالك أن لا يجعل حال شيخه الذي كان عليه دفة الكد والاكتساب وشبكة الصيد للدنيا. وأتبعها بقوله "الرجل من يفتخر به شيخه" أي بصدقه وقناعته وزهده وتوكله على الله وصفاء سريرته وحسن التجائه إلى الله سبحانه وتعالى وكمال متابعته لنبيه صلى الله عليه وسلم "لا من يفتخر بشيخه" وهو مجرد من جميع الأوصاف الكريمة مشتمل على الأخلاق الذميمة فإن مثل ذلك الرجل لا ريب بعدم دخوله في أعداد الرجال الخالصين وأنّى يكون له وحضرة الحق لا يدخلها إلا أهل الحق.
دخلاء الصوفية وواجب الرد عليهم
 
(تنبيه) قال صلى الله عليه وسلم: "إذا ظهرت البدع ولعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فلينشره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد". رواه ابن عساكر عن معاذ رضي الله تعالى عنهما. وغير خاف أن طريق الصوفية أدخل فيه أهل الزيغ والبدع وأصحاب الجهل والعناد شُبها كثيرة وجعلوه مشوباً بالمحدثات والمفاسد وأرادوا تحريفه عن أصله حتى كثر سالكوه من هؤلاء الرعاع وقلّ طارقوه من أهل الحقيقة المبرئين من الابتداع وكثرت الخرافات والأباطيل والترهات المصوغة من أكذب الروايات والأقاويل وتبجح بإسنادها إلى الصالحين جماعة من الكذابين فأتوا مع جهلهم بما يُستهجن من أساطير الأولين فجماعة منهم رفعوا لواء الكفر والزندقة وتجرأوا على الله بالقول والوحدة المطلقة. وجماعة نشروا راية الإشراك وتبرقعوا برداء الإرجاف عن غير إدراك واتخذوا تعظيم رؤساء طريقهم شبكة لصيد المآرب والمقاصد وأدخلوا عليهم وعلى طريقهم بما عزوه أسوأ المفاسد فترى منهم من يعطي لشيخ طريقته أوصاف الربوبية ويأتي على ذلك بأدلة يهزأ بها كل عاقل في البرية وإذا نصحتهم بما أتت به السُنة والقرآن قابلوك بحكايات كحكايات العجائز ما أنزل الله بها من سلطان وإذا قلت قال  الله تعالى وقال رسوله الصادق العدناني قالوا نعم ولكن قال كذلك الشيخ البنبائي والهمداني. فحينئذ وجب على كل من تشرف بخرقة العلم والطريقة وانتسب إلى القوم أهل الحقيقة على الحقيقة أن يجاهد في الله حق جهاده بهداية الضالين و ردّ الشاردين وستر الطريقة السمحاء من فضائح أهل القبائح واستعمال لسان الغيرة لتبرئة أعراض السلف الصالح فإنهم درجوا على التمسك بالسنة والكتاب ووصلوا إلى الله ببركة الشريعة الغرّاء من دون  شك ولا ارتياب وقد قام قوم لهدم منارهم بدعوى أنهم من أنصارهم فلذلك تعيّن على من انتسب إليهم أن يغار لهم بتنزيه جانبهم مما حمله أهل البدع والجهل عليهم.
طريق القوم واضحة السبيلِ
رواها العارفون بلا نزاع
فمن زاد الطريق الحق حرفا
فخل الجاهلين ودع أذاهم
ولازم إثر أهل الله تنجو

 
مؤسسة على النهج الجميلِ
عن المختار بالسند الجليلِ
يُرَّدُ وقد يُطالبُ بالدليلِ
وما انتحلوه من قالٍ وقيلِ
إذا فرَّ الخليلُ من الخليلِ

 
الشرع ميزان الأقوال والأفعال والأحوال
 
54- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن صمّ سماعه عن أصوات الأغيار سمع نداء {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}غافر16. فنزل عن فرس كذبه وعُجبه وأنانيته وحوله وقوته ووحدته وانقهر في مقام عبوديته".
55- "إياك والقول بالوحدة التي خاض بها بعض المتصوفة".
56- "إياك والشطح. فإن الحجاب بالذنوب أولى من الحجاب بالكفر. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}النساء48.
57- "إذا رأيت الرجل يطير في الهواء فلا تعتبره حتى تزن أقواله وأفعاله بميزان الشرع".
 58- "إياك والإنكار على الطائفة في كل قولٍ وفعل، سلّم لهم أحوالهم، إلا إذا ردّها الشرعُ فكن معه".
 أشار رضي الله عنه إلى أن من صم سماع قلبه عن الالتفات إلى مظاهر أصوات الأغيار الفانية سمع بأذن روحه وفهم بواعية سره قبل الانتقال إلى الدار الآخرة نداء "لمن الملك اليوم" فنزل لفهم هذا النداء الحق عن مطية نفسه المزينة المسومة بآلة كذبه وعُجبه وأنانيته وحوله المحاط بالعدم وقوته المستغرقة في العجز ووحدته الشاهدة عليه بالفرق وانقهر لفهم هذا السر في مقام عبوديته وضعفه وعجزه وفنائه واتصف بحقيقته وانسلخ عن تجاوزه.
        ثم أتبع ما قال بقوله "إياك والقول بالوحدة" أي المطلقة التي خاض وغرق بها بعض المتصوفة المبعدين عن صف الصوفية. إياك والشطح أي التجاوز والتبجح فإن الحجاب الحائل بالذنوب عن حضرة القرب أولى من الحجاب القاطع عن الله بالكفر لقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}النساء48.
ولا ريب فالقول بالوحدة المطلقة شرك بحت لا تأويل له. والشطح بالتكلف من شهود حضرة خيالية جراءة على الله وفيه أيضا ما فيه من تجاوز الحدود الشرعية وهتك أستارها المرعية وتحقير من أعزه الله وإعزاز من لا خلاق له عند الله والمشاركة بأوصاف الربوبية كدعوى الإعطاء والمنع والوصل والقطع والإعلاء والوضع والوهب والسلب وأمثال ذلك من الأوصاف المخصوصة بالله أو بمن أذن له الرحمن وارتضاه جلذت قدرته. فعلى هذا الميزان إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يتربع على الماء فلا تعتبره أو تدخله في أعداد الصالحين حتى تزن أقواله وأفعاله بميزان الشرع فإن وافقه قولاً وفعلاً فحاله مقبول وممدوح وإن خالفه فمردود ومُقبَّح. إياك والإنكار على الطائفة الصوفية الخالصة في كل قول وفعل لمجرد كونهم صوفية فإن ذلك من الحسد والعناد بل سلم لهم أحوالهم الذين هم عليها إلا إذا ردّها نص صريح من نصوص الشرع فكن معه و رُدّ ما ردّه الشرع متجرداً من غرضك وغاية نفسك وهذا قول أهل الحق ومذهب كل مُحِق.
 
59- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "التكلم بالحقائق قبل هجر الخلائق من شهوات النفوس".
 يشير إلى أن التفكه بكلمات أهل الحقائق تقليداً من غير تحقيق قبل هجر الخلائق والتخلص من جميع العوائق والعلائق وصحة التجرد إلى الخالق بالعزم الخالص والقلب الصادق إنما هو شهوة من شهوات النفوس لا دخل له بطريق الحق أبدا.
 
60- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن عدل عن الحق إلى الباطل تبعاً لهوى نفسه فهو من الضلال بمكان".
 لا يخفى أن الحق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خالفه ضلال وبطلان والله تعالى قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}الحشر7.  والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". فعلى هذا مَن عَدَلَ عن طريقه الكريم وصراطه المستقيم إلى شهوات نفسه الدنية تبعاً لهواها فهو على الضلالة "وكل ضلالة في النار" كما أخبرنا بذلك النبي المختار.
 
61- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه:  "أول أبواب المعرفة الاستئناس بالله سبحانه وتعالى. والزهد أول قدم القاصدين إلى الله عز وجل".
يشير إلى أن أول أبواب المعرفة بالله الاستئناس بذكره سبحانه وتعالى وعبادته والوحشة من كل قاطع يقطع عنه سبحانه وتعالى تحققاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"، الحديث.
        ثم اتبع ما قال بقوله "والزهد أول قدم القاصدين إلى الله عز وجل" وهو سر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك". فهذا الزهد أول قدم يضعه القاصد في طريق الله إلى الله وهو الباب الموصل إلى الحضرة العلية كما شهد بذلك الواصلون إلى الحضرات القدسية.
 
62- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "من مات مُحبّاً مات شهيداً ومن عاش مخلصاً عاش سعيدا وكلا الأمرين بتوفيق الله تعالى".
63- "من سلك الطريق بنفسه أعيد قسراً. هذه الطريقة لا تورث عن الأب والجد إنما هي طريقة العمل والجِد والوقوف عند الحد وذر الدموع على الخد والأدب مع الله تعالى".
64- "ظن بعض الجهلة أن هذه الطريقة تنال بالقيل والقال والدرهم والمال وظواهر الأعمال. لا والله إنما نيلها بالصدق والانكسار والذل والافتقار واتباع سنة النبي المختار وهجر الأغيار".
 
        أنبأت كلمات المؤلف رضي الله تعالى عنه عن أسرار محمدية عجيبة المآل جيدة المنوال لأنه أشار بقوله "من مات محبا مات شهيدا" إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عشق فكتم وعفَّ فمات فهو شهيد". هذا إذا تعلق عشقه وحبه بالأغيار و{خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات 40-41. له وهو من الشهداء بصريح حديث سيد الأنبياء فكيف بمن مات محباً لله ملتفتاً عن غيره. أفناه العشق الإلهي فاضمحل حاله وآل إلى الموت مآله فإن مثل ذلك المحب بمرتبة الشهادة أولى من غيره بلا ريب.
        وقول سيدنا المؤلف "من عاش مخلصاً عاش سعيدا" يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". والله تعالى يقول: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا}البقرة269. فإذا كان إخلاص العبد أربعين يوما يصير سببا بإذن الله لتفجر ينابيع الحكمة من قلبه {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا} والخير الكثير لابد وأن تكون من جملته السعادة فمن استغرق أوقات عمره بالإخلاص لله تثبت له السعادة بإذن الله. وكلا الأمرين أي محبة الله والإخلاص لله لا يتم للعبد إلا بتوفيق الله تعالى فلأجل ذلك أوجب القوم العارفون صحة الاستناد إلى الله والتجرد من الاعتماد على الأعمال على كل من طلاب الحق. ويؤيد ذلك قول المؤلف طاب مرقده "من سلك الطريق بنفسه معجبا بها معتمدا على عمله منحرفا عن الطريق الذي سنه النبي صلى الله عليه وسلم أعيد إلى مقام جهله قسراً". على أن هذا الحبيب المعظم صلى الله عليه وسلم باب الله الذي من لم يقصده منه سُدَّت عليه الطرق والأبواب ورُدَّ بعصي الأدب إلى إصطبل الدواب. وتأكيدا لهذا المعنى وتأكيداً لهذا المبنى قال صاحب الحكم رضي الله عنه "هذه الطريقة لا تورث عن الأب والجد" لأنها جوهرية وخالص عمل وليست بمال ولا عَرَض إنما هي طريقة العمل والجِد والوقوف عند الحد الذي حده النبي المؤيد صلى الله عليه وسلم وذر الدموع خيفة من الله على الخد والأدب معه سبحانه وتعالى بكل حال من الأحوال وبكل فعل من الأفعال. نعم ظن بعض الجهلة أن هذه الطريقة المسنونة والجادة المباركة الميمونة تنال بالقيل والقال والحكايات والأمثال والدرهم والمال وطقطقة النعال وظواهر الأعمال المشوبة بالرياء في الأفعال لا والله إنما نيلها بالصدق والانكسار إلى الملك الجبار والذل والافتقار بين يدي مقدّر الأقدار واتّباع سنة النبي المختار التي هي طريق النجاة والسعادة في هذه الدار وفي تلك الدار وهجر الأغيار القاطعين عن الله في الأحوال والأقوال. وهجر الأغيار لا يتم إلا إذا تمكنت خشية الله في قلب العبد فإنها متى تمكنت في القلب تنتج كل خير بشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: "خشية الله رأس كل حكمة والورع سيد العمل".
 
65- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن اعتزَّ بذي العِزّ عَزّ ومن اعتزّ بغيره وقف معه بلا عزّ".
الاعتزاز بالله لا يكون إلا عند عبد صحت محبته لله فإن محبة الله تمحو آثار الآغيار من القلب ومتى انمحت آثار الأغيار من القلب سقطت هيبة الغيرية منه فلا يعتز محب الله بغيره ولا يخشى غيره. ومن المعلوم أن صدق المحبة كمال الاشتغال بالمحبوب والانحراف عن غيره بالكلية والصبر على غصص المحبة وتحمل أثقالها.
        وحسن ما قاله الجنيد رضي الله تعالى عنه حين سئل عن المحبة فقال مَن ذهب عن نفسه واتصل بذكر ربه وقام بأداء حقوقه ونظر إليه بقلبه فأحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا في مناجاته شرب من كأس حبه وكشف له المحبوب أستار غيبه فهو محب إن تكلم فبالله وإن نطق فمن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله تعالى.
        وقال الجنيد رضي الله عنه أيضا دفع السري السقطي رضي الله عنه إليّ رقعة وقال هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث وإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني
فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا
وتنحل حتى لا يـُبقي لك الهوى

 
فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا
وتذبل حتى لا تجيب المناديا
سوى مقلة تبكي بها وتُناجيا

ومن المعلوم أن مَن كانت هذه صفته انصرفت إلى الله وجهته وانقطعت عن الأغيار بالكلّية كلّيته وتم بالله تعالى عزه ونصرته وهذا سر قوله تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}محمد7. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}الطلاق3. وقال عليه الصلاة والسلام: "من عاذ بالله فقد عاذ بمُعاذ". وهذا ما أراده المؤلف رضي الله تعالى عنه بقوله: "مَن اعتز بذي العز عز". وأما قوله "من اعتز بغيره وقف معه بلا عز" فإنه مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اعتز بالعبيد أذله الله". وهذا أوضح ما يُقال وأشرف ما يُذكر وبه الكفاية.
 
66- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "كتاب الله آية جامعة اندرجت فيها الآيات الربانيات".
67- "مَن أنعم الله عليه بفهم بواطن كتابه. والتزام ظاهر الشرع فقد جمع بين الغنيمتين. ومن أخذ برأيه ضل وانقطع عن الباطن والظاهر".
أشار بذلك إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض". وقال سيدنا المؤلف في كتابه (البرهان): "إياكم ومحدثات الأمور .قال عليه الصلاة والسلام: (مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ. عاملوا اللهَ بالتقوى، وعاملوا الخَلق بالصدق وحسن الخُلُق، عاملوا أنفسكم بالمخالفة ، وقِفوا عند الحدود. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) ( النحل 91 ). (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر7).
 
    إياكم والكذب على الله والخَلق، فإن الدعوى كذب على الله وخلقه، كل العبودية معرفة مقام العَبْدية، الدين عملٌ بالأوامر، واجتناب عن النواهي، وخضوعٌ وانكسارٌ في الأمرين. العمل بالأوامر يقرب إلى الله، والاجتناب عن النواهي خوف من الله.
 طلب القرب بلا أعمال، مُحالٌ وأي محال. الخوف مع الجرأة فضيحة.
اطلبوا الله بمتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، إياكم وسلوك طريق الله بالنفس والهوى، فمن سلك الطريق بنفسه ضل في أول قدم.
أي سادة! عظموا شأن نبيكم صلى الله عليه وسلم، هو البرزخ الوسط الفارقُ بين الخَلق والحق، عبد الله، حبيب الله، رسول الله، أكمل خَلق الله، أفضل رسل الله، الدّالُّ على الله، الداعي إلى الله، المُخبِرُ عن الله، الآخذُ من الله، باب الكل إلى الحضيرة الرحمانية، وسيلةُ الكل إلي الحظيرة الصمدانية. ومن اتصل به اتصل، ومن انفصل عنه انفصل، قال صلوات الله وتسليماته عليه (لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به).
أي سادة! اعلموا أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم باقيةٌ بعد وفاته، كبقائها حال حياته، إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها، وجميعُ الخَلقِ مخاطَبون بشريعته الناسخة لجميع الشرائع، ومعجزاته باقية وهي القرآن، قال تعالى (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء88).
أي سادة! مَن رَدَّ أخبارَه الصادقة، كمَن رَدَّ كلام الله تعالى. آمنا بالله، وبكتاب الله، وبكل ما جاء به نبينا محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )(النساء 115). أ.هـ.
 
وقلت فيما يناسب هذه الحكمة المباركة ارتجالاً.
كتاب الله للإسلام نورٌ
أتى بجليل برهان جليٍّ
بواطنه طوت كل المعاني
فمن أحياه باطنه بنور
فقد ربحت تجارتُهُ بحقٍ
ومن قطعته أيدي الغيِّ عنهُ
فخذه لكل مكرمة طريقا

 
به اندرجت جميع المعجزاتِ
وآياتٍ صِراحٍ بيناتِ
وظاهره طريقٌ للنجاةِ
وظاهره بعنوان الثباتِ
وأسعد في الحياة وفي المماتِ
تقطّع بالمواضي المرهناتِ
تفز بالباقيات الصالحاتِ

 
68- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "ذكر الله جُنّة من كل نازلة سماوية وحادثة أرضية. أجل إن الذاكر جليس الحق. فعليه أن يتأدب مع المذكور لكيلا يُقطع عن المجالسة التي هي بركة القبول والطهارة من الغفلة".
نبّه أن الذكر بمنزلة الحصن من النوازل السماوية والحوادث الأرضية وأيّّد ذلك بقوله إن الذاكر جليس الحق ولا ريب أن مَن كان جليس الحق كان في أمان الله من النوازل والحادثات وقد جاء في الخبر أن الله تعالى يقول: "أنا جليس من ذكرني". وورد أيضا أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقول: أعطيت أمتك ما لم أعطه أمة من الأمم. فقال: وما ذاك يا جبريل؟ قال قوله تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}البقرة152. ولم يقل هذا لغير هذه الأمة". وفي معنى المجالسة ورد أن موسى عليه السلام قال: "يا رب أين تسكن؟ قال في قلب عبدي المؤمن". ومعناه سكون الذكر في القلب وإلا فالرب جلت عظمته وعلت قدرته منزه عن المسكن والمكان. فإذن مَن كان جليس الحق وجب عليه كما قال سيدنا المؤلف أن يتأدب معه سبحانه وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وصحة الاستناد إليه وكمال الاعتماد عليه لكيلا يُقطع عن المجالسة التي هي عبارة عن بركة القبول بالإقبال على الحق والطهارة من الغفلة التي هي الاشتغال بالخلق وكل الإفلاس الاستئناس بالناس. وقد قال العارفون: "الذكر منشور الولاية" فمن وُفق للذكر فقد أعطي المنشور ومن سُلب الذكر فقد عُزل وقال أبو علي الدقاق قدس سره ذكر الله سيف المريد يقاتل به الأعداء ويدفع به الآفات والبلاء وإن العبد إذا فزع بقلبه إلى الله عز وجل يدفع عنه في الحال ما يكرهه. وهذا سر ما جاء في نص الحكمة المباركة الأحمدية.
69- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "كل لسان يتكلم مترجماً عن حضرة القلب يظهر بضاعتها ويفتح خزانتها فمن طهرت حضرة قلبه طاب لسانه وعذب بيانه فإن اعتبر بالفتح السيال على لسانه واعتنى بتطهير حضرة القلب ازداد عرفانه وبرهانه. ومن اكتفى بحظ اللسان بقي مع الأقوال قصير الباع عن تناول ثمرات الأفعال".
أوضح رضي الله تعالى عنه أن مفتاح خزانة القلب وترجمان حضرتها اللسان فإن طاب وعذب فقد دل على ما أضمرته زاوية القلب وإن خبث وساء فقد برز بنتيجة ما في القلب على أن سر المرء يظهر من فلتات لسانه كما قيل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

 
جُعل اللسانُ على الفؤادِ دليلا

ألا ترى كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء". فقد اعتبر أوصاف الضمير بهفوات اللسان ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "ليس الخُلفُ أن يعد الرجل ومن نيته أن يفي ولكن الخُلفُ أن يعد الرجل ومن نيته أن لا يفي". وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". فعلى هذا ترتب ما ترتب على اللسان بسبب اغترافه من حضيرة القلب فإن كان المغترف صاحب قلب طاهر واعتبر حالة اغترافه من ساحة قلبه الطاهرة بالفتح ومطر الحكمة السيال من سماء قلبه الجاري على لسانه وأيقظه الاعتبار فأحسن الانتباه واعتنى بتطهير حضرة القلب فوق ما هي عليه ازداد عرفانه بربه وعلا برهانه حالة نطقه. ومَن اكتفى بحظ اللسان وحسن البيان فغفل وأهمل القلب بقي مع سبك الأقوال وحسن الألفاظ محجوباً عن مقامات أهل الكمال قصير الباع قاصر الهمة عن تناول ثمرات الأفعال التي تدخله في أعداد أعيان الرجال.
العارف مطلوبه مولاه
 
        وقد قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): "دخل علي كرم الله وجهه ورضي عنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أعرابيا في المسجد يقول: إلهي أريد منك شويهة ، ورأى أبا بكر الصديق رضي الله عنه في زاوية أخرى يقول: إلهي! أريدك. شتان ما بين المرادين شتان ما بين الهمتين. تلعب الآمال بالعقول، تلعب بالهمم، كل يطير بجناح همته إلى أمله ومقصد قلبه، فإذا بلغ غاية همته وقف فلم يجاوزها. قال تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء 84) أي: على نيته وهمته. أي أخي! لا تجعل غاية همتك ومنتهى قصدك أن تمر على الماء، أو تطير في الهواء؛ يصنع الطير والحوت ما أردت، طر بجناح همتك إلى ما لا غاية له". أ.هـ. وقلت مفرداً:
ليس اللسان برافع لك منبرا

 
إن لم يُصان بهمةٍ وشمائلِ

70- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "روح جسم المعرفة الانتباه الدائم والسر السليم والقلب الرحيم والقدم الثابت".
بيّن سيدنا المؤلف رضي الله عنه أن معرفة العبد بربه كالجسم ولكن مجرد المعرفة به سبحانه وتعالى على ما عليه العامة من الإيمان بوجوده والاعتراف بنوافذ أقداره لا يكون كافيا في مقام المعرفة الكاملة لتجرد ذلك الجسم من الروح التي تدبر أعضاءه وتقوم بحركاته وسكناته وقد جعل المؤلف روح جسم المعرفة مُرَكّبة من الانتباه الدائم وهو دوام التفكر بآلاء الله والتبرئ من الغفلة عن الله. والسر السليم أيضا وهو سلامة النية في الأعمال من شوائب الرياء والالتفات إلى الأغيار. والقلب الرحيم وهو القلب الذي أتحفه الله تعالى بالرحمة للخلق والشفقة عليهم والقدم الثابت وهو الإيمان الصادق الذي لا يشوبه الريب فيما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا مَن اجتمعت فيه هذه الخصال فقد أتحف الله جسم معرفته بروح قدسية تلحقه بالقوم العارفين بالله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ولا يخفى أن الانتباه الدائم إنما يحصل من الخشية من الله تعالى والخوف منه سبحانه.
        وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض أدعيته المباركة: "اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك". إلى آخر ما قاله في دعائه المبارك. وأما السر السليم فهو اليقين الذي تهون به مصائب الدنيا وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه من ربه. وأما القلب الرحيم الخاشع الأوّّاه وهو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "اللهم إني أسألك قلوباً أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك". واستعاذ من عكسه عليه الصلاة والسلام فقال في بعض أدعيته الشريفة: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع". ولمّا كان الخشوع من أشرف الخصال الناجحة المقربة إلى الله تعالى سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه واستعاذ من فقدانه وعرّفنا عزة قدره فقال عليه الصلاة والسلام: "أول ما يُرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا يُرى فيها خاشعاً". فإذن نظام روح المعرفة الانتباه وسلامة السر ورحمة القلب وثبوت القدم في طريق الله على ما يرضى الله وبعد المعرفة بالله فالطريق إليه سبحانه وتعالى سهل والوصول إليه جلت قدرته بتوفيقه هيّن والمحجة البيضاء شريعة حبيبه سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم واضحة السبيل لا ضلال بعدها أبدا.
 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:33 pm


 
71- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "من الحكمة أن تودع المعروف أهله. ومن الصدق أن لا تمنعه غير أهله. وثمرة الصنيعين من الله تعالى".
72- "إذا أودعت معروفاً فلا تكفره فإنه ثقيل عند الله".
73- "ما أفلح مَن دس، ولا عَزَّ مَن ظلم، ولا يتم حال لباغ ولا يُخذل عبد رضي بالله وكيلا ونصيرا".
74- "مُشكك لا يُفلح ودسّاس لا يصل. وبخيل لا يسود. وحسود لا يُنصر. وكلب الدنيا لا يستولي على لحم جيفتها. والله محول الأحوال".
75- "غارة الله تقصم وتقهر وتدمر وتفعل وتقلب حال مملكة كسروية لكسر قلب عبد مؤمن انتصر بالله".
أراد سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه بقوله "من الحكمة أن تودع المعروف أهله" أي من الحكمة العقلية التي يطمئن إليها الطبع وتسكن لها النفس إيداع المعروف أهل الاستحقاق الذين يعرفون قدره ويقومون بواجبات شكره. وأراد بقوله "ومن الصدق أن لا تمنعه غير أهله" أي ومن الصدق مع الله سبحانه وتعالى أن تودع المعروف عباد الله المستحق منهم وغير المستحق لا لجزاء ولا لشكر بل لله جلت قدرته وأن تطلب ثمرة الصنيعين اللذين هما إيداع المعروف عند المستحق وغيره من الله تعالى. ويناسب هذا المعنى قول القائل:
يد المعروف غُنمٌ حيث كانت
ففي شكر الشكور لها جزاءٌ

 
تحَمّلها كفورٌ أم شكورُ
وعند الله ما كفرَ الكفورُ

وألزم سيدنا المؤلف بالاعتراف بالمعروف فقال "إذا أودعت معروفاً فلا تكفره" هذا إن كان المعروف كثيرا أو قليلا. وكفر المعروف تغطيته وستره وكتمانه وسر هذه الحكمة مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أودع معروفاً فلينشره فإن نَشَرَهُ فقد شكره وإن كتمه فقد كفره". وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". وما أحسن قول القائل:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجدٌ
لما أمر الله العباد بشكره

 
لعزة ملك أو علو مكان
فقال اشكروا لي أيها الثقلان

وقال قدس سره "ما أفلح مَن دَسّ". الدس من التدسيس وهو إخفاء الشيء في الشيء. بيّن رضي الله عنه أن استعمال الدسيسة المضرة للناس المذمومة في الدين قاطعة لأسباب الفلاح وموجبة للخيبة والعياذ بالله. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا{10}(الشمس). أي قد أفلح من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية وقد خاب من دساها أي من دس نفسه في الفجور أو دس نفسه في الصالحين وليس منهم أو اشتغل بالمعاصي ودس أفعاله وأخفاها عن الناس ليظهر لهم صلاح حاله حياء منهم مع عدم الحياء من الله سبحانه وتعالى. وقال "ولا عَزّ مَن ظلم" أي لا يصل إلى مقام العزة المقبولة عند الله المحبوبة لدى النفوس مَن ظلم أي مَن غيَّر الموضوعات عن مواضعها فوضع الشيء في غير موضعه وعدا على الناس. وقد ورد أن أعظم دليل على سلب الإيمان والعياذ بالله كثرة ظلم أهل الإيمان وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا". وقال عليه الصلاة والسلام: "الظلمة وأعوانهم في النار". وقول المؤلف رضي الله عنه ولا يتم حال لباغ مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "لو بغى جبلٌ على جبل لدُكَّ الباغي منهما". وقوله ولا يُخذل عبد رضي بالله وكيلا ونصيرا يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته". وقوله تعالى عز من قائل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}الطلاق3. وقد أتبع سيدنا المؤلف كلامه الذي ذكر بقوله "مشكك لا يفلح ودساس لا يصل" أراد بذلك أن من كان على شك وريبة في أمره مع ربه لا يفلح أبدا لأن الفلاح مشروط بتزكية القلب وطهارة النفس قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا }الشمس9. والدسّاس الذي يدس نفسه في زمرة الصالحين وأهل الحق وليس منهم لا يصل إلى حضرة الحق ولا يُحسب من أهل الحق وأنّى يكون له ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لُعن في السماوات والأرض". وقول المؤلف "وبخيلٌ لا يسود وحسود لا يُنصر" صريح المفاد ثابت المعنى عقلا ونقلا على أن السيادة لا تتم لبخيل على قوم. ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه سلم: "السخي قريب من الله تعالى قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله تعالى بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل". ويكفيك في هذا البحث قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}آل عمران180. الآية. فإذن من كان بعيدا عن الله لا تتم له سيادة على الناس وأما الحاسد فهو أقبح من البخيل لأن البخيل يمنع ماله ويقطع نفعه عن الناس والحسود يغضب إذا انتفع الناس من الناس ولا يكتفي بذلك بل يريد زوال نعمة الله عن محسوده. وإذن مَن كانت هكذا سريرته ساءت بين الناس سيرته ومن ساءت سيرته قل شاكره وعز ناصره. والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا". وقال عليه الصلاة والسلام: "ليس مني ذو حسد". الحديث. وقول المؤلف قدس سره في بقية كلامه"وكلب الدنيا لا يستولي على لحم جيفتها". شبّه الدنيا بالجيفة المنتنة وطالبها الحريص عليها بالكلب إشارة لما ورد في الخبر وهو: "الدنيا جيفة وطلابها كلاب". وإيضاحاً للمغرور بالأيام الحريص على الحطام أن إمكانه دون طلبه لأن "الدنيا دار من لا دار له ويبنيها من لا عقل له". كما جاء في الخبر كيف لا وأيامها زوال ولياليها تمر كالخيال. ويعجبني من هذا المعنى قول سويد بن عامر المصطلقي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أدركته لأسلم". بما نصه:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم
واسلك طريقك تمشي غير مختشع
فكل ذي صاحب يوماً يفارقه
والخير والشر مقرونان في قرنٍ

 
إن المنايا بكفَّي كل إنسانِ
حتى يبين ما يُمني لك المانِ
وكل زادٍ وإن أبقيته فانِ
بكل ذلك يأتيك الجديدانِ

        وانظر ما ألطف قول المؤلف رضي الله عنه: "والله محول الأحوال فإن هذه الكلمات أتت بعد الجملة الأولى مؤكدة لمعانيها مشيدة لمبانيها. وأتبعها بقوله "غارة الله تقصم" أي تقد وتقطع وتقهر وتدمر وتفعل كل أفعال القهر والبطش تعززاً وانفرادا بالقدرة والطول والقوة والحول وتقلب حال مملكة كسروية من العز والشوكة والرفعة والمِكنة إلى الخزي والذل بسبب كسر قلب عبد اعترف بعبديته منقطع عن الأغيار لسيده مؤمن متوكل بصدق الإيمان على الله وقد انتصر متجردا من حوله وقوته بالله ولا يبعد ذلك على قدرة الله إن ربك على كل شيء قدير.
 
76- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "كل الناس يرون أنفسهم فيُغان على قلوبهم فالمحمدي يستغفر ويدفع الحجاب، والمحجوب يزداد طمساً على طمس، والمعصوم من عصمه الله".
 أشار بهذه الحكمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة".
        قال الإمام عبد الرؤوف المناوي قدس سره في كتابه (التيسير على الجامع الصغير) عند شرح هذا الحديث ما نصه "أنه أي الشأن ليُغان بغين معجمة من الغين الغطاء (على قلبي) الجار والمجرور نائب عن فاعل يغان أي ليغشى قلبي وإني لأستغفر الله أطلب من الغفر أي الستر في اليوم الواحد مائة مرة وهذا غين أنوار لا غين أغيار ولا حجاب ولا غفلة. وأراد بالمائة التكثير فلا ينافي رواية سبعين". أ.هـ.
        وأوضح سيدنا المؤلف قدس سره أن حجاب الغين يغشي قلوب الناس جميعا فتنحجب عن لذائذ الحضور برؤية الأنفس فالمحمدي أي المؤمن الذي تخلق بخُلق النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى به بالأقوال والأفعال يستغفر الله ويدفع الحجاب بذكر الله فتنجلي حضيرة قلبه برجوعه من غي نفسه إلى ربه وهذا الخُلق من سر قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }الأعراف201. وملخص ما ذكره الإمام الرازي في تفسير الآية: "إن الطائف قراءة الكسائي (طيف) بغير ألف وابن كثير وأبو عمرو كذلك والباقون (طائف) بالألف واختلفوا في معناه وفيه فمنهم من قال إنه مصدر ومنهم من قال غير ذلك وقال بعضهم في معناه إنه الغضب والوسوسة وقالوا إنه الخاطر وقالوا إنه ما يطوف حول القلب من الخيال وغير ذلك. فالمتقون إذا مسهم هذا الطائف من الشيطان حالة غضب على عجزه لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم ذكروا الله سبحانه وتعالى وتحققوا أن كل واحد منهم عاجز بالنسبة إلى قدرة الله وتذكروا أيضا ما أمرهم به من ترك أمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش فتنقلب قلوبهم عند حضور هذه التذكرات في عقولهم إلى إسداء الخير للمغضوب عليهم والعفو في الحال يزول طائف الشيطان ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي والخلاص من وسوسة الشيطان".
        هذا ملخص ما ذكره الفخر رحمه الله والذي عليه مشايخنا السادة الرفاعية. فإن الذين اتقوا أي الذين خافوا الله إذا مسهم خاطر من الشيطان فزيّن لهم عملا  قبيحا غير مرضي عهد الله وانحجب القلب حالة تغطيته بالخاطر المذكور ذكروا الله فزانوا الخاطر بميزان الشرع وحاسبوا أنفسهم وتذكروا عذاب الله وغضبه فدفعوا بهذا حجاب الغين عن القلب فإذا هم مفاجأة في الحال مبصرون بأعين بصائر الطريق الحق والباطل فيدفعون الشيطان وما أتي به من البطلان ويشدون مآزر الحزم وحزم العزم إلى طاعة الله ومرضاته ويستغفرون الله ندما عما ألمّ بهم من الخواطر الشيطانية معرضين عن الأغيار بالكلية. هذا شأن من كان محمدي القدم وأما من كان محجوبا عن التقوى وخوف الله إذا مسه طائف من الشيطان ازداد طمساً على طمس وحجابا على حجاب والعصمة والوقاية من الله سبحانه وتعالى.
 
77- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "لا دواء للحمق ولا دافع للحق ولا صحبة للمغرور ولا عهد للغادر ولا نور للغافل ولا إيمان لمن لا عهد له".
78- "كتب الله على كل نفس زكية أن تعذَّب في الدنيا بأيدي الأشرار وألسنة الفجار، وكتب على كل نفس خبيثة أن تسيء للمحسن وأن تمكر بالمُجمل والعون الإلهي محيط بالعبد المخلص المنكسر. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار}آل عمران192".
79- "علامة العدو أن يرغب بما في يديك وأن يرغب عنك إذا قل مالك. وأن يستل سيف لسانه بمغيبتك. وأن يكره أن تُمدح فدعه لله فهو عَثورٌ على رأسه كالنار تأكل حطبها {وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرا}النساء45. وعلامة الصدّيق أن يحبك لله فالصق به فإن أهل المحبة لله قليل".
 أراد بقوله لا دواء للحمق قطع الأمل عن معالجة الأحمق لأن الحمق داء غريز في الطبع لا ينسلخ إلا بانسلاخ الروح عن البدن ولذلك ورد أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول: "ما أعجزني إحياء الموتى ولكن أعجزني معالجة الأحمق". ومما ينسب للإمام علي كرم الله وجهه قوله:
لكل داءٍ دواءٌ يُستطّب به

 
إلا الحماقة أعيت مَن يداويها

        ولهذا نهى الشرع عن مصاحبة الأحمق وجاء في الأثر: "الصحبة مع العاقل زيادة في الدين والدنيا والآخرة والصحبة مع الأحمق نقصان في الدين والدنيا وحسرة وندامة عند الموت وخسارة في الآخرة".
        وقول المؤلف "ولا دافع للحق" مؤيد بقوله تعالى: {وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}يونس82. الآية. ومن أحسن الحِكم في هذا المعنى قول علي  أمير المؤمنين رضي الله عنه وكرم الله وجهه: "للحق نورٌ يبرز ضعيفاً مضمحلا ثم ينمو ويعظم، وللباطل صولة تبرز قوية ثم تضمحل وتضعف حتى لا يبقى لها أثر". ويناسب هذا المعنى قول الفاضل عبد الباقي العمري الموصلي رحمه الله في الإمام علي أمير المؤمنين رضي الله عنه:
إذا الحق انتمى لِحِمى عليٍّ

 
فلا تعجب فإن الحق يعلو

        وانظر كيف يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "الحق أصلٌ في الجنة والباطل أصل في النار".
        وقول سيدنا المؤلف "ولا صحبة للمغرور" حكمة جليلة لأن المغرور برأيه المعجب بنفسه لا يعرف قدر صاحبه ولا يتبع رأيه ويرى أنه على كل شيء، حال كونه ليس بشيء، فإذن لا يتمكن العاقل من صحبته.
        وقوله "ولا عهد للغادر" مبرهن بالطبع فإن مَن كان طبعه الغدر لا يقف عند عهد ولا يتقيد بحد. وقوله "ولا نور للغافل" ثابت بالبداهة لأن الغفلة ظلمة والانتباه نور وهما ضدان والضدان لا يجتمعان ومن الغفلة عند الله تنتج المعاصي. والمعاصي تنتج سوء الفهم حتى يضل صاحبها سواء السبيل. وقد أنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه هضماً لنفسه وتعليما لغيره:
شكوت إلى وكيعٍ سوء فهمي

 
فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نورٌ

 
ونور الله لا يُهدى لعاصِ

        وقد أوجز سيدنا المؤلف الحكمة فذكر ما جاء في السُنة بقوله "ولا إيمان لمن لا عهد له" وبيان ذلك أن الرجل لا يجترئ على نقض العهد والميثاق بعد أن جعل الله عليه وكيلا إلا لأحد أمرين إما أنه لا يعتقد اللقاء ولا يخشى الحساب وإما أن يستخف بعهد الله وكلاهما والعياذ بالله نقص في الدين والإيمان ونزغ ودسيسة من عمل الشيطان.
        وقوله "كتب الله" أي قضى وقدّر على كل نفس زكية صالحة مطهرة من العيوب المذمومة شرعا أن تُعذب وتُهان بنسبة حالها سواء كانت كبيرة أو صغيرة في الدنيا لا في الآخرة بأيدي الأشرار أي بما اكتسبته أيديهم من المساعي القبيحة وأن تُساء بألسنة الفجّار فتُذم بلا موجب وتُستغاب بلا سبب وتُذكر بالسوء وهي مبرأة وذلك لهوان هذه الدنيا عند الله ولكونه أراد سبحانه وتعالى أن يرفع لتلك النفس الزكية الرضية لواء عزٍّ في الآخرة الباقية. وكتب سبحانه وتعالى وقضى وقدّر على كل نفس خبيثة منحرفة عن طريق الحق أن تسيء لمن أحسن إليها وأن تمكر بمن عاملها بالجميل ولكن العون والحفظ الإلهي محيط بالعبد المخلص لله المنكسر لسلطان ربوبيته شامل في حركاته وسكناته له وما للظالمين الذين يضعون الباطل محل الحق من أنصار وأعوان يحفظونهم من سيوف بطش الله وسهام غيرة الله على أن الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه. وقال "علامة العدو التي تدلك عليه كونه عدواً أن يرغب بما في يدك من العَرَض والحطام وأن يرغب عنك ويهجرك إذا قلّ مالك وضعف حالك وأن يستلَّ سيف لسانه بمغيبتك فيجرح جسم عرضك". وصريح ما قاله القائل:
جراحات السنان لها التئامٌ

 
ولا يلتام ما جَرَحَ اللسانُ

ومن علامته أيضا أن يكره أن تُمدح وتُذكر بخير ويُسر أن تُذم وتُذكر بسوء فدعه لله ولا تقابله فإن من انتصر لنفسه تعب ومن سلّم الأمر لمولاه تولى نصره وكفاه واصبر عليه معتزا بالله منتظرا غارة الله وأبشر فهو عثورٌ يقع على رأسه ويحفر لحتفه بظلفه ومَثله كالنار تضرم لهبها وتأكل حطبها {وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرا}النساء45.
لمن أعرض عن الأغيار وانتصر بالملك الجبار.
        ثم قال وعلامة الصدّيق أن يحبك لله لا لعَرَض ولا لغرض فالصق به ولازمه ولا تنفك عنه فإن أهل المحبة لله قليل بل أقل من القليل.
        وقد عرّف سيدنا الإمام علي أمير المؤمنين رضي الله عنه وكرم وجهه شأن الصدّيق الذي تسكن الروح إليه ويستريح القلب معه بقوله:
صديقك الذي بأمرَيكَ معك
ومَن إذا ريبُ الزمان صدّعك

 
ومَن يضر نفسه لينفعك
شتت شمل نفسه ليجمعك

 
80- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "أول كلام بعض الفقراء وكأنك تدرأ الحدود بالشبهات، لو كنتُ في زمن الحلاج لأفتيت مع من أفتى بقتله إذا صح الخبر. ولأخذت بالتأويل الذي يدرأ عنه الحد ولقنعت منه بالتوبة والرجوع إلى الله  فإن باب الرحمن لا يُغلق".
81- "وهب الله عبادا من عباده رتبا رفيعة أطلع عليها أهل الوهب. فمن أدرك سر الله في طي هذه المواهب تواضع للخلق جميعا. فإن الخواتيم مجهولة وساحة الكرم وسيعة ولا قيد في حضرة الوهب {يَفْعَلُ مَا يَشَاء}آل عمران40. و{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء}البقرة105."
        أشار بقوله "أول كلام بعض الفقراء وكأنك تدرأ الحدود بالشبهات" إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" و"أقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله". فعلى هذا نؤول ما أمكن التأويل.
        وقوله "لو كنت في زمن الحلاج لأفتيت مع من أفتى بقتله إذا صح الخبر فيه" شأن عظيم من الغيرة والانتصار لله ورسوله وللشريعة المطهرة.
نبذة مختصرة من سيرة الحلاج رحمه الله
        ولنذكر هنا نبذة مختصرة من سيرة الحلاج ليظهر سر مقصود سيدنا المؤلف قدس سره فنقول: "الحلاج هو أبو مغيث الحسين بن منصور من أهل البيضاء وهي بلد بفارس نشأ بواسط العراق وصحب الإمام الجنيد البغدادي وغيره. وقد اختُلف في أمره وكثر به القال والقيل في عصره وذهب الشيوخ بعده في شأنه إلى مذاهب كثيرة فمنهم من كفّره ومنهم من عظمه ومنهم اعتذر له وعذره وشاع عنه وذاع وملأ الدفاتر والأسماع أنها كانت تصدر عنه ألفاظ يردّها ظاهر الشرع وينبو عنها السمع مثل قوله "أنا الحق" وقوله "ما في الجبة إلا الله". وقد اعتذر له عن هذه الألفاظ ومثلها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (مشكاة الأنوار) وذكره القشيري في (رسالته) بين المشايخ الأخيار إلا أنه صرح بخطيئاته ولمح بشبهاته. وقد أفتى الإمام الجنيد البغدادي قدس سره ورضي الله عنه بقتله مع من أفتى. وعدّه جماعة من القوم بين الأولياء حتى أن الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه ذكر أنه عارف وقال لو كنت في زمنه لأخذت بيده. وسيدنا المؤلف رضي الله عنه من الذين يقولون بولايته ويعتقدون خطأه وقد صرح في كتابه (البرهان) بذلك ما نصه: "ينقلون عن الحلاج أنه قال "أنا الحق"! أخطأ بوهمِه، لو كان على الحق ما قال "أنا الحق ."يذكرون له شِعراً يوهم الوَحْدة . كل ذلك ومثله باطل. ما أراهُ رجلاً واصلاً أبدا". إلى آخر ما قال.
 ومن المعلوم أن علماء بغداد أجمعوا على قتله وصلبه وكتب القاضي بإباحة دمه ورُفعت الفتاوى إلى الخليفة فأذن في قتله فقُتل وأُحرق بالنار وألقي رماده في الدجلة ونُصب الرأس ببغداد وأُرسل إلى خراسان ليراه أصحابه الذين افتتنوا به. هذا ملخص ما قيل في شأنه في سائر التواريخ وكان قتله في سنة تسع وثلاثمائة وقد ظهرت على يديه الكرامات العديدة فالذي اعتقده قال بكرامته ومن لم يعتقده قال إن الذي ظهر منه سحر وشعبذة. فالملخص ما ذكر اشترط سيدنا المؤلف على الفتوى بقتله صحة الخبر.
        ثم قال "ولأخذت بالتأويل" هذا بعد تحقق كل شيء مما نقل عنه تأويلا تدرأ عنه الحد ويقبله الشرع وإذا أمكن التأويل اقنع منه بالتوبة عن الكلام الذي يكلف سامعه التأويل على أنه ذنب عظيم يجب فيه الرجوع إلى الله. وبعد التوبة فباب الرحمن لا يُغلق عن عبيده الذين أسرفوا على أنفسهم وباءوا بذنوبهم إلى الله تعالى قال تعالى: " {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعا}الزمر53. الآية. ثم انعطف سيدنا المؤلف على مقاصده المضمرة فأوضحها بقوله "وهب الله عبادا من عباده" أي المسلمين والمؤمنين العارفين رتباً رفيعة عالية أطلع عليها أهل الوهب والفتح فمن أدرك سر الله المطوي طي هذه المواهب المنشورة على النوع الإنساني تواضع للخَلق جميعا وأحسن سريرته مع الله فإن الخواتيم ونهايات الخَلق مجهولة لدى الخَلق وساحة الكرم وسيعة عظيمة الفيوضات ولا قيد على الوهاب في حضرة الوهب يفعل ما يشاء متى يشاء و {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء}البقرة105. فعلى هذا الأدب مع خلق الله وفق شريعة رسول الله أنجح الطرق وأحسن المذاهب والتجرد من غرض النفس ومرض الطبع ترياق كل سالك إلى الله ورفيق كل ذاهب.
 
82-ثم  قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "قال بعض الأعاجم من صوفية خراسان: إن روحانية ابن شهريار الصوفي الكبير قدس سره تتصرف في ترتيب جموع الصوفية في العرب والعجم إلى ما شاء الله. ذلك لم يكن إلا لله الوهاب الفعال".
83- "النيابة المحمدية عند أهل القلوب ثابتة تدور بنوبة أهل الوقت على مراتبهم وتصرّف الروح لا يصح لمخلوق. إنما الكرم الإلهي يشمل أرواح بعض أوليائه بل كلهم. فيصلح شأن من يتوسل بهم إلى الله. قال تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة}فصلت31. هذا الحد".
84- "إياك وإفراط الأعاجم. فإن في أعمال بعضهم الإطراء الذي نص عليه الحبيب عليه صلوات الله وسلامه".
 85- "وإياك ورؤيا الفعل في العبد حيا كان أو ميتا فإن الخلق كلهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا".
86- "نعم خذ محبة أحباب الله وسيلة إلى الله. فإن محبة الله تعالى لعباده سر من أسرار الألوهية. يعود صفة للحق ونعم الوسيلة إلى الله سر ألوهيته، وصفة ربوبيته".
87- "الولي مَن تمسك كل التمسك بأذيال النبي صلى الله عليه وسلم ورضي بالله وليا".
 
ترجمة ابن شهريار
ابن شهريار الذي أشار إليه المؤلف رضي الله عنه ترجمه الإمام شيخ الإسلام أحمد بن جلال المصري في كتابه (جِلاء الصدا) وقال في شأنه هو الشيخ الولي الإمام الشهير الواصلة ميامن بركاته إلى الصغير والكبير سلطان أجلّة العارفين وبرهان أدلة الوراثين غوث من استغاث به من الأمة والكاشف عنهم الكرب والغمة الذي اختاره الله من بين الأخيار الشيخ المرشد أبو إسحاق إبراهيم بن شهريار الكازروني قدس سره العزيز. ثم قال "وقد أخبر بظهور سيدي أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه وأظهر على قدره وما لَهُ من القرب عند الواحد الصمد مع أن وفاة الشيخ أبي إسحاق قبل مولد السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنهما بإحدى وثمانين سنة". انتهى ملخصاً.
        قلت وكانت وفاة الشيخ المشار إليه صب الله سجال رحمته عليه سنة تسع وعشرين وأربعمائة وقد أثنى عليه الشيوخ وعظّمه الرجال وترجمه أصحاب الكمال بما يدل على مناقبه الشهيرة ومحامده الكثيرة وقال قوم من الصوفية بتصرفه في حياته وبعد مماته ونقل مثل ذلك عن الشيخ حيوة بن قيس الحراني أحد أصحاب سيدنا المؤلف رضي الله عنهما وذكروا ذلك أيضا عن الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ معروف الكرخي وغير واحد وذكر ذلك البعض من أعيان الرفاعية عن سيدنا المؤلف رضي الله عنه أيضا.
 
عدم رؤيا الفعل في العبد حيا أو ميتا
 
والحال أنه قدس سره وعمّنا بره لا يقول بهذا على الوجه المعروف عند الطائفة القائلة بتصرف بعض الأموات في قبورهم بل ينكر ذلك البتة ويصرح بعدم تصرف الروح لمخلوق وإنما الكرم الإلهي يشمل أرواح الأولياء فيُصلح شأن مناديهم ومن ينزل بناديهم. وقد نبّه على عدم رؤيا الفعل في العبد حيا كان أو ميتا وصرّح بأن الخلق حيّهم وميتهم كبيرهم وصغيرهم على حال واحد في العجز لا يملك أحد لنفسه ضرا ولا نفعا وقد أوضحت ذلك الأحاديث والدلالات والآيات البينات القرآنيات إلا أن الأولياء لما كانوا أحباب الله ومحبة الله تعالى لهم صفة من صفات ربوبيته اتخذ العباد محبة الله لهم وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى. وأراد سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه أن يعرفنا الولي لنحبه ونتوسل إلى الله بمحبة الله له فقال الولي مَن تمسك كل التمسك بأذيال النبي صلى الله عليه وسلم ورضي بالله وليا. وقد ذكر صاحب (معراج السالكين) أنه سأل شيخه السيد حسين برهان الدين الصيادي الرفاعي قدس سره سؤالا يناسب هذا المعنى وها هو بنصه: "وسألته رضي الله عنه عن كشف الولي حالة كونه في بغداد وناد به في فاس كيف يطلع عليه ويراه وقد يتفق في الوقت الواحد أن يُندب من الأماكن المتعددة على الألسن المتعددة ويرى كل نادبٍ له ويطّلع على أحوال الكل وقد يقوم بمدد الله بمعونة الكل وهو في مكانه الذي هو فيه فما هذا الحال؟ فقال: مَثَلُ قلب الولي كالحجر المغناطيسي العظيم الجسيم إذا وضعته في صحن دار وسيعة مربعة مفروشة بالرخام الأبيض بسيطة وجعلته النقطة الوسطى من الصحن وطرقته الشمس الحارة صحن الدار من كل جانب ووجهت من كل جهة قطع الحديد وما يصح جذبه إليه، أهَلّ تسري جاذبيته إلى الجميع وتصلهم وهو في محله؟ قلت: بلى. قال: وقلب الولي كذلك أعطاه الله سرا انجلى فيه حالة توجه القلب الآخر إليه تنعكس مادته اليه وتُصلح شأنه وشأن القلب الآخر والآخر وصلة شعاعية لا يمنعها حجاب من الحجب الثقيلة لأن الصحن: الحضرة الوسيعة، والرخام: طهارة النية، وحُسن تربيع المحل: صحة الطرز، وطرقة الشمس الحارة من كل جهاته: إعطاء نور المادة الممدة من جانب شمس العناية المقدسة لكيلا تنقطع قوة الكيفيتين حالة المد والاستمداد. وإلا فلا تصح هذه الإحاطة لمخلوق لأن الإحاطة بلا طلب ولا لفت قلب يوجب انعكاس مادة جاذبة إنما هو شأن الله الذي يحفظك ويعينك ويصونك بحفظه وعونه وصونه وأنت على غفلة ويرزقك وأنت على معصية ويُحسن إليك وأنت على إساءة وأنّى للعبد المسكين هذه الشؤون تعالى الله علوا كبيرا. قلت: حينئذ ثبت ما قاله بعض الحنابلة بعدم مدد الولي بعد موته. قال لا بل لم يثبت لأن المادة المُمِدّة في الولي ليست القطعة اللحمية المعطلة وإنما هي كلمة المدد الرباني المُدلاة إليه وهذه كلمة ليست بمعطلة لا ينقطع مددها ولا ينقضي أمدها ولا تبديل لكلمات الله. قلت: ولعل المدد وهبٌ بقيد كون الولي حيا؟ قال: هذا ظنٌ على وجه باطل إذ لعل المدد وهبٌ بلا قيد وهذا اللائق بالإلهية ولا ينقص من خزانة الكرم شيء. وإذا كانت المادة المُمِدّة الفعالة مادة المدد المدلاة إلى قالب الولي وقلبه المجتمع من ماء وطين لا يضر ولا ينفع ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً وهي المتصرفة الضارة النافعة الممدة وجعل الله عبده الولي موضع مدده ووجهة البعيد عن مدده المحجوب عنه إليه فمتى توجه العبد إلى الوجهة التي جعلها الله موضع مدده وقَبِل الحق اتجاهه انصرفت إليه مادة المدد من موضعها سواء كان موجوداً أو مفقودا حياً أو ميتا قريباً أو بعيداً ولا فرق في هذا وهو الأصل عند العارفين. قلت: حينئذ فما مزيّة الولي حالة كونه مجرداً عن الفعل والفتق والرتق والحول والقوة والوهب والسلب؟ فقال: مزيته الاختصاص {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}آل عمران74. أ.هـ. وفيما قاله هذا الإمام كفاية والله ولي التوفيق والعناية.
 
88- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن اعتصم بالله جل. ومن اعتمد على غير الله ذل. ومن استغنى بالأغيار قلّ. ومن اتبع غير طريق الرسول ضل". 89- "العلم نورٌ والتواضعُ سرور".
90- "الهِمّة حالة الرجل مع الله. يتفاوت علو مرتبة الإيمان بعلو الهمة".
91- "مَن أيقنَ أن الله الفعّال المطلق صرف همته من غيره".
92- "مَن علت في الله همته صحت إلى الله عزيمته وانفصلت عن غير الله هجرته".
93- "مائدة الكرم يجلس عليها البَرُّ والفاجر".
94- "لله عند الخواتيم حنانٌ ولطفٌ على عباده فوق حنان الوالدة على ولدها".
95- "إن الله إذا وهب عبده نعمة ما استردها".
96- "فيوضات المواهب الإلهية فوق مدارك العقول وتصورات الأوهام".
97- "مَن علم أن الله يفعل ما يريد، فوَّض الأمر إلى الفعال المقتدر، وفرش جبينه على تراب التسليم".
98- "كل الحقائق إذا انجلت يُقرأ في صحائفها سطر {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه}القصص88".
99- "إذا أمعنت النظر في دوائر الأكوان رأيت العجز محيطا بها والافتقار قائما معها ولربك الحول والقوة، والغنى والقدرة، وحده لا شريك له".
100- "مزالق الأقدام: الدعوى ورؤيا النفس ومعارضة الأقدار".
101- "لو كان لك ما ادَّعيت من الحول والقوة والقدرة، لما مِتَّ".
102- "أين أنت يا عبد الرئاسة؟ أين أنت يا عبد الدعوى؟ أنت على غِرّة. تنح عن رئاستك وغـِرتك والبس ثوب عبديتك وذلتك".
 103- "كل دعواك كاذبة، وكل رئاستك وغرتك هزل. القول الفصل: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّه}النساء78".
أوضح رضي الله تعالى عنه في جُمَل حكمه هذه أن من اعتصم بالله ملتجئاً إليه منحرفاً عن غيره صار جليلاً عند الله والناس. ومَن اعتمد على غير الله منقطعاً عن طريق الاعتصام بالله صار ذليلاً عند الله والناس، ومن استغنى بالأغيار مترفعاً عن رتبة الافتقار إلى الله ابتُلى بالقلة، ومَن اتبع برأيه غير طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو السُنة السَنية والشريعة الأحمدية فقد تاه عن طريق الصواب وصار من أهل الضلالة وهذا لا يكون إلا من الجهل. ولذلك قال السيد المؤلف رضي الله عنه "العلم نور يهتدي به العبد إلى سبيل الرشاد والتواضع غايته سرور" لكونه من الأسباب الموصلة إلى العلم وقد ورد بما معناه "أن العلم يُذبح أو يضيع بين الكِبر والحياء فإن المتكبر تعظم عليه نفسه أن يسأل لكيلا يُجَهَّل والمُستحي يمنعه خجله عن السؤال فلا يصل إلى مقصده من العلم. وقال "الهِمّة" وهي الجزم الصحيح والنية الخالصة حالة الرجل مع الله وبها يحصل التفاوت في علو مرتبة الإيمان فمن أيقن وتحقق أن الله تعالى هو الفعال المطلق وغيره لا فعل له صرف همته وحوّل جزمه ونيته عن النظر إلى غيره فإن مَن علت في الله همته وانحرفت عن الأغيار بالكلية نيته، صحت إلى الله عزيمته وثبتت مع المقربين منزلته وانفصلت عن غير الله هجرته فإن "مَن كانت هجرته إلى الله ورسوله ..." كما ورد في الحديث الصادق. ولا ريب فإن مائدة الكرم ووليمة الإحسان يُدعى إليها ويجلس عليها البَرُّ والفاجر والأصاغر والأكابر ولله سبحانه وتعالى عند الخواتيم ونهايات الآجال حنانٌ وعطفٌ وكرمٌ ولطفٌ على عباده فوق حنان الوالدة الشفيقة على ولدها الصالح. وإن الله إذا وهب عبده نعمة وأتحفه من إحسانه خصيصة ما استردها لأن فيوضات المواهب الإلهية فوق مدارك العقول السليمة وتصورات الأوهام ومدارج الخواطر. فعلى هذا مَن علم أن الله يفعل ما يريد ولا رادّ لأمره ولا منازع لحكمه فوّض الأمر إلى الفعّال المقتدر المُتصرف في ملكه كيف شاء، وفرش جبينه إذعاناً وانقياداً على تراب التسليم الحَكَم الحكيم لأن كل الحقائق القائمة مع الخلائق إذا انجلت وانكشف غطاؤها يُقرأ في صحائفها ويُشهد في كل لوح من ألواحها رسم الأمر الإلهي المنجلي فيه سطر {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه}القصص88. فبعد ذلك وقبل أن تصل إلى كشف هذه المسالك إذا أمعنت النظر معتبرا في دوائر الأكوان وعوالم الذرات والإنسان رأيت العجز محيطاً بها من كل جانب والافتقار قائما معها في جميع التقلبات والمذاهب، ولربك الحَول والطول والقوة والبقاء والغنى والقدرة وحده لا شريك له. واعلم أن مزالق الأقدام: الدعوى العريضة ورؤيا النفس وأعمالها ومعارضة الأقدار بالاعتراض عليها. لو كان لك ما ادّعيت أيها المُدَّعي وثبت لك ما نسبته لنفسك من الحول والقوة والقدرة، لما تحوّل حالك من الصغر إلى الكبر ومنه إلى الهرم ولما مِتَّ وتحولت من الوجود إلى العدم. أين أنت يا عبد الرئاسة المستغرق الأوقات بلذاتها الفانية؟ أين أنت يا عبد الدعوى المشغول بأوهامها الواهية؟ أنت على غرة، تنَح وتباعد عن رئاستك الفانية وغرتك الواهية والبس ثوب عبديتك لربك وتردى برداء ذلتك له بلسانك وقلبك فإن كل دعواك الوصل والقطع والفتق والرتق كاذبة وكل رئاستك بوهمك وغرتك بوقتك وجسمك هزل. القول الفصل المستجمع لكل فضل {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّه}النساء78. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
        ولا يخفى أن ما أورده سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه في هذه الجمل المباركة من الحكم الفائقة والمعاني الرائقة مؤيد بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، غنيٌ فيه المقام عن الإيضاح وقد أوردتُ ما يناسب بعض مقاصده الكريمة في قصيدة لي تخلصت فيها بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وهي:
هوِّن عليك أخَيَّ فالأيامُ
واصبر لغُصَّتها فآيتها وإن
كادت تشابه إبرةَ الفَلَك التي
تجري لغاية مستقرٍّ شمسُها
قد كُوِّرت لفّاً ودارت أرضُها
ما أعجبَ المهد الذي خفّت على
هو كالسريرِ تهزُّهُ من نفسِهِ
خذ منه فيما صارعتكَ يدُ النوى
قد يحسب الناسُ الجبالَ جوامداً
فاصبر لعمرك فالزمانُ حوادثٌ

 
مهما استطالَ مَطالُها أحلامُ
ضاقت مدارٌ ما لديه دوامُ
ثبتت ودارت حولها الأجرامُ
فيحفها عند العمودِ ظلامُ
والناس بالشبر البسيط نيامُ
مقدارِها في دورها الأعلامُ
كرويّةَ البرهانِ وهو مُقامُ
معنى فعلَّ تذيعُهُ الأقلامُ
ومرورها للنصِّ فيه نظامُ
تمضي ورأسُ المال فيه كلامُ

                                       
خبرٌ بطيب وعكسَهُ فاصلح به
واجعل لشمس الروح قطبا ثابتا
واقرأ إذا أرَّختَ نفسَكَ ذكرَها
فلأنت عالمُ كل شيءٍ ثابتٌ
من كل زوجين المثالُ ونوعها
كم آدمٍ من قبل آدمك انطوى
منها خلقناكم تتمة آيها
فاسهر إذا نام الخَليُّ لحكمةٍ
وافتح من القرآن كنزَ معارفٍ
وخذ الرسولَ وسيلة فمن التجا

 
شأناً إذا ذكر الشؤونَ كرامُ
يرضى بما يقضي به العلاّمُ
فرَحا بما نسجَت لك الأرقامُ
شكلا وشكلك هيكلٌ لَمّامُ
بك صيغةٌ حارت بها الأفهامُ
نصّاً وأنت تغرُّكَ الأوهامُ
يُخبرك كيف تسلسلُ الأجسامُ
يُعلي شرافة مجدِها الأحكامُ
فالدينُ عند الخالقِ الإسلامُ
لرحابِهِ المعمورِ ليس يُضامُ

 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:34 pm


 
104- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "سر بين الحائطين حائط الشرع والعمل".
105- "اسلك طريق الاتّباع، فإن طريق الاتّباع خير، وطريق الابتداع شر. وبين الخير والشر بَونٌ بَيِّن".
106- "مَرِّغ خدك على الباب. وافرش جبينك على التراب. ولا تعتمد على عملك والجأ إلى رحمته تعالى وقدرته. وتجرَّد منك ومن غيرك علك تلحق بأهل السلامة، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }يونس63".
 107- "بركة العبد الوقت الذي يتقرب به إلى الله عزَّ وجل".
108- "الأولياء لهم الحُرمة في الباب الإلهي. ولولا أن جعل لهم هذه القسمة لما اختصهم دون غيرهم بولايته سبحانه وتعالى. هؤلاء حزب الله. جيشه العرمرم الذي أيَّد الله به الشريعة ونصر به الحقيقة، وصان به شرف نبيه صلى الله عليه وسلم وألحقه به. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين}الأنفال64".
109- "المعرفة بالله على أقسام. وأعظم أقسامها تعظيم أوامر الله تعالى".
110- "بين العبد وبين الرب حجاب الغفلة لا غير. قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون}البقرة152".
 111- "العبد العارف يفزع إلى الله. ويتوقع سر الله. وسر الله العون الناشئ من محض الكرم والفضل من دون سابقة صنع ولا عمل".
112- "القلب يتقلب بين أصبعي قدرة الرحمن فأسألوا الله أن يثبِّت القلوب على محبته ودينه. وكفى به وليا".
أراد بقوله "سر بين الحائطين" الوقوف بين الأمر والاستقامة بالتمكن في طريق الاتّباع للشارع الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم لان طريق الاتّباع خير جامع لمقاصد الدنيا والآخرة وطريق الابتداع شر قاطع لفوائد الدنيا والآخرة والمباينة الحاصلة بين حال الخير والشر صريحة بينة لا تخفى على ذي عقل. ولهذا قال سيدنا المؤلف رضي الله عنه "مرغ خدك على الباب" أي تمكن من إظهار ذلك في باب الله "وافرش جبينك على التراب" إشارة لكثرة الصلاة ودوام السجود لله والتواضع لله وللخلق وألحقها بقوله "ولا تعتمد على عملك" إشارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
        ولهذه الإشارة تمم المؤلف كلامه بقوله: "وألجأ إلى رحمة الله تعالى وقدرته". ثم قال "وتجرد منك" أي من رؤية نفسك لأن مَن عرف نفسه فقد عرف ربه. "ومن غيرك" أي بعد تجردك من رؤية وجودك تجرد من رؤية الموجودات عامة علّك بعد ذلك تلحق بأهل السلامة وهم {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }يونس63، أي يخافون الله فلا تشتغل قلوبهم بغير أو غين طرفة عين تقرباً إلى الله وتباعداً عن غيره لأن بركة العبد ونتيجة سعادته الوقت الذي يتقرب به إلى الله عز وجل ويتباعد به عن غيره. ثم قال "الأولياء" أي الذين والوا الله وعادوا النفس والشيطان والهوى والدنيا لهم الحرمة والرعاية في الباب الإلهي ولولا أن جعل لهم هذه القسمة أي قسمة الحرمة والرعاية والحفظ والوقاية لما اختصهم وأيدهم دون غيرهم من خلقه بولايته وقربه سبحانه وتعالى. هؤلاء أي الأولياء حزب الله جيشه العرمرم أي الجمع والعسكر الكثير الغالب الذي أيد الله به الشريعة وحماها ونصر به الحقيقة وأعز حماها وصان به شرف نبيه صلى الله عليه وسلم وألحقه به أي خَلّق ذلك الحزب بخُلق نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فصان به شرفه العالي من التغيير والاندراس وتحريف الوضع والأساس وتكفل له الله تعالى بالكفاية كما تكفل به لنبيه عليه الصلاة والسلام حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنفال64. أي يكفيك الله ويحفظك من شرور الدنيا والآخرة أنت ومن اتبعك وتخلق بأخلاقك من طائفة المؤمنين الذين آمنوا بالله وبما جئت به. ثم قال "المعرفة بالله على أقسام" أي المعرفة بحكمة الله في ملكه وخلقه والقصد من إظهار عظمة ربوبيته على أقسام كثيرة وأعظم أقسامها إصابة وأجلّها حكمة وأقربها لرضا الله تعظيم أوامر الله تعالى بامتثال ما أمر به وترك ما نهى عنه وهذا الانتباه السليم الذي هو ضد الغفلة وأقرب الطرق إلى الله تعالى ولهذا أتبع سيدنا المؤلف جملته الماضية بقوله "بين العبد والرب حجاب الغفلة لا غير" فقد عيّن أن الغفلة حائل وقاطع عن الله تعالى والانتباه حبلٌ متين يلزم الاعتصام به ليصل به العبد إلى الله وأيّد مقصده بقول الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}البقرة152. ثم قال "العبد العارف" أي الذي ذاق طعم المعرفة المبحوث عنها يفزع إلى الله لا لغيره ويتوقع سر الله وهو العون الناشئ من محض الكرم والفضل من دون سابقة صنع ولا عمل وهو فرج الله الذي يحف بعبده من حيث لا يدري وهذا التوقع والانتظار عملٌ طاهرٌ يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "انتظار أمتي فرج الله عبادة" وفي رواية "انتظار الفرج عبادة" وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما "انتظار الفرج بالصبر عبادة". فإذن توقع الفرج وانتظاره يتم بالصبر ويصلح فيه فيصير عبادة ولا طاقة للعبد على الصبر إلا بمعونة الله تعالى فإن الله تعالى يقول: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّه}النحل127. أمر بالصبر وبيَّن للصابر أنه لا طاقة له على الصبر إلا به أي بمعونته وتوفيقه ولذلك قال المؤلف رضي الله عنه القلب يتقلب بين أصبعي قدرة الرحمن فاسألوا الله أن يثبِّت القلوب على محبته ودينه وفي هذه الجملة إشارة لما ورد على لسان علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه: "قلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". وما أحسن ما قلته بفضل الله في هذا المعنى:
تعالى الله إن الله ربٌّ
أحاط بجملةِ الأشياءِ علما

 
عظيمُ اللطف كشّافُ الكروبِ
تصرَّف في القوالبِ والقلوبِ


 
113 - ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "المظاهر البارزة منها ما قُيِّض للخير ومنها ما قُيِّض للشر. والمتصرف فيها باريها. فالمَظهر المقيّض للخير يُشكر. والمَظهر المقيّض للشر يُنكر. واللهُ في الحالين يُذكر".
114- "لا يتم نظام رجل أقامه الله مَظهراً للشر لأن الله لو أراد أن يتم نظامه لما أقامه مُظهرا فيما يكرهه".
115- "دع عنك الاهتمام بتقويم المعوج قبل بروز السانحة المُقَوِّمة. فإن سحاب الخير يمطر بإبّانه، ولا يُطلب قبل أوانه".
116- "لا تُسقط هِمَّتك بيد هَمِّك فتنقلب عن المطالب العلية، فإن الهَمَّ كافورُ الهِمَّة، والإقدامَ عنبرُها، والمقضيُّ كائن. وغيرَهُ لا يكون".
 117- "قف عند أفعالك التي وُهبت لك، ولا تكلف نفسك تبديل ما اضطررتَ بفعله، ولا تراك مجبوراً ومُختاراً، فإن الأمرَ بين الأمرين".
118- "كل وليٌّ يقول ويصول فهو في حجاب القول والصولة حتى ينقهر تحت سطوة الربوبية، ويفيء إلى أمر الله. فإذا فاء دنا فتدلى بصدقه إلى قاب قوسي المتابعة المحمدية. وحينئذ تصلح له رتبة العبودية، التي هي أكمل الرُتب وأعلاها، وأقربها من الله وأدناها، وأعظمها وسيلة إليه وأقواها، وليس للخَلق سِواها".
 أشار بأول جملة مما ذكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من الناس ناسٌ مفاتيح للخير مغاليق للشر ومن الناس ناسٌ مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل مفاتيح الخير على يديه وويلٌ لمن جعل مفاتيح الشر على يديه". فكلمة طوبى كلمة تهنئة وتبشير وإشارة للجمع بين خيري الدنيا والآخرة وكلمة الويل كلمة سوء وثبور وإشارة لسوء الحال في الدنيا والآخرة وكلتا الكلمتين تذكر بمعرض الدعاء والتبشير فمَن قُيِّض للخير بُشِّر على لسان الشارع العظيم عليه الصلاة والسلام بخيري الدارين ونعيم الحياتين ومَن قُيِّض للشر بُشِّر بالعذاب الأليم وقُبح الحال المستديم. فعلى هذا فالرجل المُقيِّض للخير يُشكر حاله والمقيض للشر يُنكر حاله والله تعالى يُذكر لجلالة عظمته وقوة تصرفه في الحالين طمعا بإحسانه وخوفاً من صدمة بطشه، إن ربك على كل شيء قدير. ولهذا السر قال سيدنا المؤلف بعد الجملة الأولى، لا يتم نظام رجل أقامه الله مظهراً للشر أي لا يصلح له رأي ولا ينتظم له تدبير لأن الله جلّت عظمته لو أراد أن يتم نظامه أي يجمع شتات أمره ويصلح شأنه لما أقامه أي نصبه مظهراً أي شيئاً بارزاً واقفاً فيما يكرهه وهو صنع الشر فإذن دع عنك الاهتمام بتقويم المُعوج أي بهداية مَن طمس الله على قلبه وقيَّضه للشر قبل بروز السانحة المُقوِّمة أي قبل ظهور وارد غيبي يسنح على قلبه بواعظ الحالة المُقوِّمة لاعوجاجه المُصَلِّحة لشأنه فإن سحاب الخير يمطر بإبّانه ويجيء بوقته وزمانه ولا يُطلب قبل حلول أوانه.
ومع ذلك قال سيدنا المؤلف "لا تُسقط هِمّتك بيد هَمِّك فتقف عن سعيك وعزمك ولا تنقطع عن السعي والاجتهاد فتنقلب عن المطالب العالية فإن الهم والغم والعجز والكسل كافور الهمة يقطع نتائجها ويدفعها عن مقاصدها والإقدام والسعي والصبر والاستقامة عنبر الهمة يرفعها إلى المراتب الصحيحة والمنازل الرفيعة والمقضي المقدر في عالم الغيب كائن لابد من صيرورته وكينونته وغيره لا يكون ولا يصير. وألحق سيدنا المؤلف جملته هذه بقوله "قف عند أفعالك التي وُهبت لك فالأفعال التي يصح بها الوهب لا تكون إلا أفعالاً مرْضية ولذلك نَسَبَها إلى الوهب وأمر السالك بالوقوف عندها وأن لا يختار لنفسه غير ما اختاره الله تعالى له. ثم قال ولا تكلف نفسك تبديل ما اضطررت بفعله وأجبرك سائق الوسع والطاقة لأجله ولا تراك مجبوراً أو مختاراً أي ولا تقل بقول أهل الجبر والاختيار فإن الأمر الصادق الذي ينتظم به أمر الدين بين الأمرين أي بين الجبر والاختيار فإن للعبد من الرب مواهب أفعال جعله مجبوراُ على فعلها إن شاء وإن أبى كالنوم واليقظة والطعام والشراب وأمثال ذلك وأعطاه الإرادة الجزئية في أفعال ترتّب عليها الثواب والعقاب وللقدرة في الكل تصاريف عظيمة يلزم على العارف أن يعتبر بها. ولذلك قال سيدنا المؤلف "كل ولي يقول ويصول" أي يتكلم محجوباً بحجاب الآية التي تظهر له صائلاً بالقوة التي تُعطى له ذاهلاً عن التصرف الإلهي المُحكم في شؤونات العبد وأحواله فهو في حجاب القول الذي قاله والصولة التي صال بها لا يزال وراء ذلك الحجاب بعيداً بسببه عن الباب حتى ينقهر تحت سطوة الربوبية ويكشف بالانقهار لتلك السطوة العظيمة ذلك الحجاب ويفيء إلى أمر الله ويرجع بالانكسار إلى الله فإذا فاء إلى أمر الله دنا بانكساره فتدلى بصدقه إلى قاب قوسي المتابعة المحمدية والتخلق بأخلاق الحضرة الطاهرة النبوية وحيئنذ تصح له رتبة العبودية ومنزلة العبْدية التي هي أكمل الرتب وأعلاها وأشرف المنازل وأسماها وأقربها من الله وأدناها وأنورها لديه وأبهاها وأعظمها وسيلة إليه سبحانه وتعالى وأقواها وليس للخَلق إلى الحق سبحانه وتعالى من طريقة مقربة سواها. وحسن ما ألهمته في معنى العبودية بفضل الله:
عبودية المخلوق تعريفُها
والذلُ للخالق في ملكهِ
فهذه طريقة المصطفى

 
تنزيهُ مولانا عن الغَيرِ
والصبر في الشر وفي الخَيرِ
ومَن جرى مجراهُ في السَيرِ

 
119- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "كل مَن اكتحل بإثمد التوفيق عَلِمَ عِلم اليقين وحق اليقين أن المَباطِنَ والمظاهر تحت قهر الباطن الظاهر".
120- "صفاء القلب والبصيرة ونفاذ نور البصر يكون من قلة الطعام والشراب لأن الجوع يُزيل التكبر والتعاظم والتجبر، وبه تعذيب النفس حتى تصير مشغولة بالحق. وما رأيت شيئاً يكسر النفس مثل الجوع قط. وأما الشبعُ فإنه يورث قسوة القلب وظلمته، وعدم نفاذ نور البصيرة وتكثر بسببه الغفلة".
121- "رعاية خواطر الجيران أولى من رعاية خواطر الأقارب، لأن الأقارب خواطرهم مجبورة بالقرابة والجيران لا".
122- "القلبُ المنوَّر يميل إلى صُحبة الصُلحاء والعارفين، وينفر من صحبة المتكبرين والجاهلين".
123- "معاملة عباد الله بالإحسان توصل العبد إلى الدَيَّان. والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسهِّل المرور على الصراط ، وتجعل الدعاء مستجاباً. والصدقة تزيل غضب الله والإحسان للوالدين يهوِّن سكرات الموت".
124- "صحبة الأشرار والحمقى والظلمة وأهل الحسد ظلمة سوداء".
125- "العارف مَن كان على جانب كبير من سلوك طريق الحق مع المواظبة والاستقامة عليه فلا يتركه دقيقة واحدة".
أراد بقوله "كل من اكتحل" إلى آخر الجملة أن مَن جلا إثمد التوفيق عين بصيرته رأى كما يرى الرجل بعين بصره وعَلِمَ عِلم اليقين وحق اليقين أن كل شأن مُبطَن ومُظهَر خاضعة حركاته وسكناته ومقيدة إشاراته وإراداته في بطونه وظهوره تحت قهر الباطن والظاهر جلّت قدرته وهناك يلتفت العاقل عن المبطن والمظهر إلى من أبطن وأظهر.
        ثم بيَّن المؤلف رضي الله عنه أسباب جلاء القلب والبصيرة فقال صفاء القلب والبصيرة ونفاذ نور البصر يكون من قلة الطعام والشراب وعلل ذلك بكون الجوع يزيل الكبر والتعاظم ويعذب النفس حتى تصبر مشغولة بالحق وقد كان السلف الصالح يشتغلون بالله عن الطعام والشراب كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلُها

 عن الشراب وتُلهيها عن الزادِ

قال صاحب (آداب الأقطاب) : جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاءت فاطمة صلوات الله عليها وسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسرة خبز فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة؟" فقالت: "صنعتُ قرصاً وخبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة" فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام". وكان سهل بن عبد الله يأكل في كل خمسة عشر يوماً أكلة فإذا دخل شهر رمضان أفطر على الماء ولا يأكل حتى يرى هلال شوال. ودخل بعضهم على بعض الشيوخ فرآه يبكي فقال: مالك؟ قال إني جائع. فقال: ومثلك يبكي من الجوع؟ فقال له: اسكت أما علمتَ أنه أراد من جوعي أن أبكي.
        وقد نبه سيدنا المؤلف على أن الشبع يورث قسوة القلب وظلمته ويمنع نفاذ نور البصيرة وتكثر بسببه الغفلة وقد كان أئمة القوم كلهم على ذلك قال صاحب (آداب الأقطاب) قال أبو سليمان الداراني: مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع. وقال يحيى بن معاذ: الجوع نور والشبع نار والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق فلا تنطفي ناره حتى تحرق صاحبه. وقال: لئن أترك من عشاي لقمة أحب إليّ من أن أقوم الليل كله. وقال مالك بن دينار: مَن غلب شهوات الدنيا فذلك الذي يفر الشيطان من ظله. وقال أبو علي الروذباري: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالكسب. وقيل للشبلي: إن أبا تراب النخشبي قال: جُعتُ في البرية فرأيتها كلها طعاماً، فقال عبدٌ له رُفِقَ به ولو بلغ محل التحقيق كان كمن قال: "أظل عند ربي فيُطعمني ويسقيني" لما شُغل المصطفى صلى الله عليه وسلم بمخاطبة مولاه والتلذذ بذكراه سُقي من مَعِين الخطاب لذيذ الشراب وشُغل عن الغذاء برب الأرباب قال: "أظل عند ربي فيُطعمني ويسقيني". أ.هـ.
        ونبه سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه على رعاية خواطر الجيران أكثر من خواطر الأقارب لأن خواطر الأقارب مجبورة بالقرابة والجيران ليس لهم هذا الحظ وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره"، الحديث. ثم بيَّن أن القلب المنوَّر أي المطهَّر من ظلمة الخبث، المضيء بنور الاتِّباع يميل إلى صحبة الصلحاء والعارفين وينفر من صحبة المتكبرين والجاهلين. وذلك لسر قوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحَب وله ما اكتسب". ولِما ورد أيضا: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم مَن يخالل". ولقوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ}لقمان15. وقوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين}الأعراف199. ثم بيَّن سيدنا المؤلف أن معاملة عباد الله بالإحسان توصل العبد إلى الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تسهل المرور على الصراط وتجعل الدعاء مستجاباً والصدقة تزيل غضب الله والإحسان للوالدين يهوِّن سكرات الموت. وصحبه الأشرار والحمقى والظلمة وأهل الحسد ظلمة سوداء ولكل جملة ما ذكر دليل من سُنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام في العباد الذين يعاملون الخَلق بالإحسان ويقومون بقضاء حوائج الناس ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: "إن لله تعالى عباداً اختصَّهم بحوائج الناس تفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله". وغير خافٍ أن مَن جعله الله آمنا من عذابه فقد أدخله في أوليائه وأحبابه بشاهد قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}يونس62.
 
مطلب في معنى الصلاة على النبي
 
وجاء في الصلاة عليه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات". وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن صلى علي حين يُصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة". وغير ذلك مما لا يُحصى. ومما وفقني الله إليه قولي في كتابي (ضوء الشمس) : "ومن العلامات الدالة على محبته أيضا كثرة الصلاة والسلام عليه وعلى آله الكرام وأصحابه العظام وقد ورد الأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الكتاب العزيز فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }الأحزاب56. وفي هذه الآية الكريمة دليل قاطع وبرهان ساطع على أن هذا النبي المكرم والرسول المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم رفيع القدر في الملأ الأعلى وفي الملأ الأدنى لأن الله تعالى أخبر عن الملأ الأعلى وهم الملائكة الكرام بأنهم يصلون على سيد الأنام ومصباح الظلام وأمر الملأ الأدنى وهم المؤمنون بالصلاة والسلام عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وأعظم من ذلك أنه معظم عند الله سبحانه وتعالى ولذلك أخبرنا سبحانه وتعالى بأنه يصلي عليه.
 
والصلاة أحسن ما قيل فيها أن معناها العناية لكن في كل محل بحسبه فالصلاة من الله تعالى اعتناؤه بنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بإعلاء قدره وإظهار فخره وإعلان شرفه والثناء عليه وإيصال كل خير وبر إليه ومضاعفة تعظيمه وزيادة تعزيزه وتكريمه. والصلاة من الملائكة والآدميين تضرع إلى الله تعالى في أن يزيد عزه وإكرامه ويرفع قدره ومقامه وهو سبحانه وتعالى ما زالت إفضالاته لهذا النبي الكريم والرسول الرحيم متواصلة أبد الدوام لا يعتريها انقطاع ولا انفصام ومع ذلك فقد أمر تعالى بالصلاة محضاً لإظهار قدر نبينا المعظم ورسولنا المكرم صلى الله تعالى عليه وسلم ولتمحيص ذنوبنا وستر عيوبنا وتشريفنا بجعلنا محلا لصلاته تعالى علينا، كما يُستفاد من الأحاديث الشريفة".
        ونبه سيدنا المؤلف على أن الإحسان للوالدين يهوِّن سكرات الموت وقد ورد الأمر الإلهي بذلك وقد قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا}الإسراء23. ونبه القرآن أيضا على الإحسان للوالدين بالدعاء لهما فقال تعالى على لسان عبده: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ}نوح28. {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا}الإسراء24. وهذا كان دأب المرسلين العظام وأدبهم، ألا ترى كيف قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب}إبراهيم41. وقال عليه الصلاة والسلام: "الجنة تحت أقدام الأمهات". وقال صلى الله عليه وسلم: "ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق لله صدقة تطوعاً أن يجعلها على والديه إذا كانا مسلمَين فيكون لوالديه أجرها وله مثل أجورهما بعد أن لا ينتقص من أجورهما شيئاً". وأما ما ورد في الصدقة فمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير أبواب البر الصدقة". وورد: "الصدقة تدفع البلاء وتزيد العمر". وفي حديث ابن أبي الدنيا: "التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله تعالى والعفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله عز وجل".
 
النهي عن صحبة الأشرار والظلمة
 
وقد نهى سيدنا المؤلف عن صحبة الأشرار والظلمة وأهل الحسد على أن الطبع البشري كالماء يتلون بلون إنائه وأهم ما حذر منه سيدنا المؤلف صحبة الظلمة قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّار}هود113. قال في (الكشاف) وتأويل قوله "ولا تركنوا"، فإن الركون هو الميل اليسير. وقوله "إلى الذين ظلموا" أي إلى الذين وُجِدَ منهم الظلم ولم يقل إلى الظالمين.
        وحُكي أن الموفَّق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى مَن ظلم، فكيف بالظالم؟ وعن الحسن رحمه الله: "جعل الله الدين بين لائين "ولا تطغوا"، "ولا تركنوا". انتهى.
        فلا نشك أن الموفقين يحفظهم الله من صحبة الممقوتين ويلهمهم التمسك بالصالحين. وانظر كيف نبه المؤلف على أن العارف مَن كان على جانب كبير من سلوك الحق وهو اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم في الحركات والسكنات لأن سعادة الدارين لا تكون إلا بكمال الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ومَن انحرف عن طريق اتِّباعه فهو ظالم في طريقه. قال تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين}البقرة124. وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}النور63. وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني".
 
126- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "الصوفي يتباعد عن الأوهام والشكوك ويقول بوحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}الشورى11. يعلم ذلك علماً يقيناً ليخرج من باب العلم الظني. وليخلع من عنقه ربقة التقليد".
127- "الصوفي لا يسلك غير طريق الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم، فلا يجعل حركاته وسكناته إلا مبنية عليه".
128- "الصوفي لا يصرف الأوقات في تدبير أمور نفسه، لعلمه أن المدبر الحق عزَّ وجلّ، ولا يلجأ في أموره ويعوِّل على غير الله تعالى".
129- "الصوفي يتجنب مخالطة الخَلق مهما أمكن، لأن الصوفي كلما زاد اختلاطه بالخلق ظهرت عيوبه والتبس عليه الأمر. وإذا خالط البعض، فليختر لنفسه صحبة الصالحين، فإن المرء على دين خليله".
130- "نَفَسُ الفقير مثل الكبريت الأحمر، لا يُصرف إلا بحق لحق".
131- "مَن لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسُنة ولم يتهم خواطره لم يثبت عندنا في ديوان الرجال".
132- "مَن عَلِمَ ما يحصل له هان عليه ما يبذل".
133- "مَن استقام بنفسه، استقام به غيره. كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟".
134- "الفقير إذا كسر نفسه وذل وانداس واحترق بنار الشوق والصدق وثبت في ميدان الاستقامة بين يدي الله تعالى، صار معدن الخيرات ومقصد المخلوقات وصار كالغيث أين وقع نفع. ويكون حينئذ رحمة وسكينة على خلق الله تعالى".
 أراد المؤلف رضي الله عنه بقوله "الصوفي يتباعد عن الأوهام والشكوك" إلى آخر ما قال تنزيه الله سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وقد أجمع علماء الدين رضي الله عنهم على أن شرط صحة العبادات وجود الإيمان. والإيمان في اللغة: التصديق، وشرعاً: التصديق بما عُلم من الدين بالضرورة. وقال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان".
حكم المقلد في العقائد
 
فمن كان مؤمناً موحداً الله تعالى كما ذكر سيدنا المؤلف يخلع ربقة التقليد ولا يخفى أن العلماء اختلفوا فيمن آمن وكانت عقائده بمجرد التقليد مع عدم النظر في علم العقائد والوقوف على شيء من علم التوحيد فقال جماعة منهم كالأشعري والقاضي والأستاذ وإمام الحرمين لا يكتفي بتقليده وحكى بعضهم الإجماع على ذلك وعزاه بعضهم لإمام دار الهجرة سيدنا مالك رضي الله عنه. ونقل عن الجمهور عدم جواز التقليد في العقائد الدينية والأبحاث الكلامية في هذا الموضع كثيرة. فعلى هذا صح ما اشترطه سيدنا المؤلف على الصوفي الكامل من التباعد عن الأوهام والشكوك والوقوف على هذا العلم النفيس ليخلع من عنقه ربقة التقليد. ثم قال "الصوفي لا يسلك غير طريق الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم" على أن سلوك غير طريقه صلى الله عليه وسلم إنما هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وقال صاحب (الجوهرة) :
وكل خيرٍ في اتِّباع مَن سَلَفْ

 وكل شر في ابتداع مَن خَلَفْ

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي". وقال "الصوفي لا يصرف الأوقات في تدبير أمور نفسه" وهذا هو الرضا بعينه، والرضا الذي عناه الشيوخ رضي الله عنهم اختلفت فيه أقوالهم. قال صاحب (آداب الأقطاب) قد أكثر المتصوفة في ذكر الرضا واختلفوا فيه فمنهم من قال "حال" ومنهم من قال "مُكتسب" فالراضي بالله لا يعترض على مقاديره. قال أبو علي الدقاق: الرضا أن لا تعترض على الحكم والقضاء. قال المشايخ: الرضا باب الله الأعظم. يعني من لزم الرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى وألزم بالتقريب الأعلى فالرضا لا يقع من العبد إلا بعد الرضا عنه ولهذا قال تعالى: {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}المائدة119. وقد جاء أن موسى عليه السلام قال: "إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. فقال: "إنك لا تطيق ذلك" فخرَّ موسى عليه السلام ساجداً متضرعاً فأوحى الله إليه "يا ابن عمران رضائي في رضاك بقضائي". وقد سُئلت رابعة متى يكون العبد راضيا؟ فقالت: "إذا سرَّته المصيبة كما تسره النعمة". وقيل للحسين بن علي عليهما السلام: "إن أبا ذر يقول الفقر أحب إليّ من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة" فقال: "رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: مَن اتكل على حسن اختيار الله تعالى لم يتمن غير ما اختاره الله عز وجل له". وسُئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك الرضا بعد القضاء"، فقال: "لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا". وقال أبو سليمان الداراني: "أرجو أن أكون عرفت طرفا من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت راضياً بذلك". قال المحاسبي: "الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام". وقال الجُرَيري: "مَن رضي بدون قَدْرِهِ، رفعه فوق غايته". وقال أبو تراب النخشبي: "لا ينال الرضا مَن  للدنيا في قلبه مقدار". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربا". وقال أبو عثمان: "منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته وما نقلني إلى غير فسخطته". أ.هـ.
الصوفي يتجنب مخالطة الخَلق
 
        ونبه سيدنا المؤلف على العزلة بقوله: "الصوفي يتجنب مخالطة الخَلق" إلى أن قال "وإذا خالط البعض فليختر لنفسه صحبة الصالحين"، قال القوم: العزلة صفة أهل الصفوة وهي من أمارات الوصلة. والأولَى بمن أراد العزلة أن ينوي بها كف شره عن الناس لا كف شر الناس عنه لأن الأول استصغار نفس والثاني كبر. وقال يحيى بن معاذ: "الخلوة جلسة الصديقين". وقال الشبلي: "الإفلاس مجالسة الناس" وقال الجنيد رضي الله عنه: "هذا زمان وحشة فالعاقل من آثر فيه الوحدة". وقال جماعة" مَن قوي على عزلة النفس فليعتزل ومن اشتغل في الخلوة بنفسه وجلس معها، فالأولَى له الاجتماع على الناس. ولهذا شَرَط سيدنا المؤلف على مَن أراد الاختلاط أن يختلط بالصالحين وما أحسن ما قاله ذو النون المصري رضي الله عنه:
ولا عيشَ إلا مع رجالٍ قلوبهم

 تحنُّ إلى التقوى وترتاحُ بالذكرِ

ثم قال سيدنا المؤلف "من لم يزن أقواله وأفعاله" إلى آخر ما قال يريد بذلك الانتباه من الرجل لأفعال نفسه وخروجه من ساحة الغفلة وتشييد بناء أفعاله على المحجة البيضاء شريعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ودقق عليه بعد تنقية الأفعال بتنقية الخواطر القبيحة التي تشغل القلب عن ذكر الرب وأوضح أن من لم يكن كذلك لم يثبت في ديوان الرجال. أحباب الله أصحاب القلوب الذين أطلعهم على غوامض الغيوب. ولذلك قال سيدنا المؤلف "مَن علم ما يحصل له هان عليه ما يبذل" أي مَن عَلِم جليل ما يحصل له من الفتح الإلهي والمقامات العلية القريبة من الله تعالى هان عليه وقل عنده ما يبذل لاستحصال ما تقدم ذكره من نقود الهمة وبضاعة العزيمة التي ببركتها يصير مستقيماً في نفسه مقوما لغيره فإن العبد إذا استقام بنفسه استقام به غيره وإلا فلا.
كيف يستقيم الظل والعود أعوج
 أجل كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ الفقير إذا كسر نفسه أي أنزلها عن نخوتها الكاذبة وذل لله وانداس بأرجل العبرة واحترق بنار الشوق لربه والصدق في حبه وثبت قدمه وعلت هممه في ميدان الاستقامة بصحة الإقامة بين يدي الله تعالى صار معدن الخيرات وكنز المبرات ومقصد المخلوقات ومهبط الرحمات وصار كالغيث المنسكب من معادن الرحمة أين وقع نفع بإذن الله ويكون حينئذ رحمة وسكينة على خلق الله تعالى ويدخل في إعداد أحباب الله وأوليائه الذين يحبهم ويحب من أحبهم ويغار لهم ويصونهم ألا هم القومُ لا يشقى جليسهم رضي الله عنهم وجعلنا بفضله منهم.
 
135- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "ربما اتُُّبع الكاذب وهُجر الصادق وكثرت طقطقة النعال حول المغرورين وتباعد الناس عن المتروكين. فلا تعجب من ذلك فإن حال النفس تحب القبة المزينة والقبر المنقوش والرواق الوسيع وتألف الشيخ الكبير العمامة الوسيع الكم الكثير الحِشمة. فسَيِّر همة القلب لا هِمّة النفس لكشف هذه الحُجُب وقل لنفسك: لو رأيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرة وقد أثرت في جنبه الشريف ورأيت أهل بيته رضوان الله وسلامه عليهم، لا طعام لهم ولا حشم. ثم رأيت كسرى العجم على سريره المرصع بالجواهر واليواقيت، وأهل بيته مستغرقين بالترف والنعيم، محاطين بالخدم والحشم. أين تكونين؟ ومع أي صنف تنصرفين؟ فلا بد إن وفقها الله أن تحب معية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته. فقُد بهذا الشأن هِمّة القلب إلى أهل الحال المحمدي تُحسب في حزب الله {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون}المجادلة22".
136- "وإياك أن تنظر حال تقشفك شيئاً، فإن الجوع بلا معرفة وأدب محمدي وصف من أوصاف الكلاب".
137- "فارفع قدرك بالأدب المحمدي إلى مراتب أهل الوصلة من صدور القوم. واقطع عنك رؤيا العمل واطمس حروف أنانيتك فإنها بقية إبليس. وكن عبداً محضاً تفز بقرب سيدك. وكفى بالله وليا".
 أراد سيدنا المؤلف بقوله "ربما اتُّبع الكاذب" إلى آخر ما قال انحطاط همة المحجوبين بظواهر الأحوال والآثار عن الحقائق وهم الذين تنصرف هممهم وراء النفوس فلا يميِّزون بين مقاصد القلوب ومقاصد النفوس فتنقاد هممهم لطقطقة النعال حول المغرورين وترتبط غاياتهم بالقبب والقبور والعمائم والجُبب والخدم والحشم. وتقف عزائمهم عند ذلك فلا يفرقون بين الكاذب والصادق والمبطل والمحق وكل ذلك من أشراط الساعة فحينئذ يلزم على العاقل أن يسيِّر همة القلب لا همة النفس لأن همة القلب صادقة وفيها من الفراسة بارقة وهمة النفس كاذبة وفي جميع مطالبها خائبة، لكشف هذه الحجب الثقيلة بهمة نيَّته الصادقة الجليلة وأن لا يغتر بظواهر الأحوال وأن يميز هذه الدقائق ولا يقف إلا على الحقائق ويقول لنفسه لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير وأهله جياعاً ورأيت كسرى على سرير مرصع بالجواهر وأهله بأنواع النعم فلابد أن وُفقتِ أن تكوني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الكرام فالزمي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها أنجح الطرائق وأوضح الحقائق وهذا الذي ذكرناه إلزامٌ بترك الحرص على الدنيا وكف الطرف عن ظواهر زينتها ومظاهرها الفانية. وقد دخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا. قال: "ما لي وللدنيا وما للدنيا ومالي والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سافَرَ في يوم صائف واستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها". وفي رواية أخرى أن عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحصير كما تقدم قال له: يا رسول الله، كسرى العجم مجوسي ينام على فراش الديباج وأنت يا رسول الله لو اتخذت فراشاً. فقال له عليه الصلاة والسلام: "مالي وللدنيا ..." الحديث. وذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}الكهف82. قال: لوح من ذهب مكتوب فيه "عجباً لمن أيقن بالقدَر كيف ينصب؟ عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك؟ عجبا لمن يرى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، {أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}طه14، محمدٌ عبدي ورسولي". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي وقال لي: :إني عُرِض عليّ أن تُجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب أجوع يوماً وأشبع يوما، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك". و"عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شبعا قط وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى وإنه ليظل جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به وأمسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع وأقول نفسي لك الفداء لو تبلّغت من الدنيا بما يقوتك فيقول: "يا عائشة مالي وللدنيا. إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم وما من شيء هو أحب إليّ من اللحوق بإخواني وأخلائي". قالت فما قام بعد إلا شهراً حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه هذا معنى ما قصده سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه من قوله بعد الجملة الأولى "فقُد بهذا الشأن همة القلب" إلى آخر ما قال. وأما قوله "وإياك أن تنظر حال تقشفك" إلى آخر الحكمة فإنه يسوق بذلك السالك إلى أدب الفتوة المعروف عند القوم وفي ذلك إشارة إلى ما وقع للشقيق البلخي رضي الله تعالى عنه فإنه سأل الإمام جعفرا الصادق رضوان الله عليه وسلامه، عن الفتوة فقال له الإمام: ما الفتوة عندكم؟ فقال شقيق: إن أُعطينا شكرنا وأن مُنعنا صبرنا. فقال جعفر الصادق رضي الله عنه والكلاب عندنا بالمدينة هكذا. فقال شقيق: يا ابن رسول الله فما الفتوة عندكم؟ فقال: أن أُعطينا آثرنا وإن مُنعنا شكرنا وصبرنا". فعلى هذا مَن تأدب بأدب أهل البيت المحمدي يرتفع قدره إلى مراتب أهل الوصلة المقربين من الله المحبين عنده وقد اشترط المؤلف رضي الله عنه بعد ذلك التجرد من رؤيا العمل وطمس حروف الأنانية التي هي بقية إبليس فإن إبليس لعنه الله قال في شأن آدم، {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين}الأعراف12. فقد نهى سيدنا المؤلف عن الاتصاف بصفة إبليس وأمر السالك بالتزام العبودية المحضة الخالصة التي هي سنة سيد المرسلين وإمام المقربين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أجمعين.
 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:36 pm


 

138- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "تعلق الناس اليوم بأهل الحرف والكيمياء والوحدة والشطح والدعوى العريضة. إياك ومقاربة مثل هؤلاء الناس فإنهم يقودون من اتَّبعهم إلى النار وغضب الجبار ويُدخلون في دين الله ما ليس منه. وهم من جلدتنا، إذا رأيتهم حسبتهم سادات الدعاة إلى الله تعالى. حسبك الله. إذا رأيت أحداً منهم قل: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْن}الزخرف38".
139- "جاهلٌ من أهل هذه الخرقة يُلحق يدك بيد القوم ويأمرك بذكر الله وملازمة الكتاب والسنة، خير من تلك الطائفة كلها. فِرَّ منهم كفِرارك من الأسد، كفِرارك من المجذوم".
140- "قال حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ". قلت: وما دَخَنُه؟ قال: "قوم يهدون بغير هدى، تعرف منهم وتُنكر". قلت: فهل بعد ذلك من شر؟ قال: "دعاة على أبواب جهنم مَن أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: "هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا أمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك". هذه وصية نبيك الأمين. سيدنا وسيد العالمين عليه صلوات الله وسلامه فاحفظها واعمل بها".
أراد بقوله "تعلق الناس اليوم بأهل الحرف والكيمياء" إلى آخر ما قال، ميل الناس ومحبتهم لأصحاب المذاهب الباطلة والأحوال الكاذبة وكل طريق تشم منه رائحة الدنيا والباطل الذي تألفه النفس. ولذلك بعد أن عدَّدَ هذه المذاهب حذر من مصاحبة أصحابها ونهى عن التقرب منهم وقال إنهم يقودون من اتَّبعهم إلى النار وعلة ذلك كونهم يُدخلون في دين الله ما ليس منه وذاك كالقول بأسرار الحروف والاشتغال بالكيمياء وأين هي؟ وقد صدق الشاعر بقوله:
صادُ الصديق وكاف الكيمياء معا

 لا يوجدان فدعْ عن نفسك الطمَعا

 
وكالقول بالوحدة التي خاض بها بعض المتصوفة فهووا والعياذ بالله وانحرفوا عن طريقة الله وشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكالشطح وهو التجاوز والتزحزح من محل إلى محل آخر وعلى اصطلاح الصوفية كلمات تصدر على لسان الرجل حالة غيبته فيتعالى بها على أمثاله وعلى مَن هو أعلى منه في مقامه وحاله. وكالدعوى العريضة التي هي رعونة نفس تنشأ من الغرور وخشونة الطبع وعدم الفهم والاطلاع على حقيقة البشرية. وبيَّن سيدنا المؤلف أن أصحاب هذا المشارب وأرباب هذه الطرق القبيحة والمذاهب من جلدتنا أي من النوع الإنساني المتزيِّين بزي العلماء والصلحاء بل إذا رأيتهم وشاهدت حسن أثوابهم ولطيف عباراتهم وغريب إشاراتهم وما كنت من أصحاب الفهم المنيع والعلم الوسيع تحسب أنهم من سادات الدعاة إلى الله ومن قادات المتمسكين بشريعة رسول الله. والحال هم بخلاف ظنك يكفيك الله ويحفظك منهم، إذا رأيت أحدهم تباعد عنه وأبغضه لله. ثم قل: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}. واعلم انك إذا ربطت يدك بيد جاهل من أهل خرقة القوم وكان منتهى إرشاده لك أن يأمرك بذكر الله وملازمة الكتاب والسنة فهو خير لك من تلك الطائفة الدساسة المتبجحة كلها وحرصاً على السالك قال له سيدنا المؤلف فر منهم أي من هؤلاء المتبجحين وأصحاب القول بالوحدة وأرباب الشطح المردود والدعوى الكاذبة كفرارك من الأسد والمجذوم لأن افتراس الأسد وتأثيره في تمزيق الجسد وسريان الجذام في جثة الرجل أهون من أن يتمزق دينه ويقع في ورطة الشرك بالله حمانا الله. ثم استشهد على ما قاله بحديث حذيفة رضي الله عنه وفي النص النبوي والحديث المحمدي كفاية لمن حفته من الله العناية.
 
141- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "وإياك والتعزز بالطريق، فإن ذلك من سوء الأدب مع الله والخَلق. وإنما بُني هذا الطريق على التذلل. فإن القوم ذلوا حتى أتاهم الله بعز على من عنده وافتقروا حتى أتاهم بغنى من فضله".
142- "واحذر صحبة الفِرقة التي دأبها تأويل كلمات الأكابر والتفكه بحكاياتهم وما نُسب إليهم، فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم وما كان ذلك إلا من عقاب الله للخلق لما جهلوا الحق وحرصوا على الخير فابتلاهم الله بأناس من ذوي الجراءة السفهاء فأدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تنزه مقام رسالته عليه الصلاة والسلام عنها، من المُرَغِّبة والمُرَهِّبة والغامضة والظاهرة وسلط الله أيضا أناساً من أهل البدعة والضلالة فكذبوا على القوم والرجال والأكابر وأدخلوا في كلامهم ما ليس منه فتبعهم البعض فألحقوا بالأخسرين أعمالاً".
143- "فعليك بالله. وتمسك للوصول إليه بذيل نبيه عليه الصلاة والسلام، والشرع الشريف نصب عينك، وجادة الإجماع ظاهرة لك".
144- "لا تُفارق الجماعة أهل السنة تلك الفرقة الناجية واعتصم بالله واترك ما دونه وقل في سرك، أي سيدي، قَولي:
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ
إذ صح منك الود فالكل هَيِّنٌ 

 وليتك ترضى والأنامُ غِضابُ
وبيني وبين العالمينَ خرابُ
وكل الذي فوق الترابِ ترابُ

145- "ولا تعمل عمل أهل الغلو فتعتقد العصمة في المشايخ أو تعتمد عليهم فيما بينك وبين ربك فإن الله غيور لا يحب أن يُدخل فيما آل إلى ذاته بينه وبين عبده أحداً".
146- "نعم هم أدِلاّء على الله. وسائل إلى طريقه يؤخذ عنهم حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}المائدة119، نتوسل إلى الله برضا الله عنهم. لا يُخزي الله عباده الذين أحبهم وهو أكرم الأكرمين".
 أراد سيدنا المؤلف رضي الله عنه بقوله "وإياك والتعزز" إلى آخر ما قال إرشاد المريد إلى ترك التعزز والتعالي على الخلق افتخاراً بعمله وترفعاً على الناس بمجرد كونه من أهل الطريق، ودلّه رضي الله عنه على أن هذا الخُلق من سوء الأدب مع الله والخلق وذلك لتعززه بعمل مجهول القبول ولسوء ظنه بالخَلق وقبح معاملته لهم برؤيا نفسه عليهم والحال أن هذا الطريق الذي عوَّل عليه وانتسب إليه بُني على التذلل لله والتواضع للخلق لأن القوم رضي الله عنهم ذلوا لله وألزموا أنفسهم البقاء على ذلك حتى أتاهم الله بعز عليٍّ من عنده لا من عند أنفسهم وافتقروا إلى الله متجردين من رؤية الحول والقوة حتى أتاهم بغنى من فضله لا من حَولهم ولا من طَولهم ثم حذر سيدنا المؤلف كل سالك خالص من صحبة الفرقة والطائفة التي جعلت دأبها وديدنها تأويل كلمات الأكابر التي نُقلت بالأسانيد الكاذبة عنهم كالشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة والقول بالوحدة وخرق بردة الشريعة بألفاظ لا يجوِّزها الظاهر وتفكهوا بمجرد حكاياتهم وما نُسب إليهم من الكرامات مع الانحراف عن طريقتهم الصحيحة والتباعد عن العمل بأخلاقهم المليحة والحال أن أكثر ما نسب إليهم من الأقوال الغامضة والكلمات المبطنة التي تحتاج للتأويل مكذوب عليهم وكان ذلك من عقاب الله للخلق لما أهملوا العلم وجهلوا الطريق الحق وحرصوا مع الجهل على الخير فابتلاهم الله عقابا لهم بأناس من ذوي الجراءة على الله، السفهاء، فأدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث موضوعة تنزه مقامه عليه الصلاة والسلام عنها وأدخلوا فيها من الكلمات المُرَغِّبة والمُرَهِّبة والأساليب والأعاجيب الغامضة والظاهرة وسلط الله أيضا أناساً من أهل البدعة والضلالة فتجرأوا كذبا وزوراً على طائفة القوم وأدخلوا في كلامهم تقليدا ما ليس منه فتبعهم البعض من الجهلاء الذين لا يميزون بين الحق والباطل فألحقوا {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً{104}(الكهف). ثم بعد ذلك أمر سيدنا المؤلفُ السالكَ بملازمة باب الله وبالتمسك بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم والتزام طريقة الإجماع وعدم مفارقة أهل السنة والجماعة بصحة التوكل على الله والرضا منه والتسليم له وتلا له أبياتاً من شعره المبارك أشار بها إلى الانقطاع إلى الله تعالى أولها "فليتك تحلو" إلى آخر الأبيات وقد تقدم ذكرها في الأصل. ثم نهى السالك عن عمل أهل الغلو الذين ينسبون التأثير في الأفعال للشيوخ ويعتقدون عصمتهم وبيَّن منزلة القوم وأنهم أدلاء على الله، وعنهم يؤخذ حال رسوله صلى الله عليه وسلم وأن الله لا يُخزي من توسل إلى الله بهم بشرط ترك الاعتماد على المخلوق أدباً مع الله فإن الله غيور.
 
مَن اعتصمَ بالله عُصِم ومن وقف مع الأغيار ندِم
 
وقد أحسن سيدنا المؤلف رضي الله عنه بيان هذه الحقيقة في كتابه (البرهان المؤيد) فقال: "إنكارُ بوارقُ الأرواح جهلٌ بمدد الفتاح، لا تعطيلَ لكلمة الله {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } (الأعراف196(. يتولى أمورهم وأمور مناديهم ومَن ينزل بناديهم، حالَ حياتهم وبعد مماتهم، بلحوق علمٍ منهم وبغير لحوق علمٍ منهم. العبدُ إذا كان راحماً يسترُ النائم، ولا يذكرُ له ذلك، يوصل الخيرَ إلى الفقير، ولا يعرفه الخبر.
 
اللهُ الرحمن، الرحيم، العظيم، الكريم، ينتصرُ لعبده الوليّ من حيث لا يدري، يرزقه من حيث لا يحتسب، تعصمه جبال عنايته من ماء غرق الأكدار والاقتدار، تدفع عنه وعن محبيه الأقدار بالأقدار، لا به، ولكن له التنزلات المحكمة، {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } (النجم58 )، مَن اعتصمَ بالله عُصِم ومن وقف مع الأغيار ندِم.
 
   قال سيدي الشيخ منصورُ الرباني رضي الله عنه، الاعتصامُ بالله ثقتك به، وتنزيه خواطرك عن غيره.
   القومُ أرشدونا، دلّونا على الطريق، كشفوا لنا حجاب الإغلاق عن خزائن درر الكتاب والسنة، عرفونا حكمة الأدب مع الله ورسوله. همُ القومُ لا يشقى جليسهم. مَن آمن بالله وعرف شأن رسوله صلى الله عليه وسلم أحبهم واتبعهم.
 
   أي سادة، القومُ بايعوا الله بصدق النيات، وخالص الطويات، على كثرة المجاهدات، وملازمة المراقبات والطاعات، والصبر على جميع المكروهات. وقال سبحانه وتعالى فيهم {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} (الأحزاب23 ). بادَروا ركوب العزائم بالعزم، وقوة الحزم. فهجروا المنام، وتركوا الشراب والطعام، وقاموا لله بالخدمة في حنادس  الليل والظلام، وخدموا بالخشوع والسهر والقيام، والركوع والسجود والصيام، وتململوا في محاربيهم بين يدي محبوبهم، لنيل مطلوبهم، حتى وصلوا إلى مقام القُرب ومحل الأنس، وظهر لهم سرَّ قوله تعالى {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} (الكهف30)، فأعطاهم الدرجة العليا، والمحل الأدنى .ولا ريب، فالقريبُ من القريبِ قريب، والمُحب عند أحبابِ الحبيب حبيب، حبيبٌ لهم، حبيب لمحبيهم، محبوبٌ عند الله، ترفعه بركة محبته إلى درجة المحبوبية، ما شاء الله كان".
 
147- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "اترك الفضول وانقطع عن العمل بالرأي. وإذا أدركك زمان رأيت الناس فيه على ما قلناه فاعتزل الناس فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا رأيت شُحاً مُطاعاً وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك".
148- "تخلق بخُلق نبيك، كن ليِّن العريكة حَسَن الخُلق عظيم الحلم وفير العفو صادق الحديث سخي الكف رقيق القلب دائم البشر كثير الاحتمال والإغضاء صحيح التواضع مُراعياً للخَلق راعياً حق الصُحبة متواصل الأحزان دائم الفكرة كثير الذكر طويل السكوت صبوراً على المكاره متكلاً على الله منتصراً بالله محباً للفقراء والضعفاء غضوباً لله إذا انتهكت محارم الله".
149- "كـُلْ ما وجدتَ ولا تتكلف لما فقدت ولا تأكل متكئاً والبس خَشِن الثياب كي يقتدي بك الأغنياء ولا تُحزن لجديد ثيابك قلوبَ الفقراء وتختَّم بالعقيق ونَم على فراش حُشي بالليف أو على الحصير أو على الأرض، قائما بسُنة نبيك صلى الله عليه وسلم في الحركات والسكنات والأفعال والأقوال والأحوال".
ؤ- "حَسِّن الحَسَن وقبِّح القبيح ولا تجلس ولا تقوم إلا على ذكر وليكن مجلسك مجلس حِلم وعلم وتقوى وحياء وأمانة، وجليسك الفقير ومؤاكلك المسكين".
151- "ولا تكن سَخّاباً ولا فحّاشاً ولا تذم أحداً ولا تتكلم إلا فيما ترجو ثوابه وأعط كل جليس لك نصيبه ولا تدَّخر عن الناس".
152- "واحذر الناس واحترس منهم ولا تطو عن أحد منهم بِشْرَكَ ولا تشافه أحداً بما يكره".
153- "وصُن لسانك وسماعك عن الكلام القبيح، ولا تنهر الخادم ولا ترد مَن سألك حاجة إلا بها أو بما يسُرُّ من القول".
154- "وإذا خُيِّرت بين أمرين فاختر أيسرهما ما لم يكن مأثماً".
155- "وأجب دعوة الداعي وتفقَّد أصحابك وإخوانك واعف عمّن ظلمك ولا تقابل على السيئة بالسيئة وقُم الليل باكيا في الباب وطب بالله وحده، {وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّا}النساء45".
 
[ltr] أراد بقوله رضي الله عنه "اترك الفضول" إلى آخر الجملة ترك الإسراف في المأكل والمشرب وغير ذلك مما اعتاده البشر كالكلام والضحك وما أشبه ذلك قال تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوا}الأعراف31. ومما يدل على الإيجاز في الكلام وإقلاله ما هو مروى عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا قال: "اقصر الخُطبة وأقِلّ الكلام فإن من الكلام لسِحراً ونبّه سيدنا المؤلف على عدم العمل بالرأي وهو عندهم اتِّباع ما طاب للنفس وحَسُن عندها وإن خالف المشروع. ويؤيد ذلك حديث "إذا رأيت شُحاً مُطاعاً" إلى آخره. [/ltr]
تخلق بخلق نبيك
 
[ltr]وحرصاً على اتِّباع المشروع وترك الهوى والرأي قال سيدنا المؤلف للسالك "تخلق بخُلق نبيك" أي السيد العظيم علة المخلوقين وسيد ولد آدم أجمعين سيدنا ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال بعد قوله "تخلق بخلق نبيك"، "كن لين العريكة" إلى آخر ما قال، إفادة ذلك أن كل ما ذكره كان من أخلاقه عليه الصلاة والسلام فقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان ليِّن العريكة حسن الخلق بل أحسن الناس خُلقاً وكان حسن العشرة كثير الأدب سخي الكف. قال البخاري: "ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال لا". وقال ابن عباس: "كان صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة". وعن أنس رضي الله تعالى عنه: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى بلده وقال: أسلِموا أسلِموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة". وأعطى غير واحد مائة من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة. وهذه كانت حاله صلى الله عليه وسلم. وقد رد على هوازن سباياها وكانوا ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله. وحُمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلاً حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله فقال: "ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ فإذا جاءنا شيء قضيناه"، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لم تقدر عليه، فكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسّم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعُرف البشر في وجهه وقال: "بهذا أُمِرت". قال أنس: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يدخر شيئاً لغد". والأخبار الواردة في ما له صلى الله تعالى عليه وسلم من الجود والكرم مشهورة عند العرب والعجم معروفة عند سائر الأمم وقد عقدتُ لها باباً مختصراً في كتابي (ضوء الشمس) وأما عفوه واحتماله صلى الله عليه وسلم وصبره وما كان عليه من علو الجانب وقبول عذر المعتذر فقد بلغ المنتهى الذي لا يُطال والموقع الذي لا يُنال وقد كان يقابل المُسيء بالإحسان وإذا صدر من قوم في شأنه عليه الصلاة والسلام حالٌ لا يناسب جليل قدره وعظم مقامه الكريم يقول عافياً، عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". قال القاضي أبو فضل رحمه الله تعالى: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحُسن الخُلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم إذ لم يقتصر صلى الله تعالى عليه تعالى وسلم على السكوت عنهم حتى سامح وعفا ولم يقابلهم بالجفاء ثم لم يكتف بذلك حتى منحهم بمحض الجود والعناية فدعا لهم بالمغفرة أو الهداية فقال: "اللهم اغفر"، وفي رواية "اللهم أهدِ" وبيَّن انتسابهم إليه وخصوصيتهم لديه فقال "قومي" ولم يكتف بجميع ذلك حتى أتى عنهم بالاعتذار رجاء عدم المؤاخذة على ما صنعوه من الأوزار فقال "إنهم لا يعلمون". وكان صلى الله عليه وسلم صحيح التواضع مراعياً للخلق أبرء الناس من الكبر وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالتواضع في أحاديث كثيرة من قوله عليه الصلاة والسلام: "تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبراء الله تعالى وتخرجوا من الكِبر". قال العلامة المُناوي في قوله "تكونوا من كبراء الله تعالى" أي الكبراء عنده. وصح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد". ويكفيه خطاب الله تعالى له: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }القلم4. وكان صلى الله عليه وسلم مُتكلاً على الله منتصرا به وجيء له برجل فقيل له: هذا أراد أن يقتلك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم للرجل: "لن تُراع لن تُراع ولو أردتَ ذلك لم تُسلَّط عليّ". وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظُلمها قط ما لم تكن حُرمة من محارم الله تعالى"، و"ما ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى وما ضرب خادماً ولا امرأة". ومما لخصته من كتب السنة ما مَنَّ الله علي بكتابته في كتابي (حضرة الإطلاق في مكارم الأخلاق) وهو: "قال الجهابذة من أكابر هذا الدين رضي الله عنهم أجمعين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسع الناس عقلاً وأحسنهم خلقاً وأكرمهم طبعا وأوفرهم علماً وأزيدهم زهداً وأشدّهم في الله وأغيرهم على دين الله وأعبدهم لله وأعفهم وأبعدهم عن مواضع الريب وكان أشد الناس تواضعاً وأقنع الناس وأكثر الخَلق حياء وكان إذا وعظ الناس لا يُصرِّح باسم أحد خشية أن يُخجله وإنما يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا". وكان يؤاكل الفقراء والمساكين ويفلي لهم ثيابهم ويلبس ما وجد ويأكل ما وجد ويكرم أهل الفضل على اختلاف طبقاتهم ويكرم أقاربه وأرحامه ولا يقدّمهم على من هو أفضل منهم ولا يجفو على أحد بقول ولا فعل ويغضب لله ويرضى لله وإذا غضب لا يقاوم غضبه أحد ولا يؤاخذ مَن أساء ولا يجزي بالسيئة السيئة ويحب العفو والصفح ويخرج إلى بساتين أصحابه فيأكل منها ويحتطب ثم يحمل الحطب إلى بيته وكان عليه الصلاة والسلام يقبل عذر المعتذر ويمزح مع الصبيان والنساء ولا يقول إلا حقا وكان لا يرتفع على خدمِهِ في مأكل ولا ملبس بل يأكل هو وإياهم ف إناء واحد ويُلبسهم مثله. وكان لا يحقِّر مسكيناً لفقره ولا يهاب ملكاً لملكه يدعو هذا وهذا إلى الله عزَّ وجلّ دعاء واحداً. وكان أرحم الخَلق بالخلق وكان إذا دعا الخادم ولم يُجبه قال له "لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا السواك". وكان عليه الصلاة والسلام هيِّناً ليناً ليس بفظٍ ولا غليظ رحيما بالخَلق وقد تُرفع عليه الأصوات بالكلام الجافي فيحتمله وإذا سئل أن يدعو على أحد عدل عن الدعاء عليه ودعا له وما ضرب بيده قط امرأة ولا خادماً ولا غيرهما. وكان لا يدعوه صلى الله عليه وسلم أحد حراً كان أو عبداً إلا وقام معه في حاجته جبراً لخاطره. وكان صلى الله عليه وسلم يجلس حيث انتهى به المجلس وكان يجلس متوجهاً إلى القبلة ويقول "إنه سيد المجالس". وكان يكرم كل داخل عليه ويؤثره بالوسادة التي تكون تحته وكان أكثر الناس تبسماً وكان متواصل الأحزان وكان حزنه لله خوفاً من الله لا لغرض من أغراض الأكوان وكان أعدل الناس يدور مع الحق حيث دار لا تأخذه في الله لومة لائم يصل لله ويقطع لله ويحب لله ويبغض لله ويقف عند حدود الله وينتصر لله ولا يعمل عملاً إلا لله ويرى الحر والعبد والقريب والبعيد في الله سواء يحب الفقراء والمساكين ويحنو عليهم ويسلم في طريقه على الصبيان وكان يلاعب الحسن والحسين وربما أركبهما على ظهره صلى الله عليه وسلم ويمشي بهما على يديه ورجليه ويقول: "نِعم الجمل جملكما ونعم العِدلان أنتما". وكان يبش في وجه جليسه ويعطي كل جليس حظه من البشاشة حتى يظن ذلك الجليس أنه أكرم جلاسه عليه وأحبهم إليه. وماذا نبسط من أخلاقه الشريفة المحمدية وخُلقه القرآن وقد وسع بخلقه الكريم العظيم الإنس والجان:[/ltr]
فبالِغ وأكثِر أن تحيط بوصفهِ

 
وأين الثريا من يد المتناولِ

وقد علم كل ذي فهم من أرباب الخبرة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، العالِمين بسُنته السَنية أنه كان يلبس الخشن من الثياب ويتختم بالعقيق وينام على فراش حُشي بالليف وربما نام على الحصير صلى الله عليه وسلم ولا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر وإذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما. فإذن ما ساق إليه سيدنا المؤلف وحث عليه كله من سنة النبي المعظم صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن الواصلين إلى الله أحرزوا شرف الوصول ببركة اتِّباع هذا الرسول المقبول قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه}آل عمران31. وقال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وعن عطاء في قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُول}النساء59. أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف لا وهو عليه الصلاة والسلام بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكان آخر كلامه من الدنيا "جلال ربي الرفيع فقد بلّغت". ثم قضى، أرواحنا له الفداء. فمن أراد الله به الخير في الدارين وفقه للتخلق بأخلاق نبيه سيد الكونين جعلنا الله من المتمكنين في اتِّباعه ومن أخص المعدودين من خواص أتباعه. آمين.
 
156- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه: من شهد في نفسه الضعف نال الاستقامة. وقال: أركان المروة أربعة: حُسْنُ الخُلق والتواضع والسخاء ومخالفة النفس. وقال: التواضع يورث المحبة والقناعة تورث الراحة. وقال: الكيِّس العاقل: الفطن المتغافل. وقال: إنما العلم ما نفع".
157- "فاشهد نفسك بالضعف والفقر تستقم وشيِّد أركان المروءة تُحسب من أهلها وتواضع واقنع تصر محبوباً مستريحاً، وتغافل تكن كيِّسا".
158- "وخذ من العلم ما ينفعك إذا أقبلت على ربك فإن دنياك خيال وكلها زوال والله محوِّل الأحوال.
يا أيها المعدود أنفاسهُ
لا بد من يوم بلا ليلهِ

 
لا بدَّ يوماً أن يتم العددْ
وليلةٍ تأتي بلا يومِ غَدْ

159- "إن الله طوى أولياءه في بُرد ستره تحت قبابه وحجبهم عن غيره لا يعرفهم إلا هو، وهذا إلزام بحُسن الظن في الخَلق. فإياك وسوء الظن بأحد إلا إذا قامت لك عليه حُجة شرعية، فراعِ شرع الله من دون انتصار إلى نفسك آخذاً بالإخلاص، متجرداً من غرض نفسك ومرض قلبك وقبِّح ما قبّحة الشرع، وحسِّن ما حسّنه الشرع، ولا يكن قولك وفعلك إلا لله".
 160- "وإذا لم تقم لك حُجة شرعية على الرجل لا تأخذ الخلق أو تؤاخذهم بالشبهات. عليك بحسن الظن فإن لله مع الخلق مُضمرات أسرار يغار عليها لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى".
161- "{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}البقرة148. فلتكن وجهتك المحجة البيضاء، شريعة سيد الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا}الفرقان31".
 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:39 pm


قال إمامنا الشافعي"، إمام مذهبه، أحد الأئمة الأربعة المجتهدين ناصر السنة والدين محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وشافع الذي نسب إليه الشافعي لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأبوه السائب أسلم يوم بدر، كان يوم بدر صاحب راية بني هاشم التي كان يقال لها العقاب وكان لا يحملها إلا رئيس القوم فإن لم يكن حاضراً حملها رئيس مثله وكانت لأبي سفيان ولغيبة أبي سفيان في العير حملها السائب لاستجماعه أوصاف الرئاسة وأُسر في ذلك اليوم وفدى نفسه ثم أسلم رضي الله عنه. وأم الإمام الشافعي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ولد رضي الله تعالى عنه بغزة سنة خمسين ومائة على الأصح ثم حُمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها رضي الله عنه، فلما سلّمه أهله إلى المعلم ما كانوا يجدون أجرة المعلم فكان المعلم يقصِّر في تعليمه لكن كلما علم المعلم صبيا شيئاً تعلم الإمام الشافعي ذلك الشيء بمجرد سماعه له. وأتقن القرآن لسبع سنين وتفقه في أول أمره على مسلم بن خالد مفتي مكة وأذن له مسلم المذكور بالإفتاء والتدريس وهو ابن خمس عشرة سنة وحفظ الموطأ للإمام مالك في تسع ليال وهو ابن عشر سنين. وكان رضي الله عنه إمام الدنيا وعالم الأرض شرقاً وغرباً جمع الله له من العلوم والمفاخر والمناقب والمآثر ما لم يُجمع لإمام آخر وانتشر له من الذكر والعلم والفضل الباهر ما لم ينتشر لأحد سواه وبسبب ذلك حُمل عليه حديث: "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً". وبحمل هذا الحديث الشريف عليه قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الدين رضي الله عنهم. وكان الإمام أحمد المشار إليه يقول ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي وفضائل الإمام الشافعي أكثر من أن تحصى وقد أفردوا لها التآليف الكثيرة وممن أفرد فضائله بالتآليف الأستاذ أبي منصور البغدادي والحاكم والأصفهاني والبيهقي والإمام داود الظاهري والإمام الرازي والإمام الخطيب البغدادي والدارقطني وإمام الحرمين والزمخشري والسبكي والحجة القدوة ابن حجر وخلائق كثيرون ما بين متقدم ومتأخر. وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما أعلم أحدا أعظم مِنّة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي. وقال في شأنه أيضا: كان الشافعي كالشمس في النهار وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خَلَف أو عنهما عوض. توفي رضي الله عنه يوم الجمعة بعد العصر سلخ رجب سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة ودفن في قرافة مصر في قبته المشهورة رضي الله عنه. نقل عنه سيدنا المؤلف ما تقدم ذكره من الحث على الاستقامة وإنها لا تحصل للعبد إلا إذا شهد في نفسه الضعف. وإن أركان المروة حسن الخلق والتواضع والسخاء ومخالفة النفس. وإن التواضع يورث المحبة والقناعة تورث الراحة. وإن الكيس العاقل الفطن المتغافل، وكيف لا يكون كما نقل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حُسن الخُلق نصف الدين". وقال عليه الصلاة والسلام: "حُسن الملكة يُمنٌ وسوء الخُلق شؤم"، وقال: "التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة" الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام: "السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار" الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام: "القناعة مالٌ لا ينفد". وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يسكت تغافلاً لا غفلة عن أشياء لا يضر السكوت عنها ديناً. وحسن في هذا المعنى قول الشاعر:
ليس الغبي بسيدٍ في قومه

 لكن سيد قومه المُتغابي

[ltr]وقد أحسن سيدنا المؤلف بعد أن نقل عن الإمام الشافعي ما نقل وأتقن عبارته وزيَّن إشارته فقال "خذ من العلم ما ينفعك إذا اقبلت على ربك فإن دنياك خيال" إلى آخر ما قال فقد أتى رضي الله عنه بنصيحة جده النبي المكرم صلى الله عليه وسلم فإنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة". فعلى هذا لزم على من طلب العلم أن يتعلم علم الآخرة الباقية قبل اشتغاله بعلم الدنيا الفانية لأن الدنيا خيال وكلها زوال وحسن ما أورده سيدنا المؤلف في كتابه (البرهان) من الحث على ترك الدنيا وبيان حقيقتها وحال المرء فيها بما نصه: "إذا طُبعت مرآة بصيرة القلب بتراكم صدأ الغفلة عن الرب، توارت وجوه الحقائق عن بواطن الإفهام، وامتنع عنها إنفاذ نور الإلهام، فأظلم وجه البيان بتصاعد أبخرة الخيالات، وغمامات الأوهام. ما يغني الشمس  عن المكفوف مع كمال إشراقها، وماله عيون تقبل منه نورها وبرهانها، وما يجدي فرط الإشراق مع ضعف الأحداق؟ نحن في موقف إشراق شمس القدرة، وعيون أفهامنا ضعيفة، وبغمامات الغفلة محتجبة، فما لنا عيون تصلح لرؤية ذلك الجمال، ولا قلوب تحمل مهابة تلك العظمة وعزة ذلك الجلال . كلنا تجري بنا سبل الفناء وتقذفنا في أغوار غاياتنا المغيبة عنا المحجوبة دوننا. كلنا تجري سفن المنايا برياح حرصنا وشراع أطماعنا في بحار آمالنا وتقذفنا في لجج آجالنا، وهمومنا موكلة بقضاء مهماتنا عن عاجل أمورنا، وأيدي الحوادث تتلاعب بنا وهواتف الفناء تزعجنا :[/ltr]
[ltr]الناس في غفلاتهم ... ورحى المنية تطحنُ [/ltr]
ما دون دائرة الرحى ... حِصنٌ لمن يتحصنُ
كل يوم ينادي ملك الموت من بين أيدينا ومن خلفنا {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ}(النساء78)، وظلمات أجداثنا(1) تنتظر ولوج أجسادنا، ونحن غرقى في غمرة غفلاتنا وسكرة شهواتنا. فيا أيها العاقل، إلى متى تصرف نفسك عن طريق النجاة إلى سبيل المعاطب والمهلكات وتصرفها عن فسحة الطاعات إلى مضايق المخالفات وتعرضها لما بين يديها وتسقيها من كؤوس الخطيئات وأدناس السيئات وتوردها موارد الفتن والآفات؟ أي أخي، العمر قصير والناقد بصير وإلى الله المصير.
        وقد نبه سيدنا المؤلف في بقية ما أوردناه من جُمَل حكمه المباركة أن الله طوى أولياءه في بُرد ستره تحت قبابه يشير بذلك إلى الحديث القدسي وهو: "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري". وأوضح أن القصد من ستر الأولياء وكتمهم وإخفائهم تحت قباب العناية الربانية إنما هو إلزام كل أحد من الناس المشَرَّفين باتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم الداخلين في أعداد أمته المباركة بحسن الظن في بقية إخوانه المسلمين. وحذر سيدنا المؤلف من سوء الظن بالناس لقوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم}الحجرات12. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ها هنا"، كررها ثلاثا وأشار إلى صدره صلى الله عليه وسلم. وقيَّد المؤلف رضي الله عنه موافقة الظن بقيام حُجة شرعية ظاهرة تقوم على الرجل وشرط لها مراعاة شرع الله مع التجرد من غرض النفس ومرض القلب وأمر بعدم أخذ الخَلق ومؤاخذتهم بالشبهات أدباً مع الله في خلقه وعملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأنْ يخطئ في العفو خير من أن يخطي في العقوبة".
 
162- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "أبى العقل إلا إعقال ما بلغه بواسطة الفهم، وأبى القلب إلا الترقي إلى ما فوق الفهم، فاجعل همتك قلبية وحكمتك عقلية، تفلح".
163- "في الكف عِرق متصل بالقلب إذا أُخذ به شيء من الدنيا تسري آفتها إلى القلب وهذه آفة عظيمة مخفية لا يطلع عليها الخلائق".
164- "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الدنيا رأس كل خطيئة". ازهد في الدنيا وتباعد عن لذائذها".
165- "وإياك ونوم الليل كالدابة فإن لله في الليل تجليات ونفحات يغتنمها أهل القيام ويُحرم ثمرتها أهل التلذذ بالمنام".
166- "قل للمغرور بأمنه المتلذذ بنومه المشغول القلب عن ربه:
يا نؤوم الليل في لذته
ليس ينساك وإن نسيته
إن ذا الدهر سريعٌ مكرُهُ
أوثقَ الناسِ به في أمنهِ

 إن هذا النوم رهنٌ بسَهَرْ
طالعُ الدهر وتصريفُ الغِيَرْ
إن علا حطَّ وإن أوفى غَدَرْ
خائفٌ يقرعُ أبوابَ الحَذَرْ

167- "المشاهدة حضور بمعنى قربٌ مقرون بعلم اليقين، وحق اليقين. فمن حماه الله من البعد والغفلة وتقرب إلى الله بعلم اليقين، وحق اليقين بمعنى "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فقد دخل حضرة الشهود وهي هذه لا غير. وإلا فالمشاهدة لغة لا تصح لمخلوق في هذه الدار وحسبك قصة موسى عليه الصلاة والسلام".
168- "حضرة المشاهدة لغة ومعنى حضرة اختص بها صاحب قاب قوسين بالقلب والعين. والاختلاف فيها معلوم. واختصاصه بها عند أهل الله مجزوم".
169- "فأدِّب نفسك بالتقرب إليه تعالى بما يرضيه تُحسب من أهل تلك الحضرة بنص "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل". الحديث.
170- "هدى الله هو الهدى وكفى بالله وليا".
 أشار سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه بأول جملة من حكمه التي نصت آنفا إلى أن العقل لا يتقيد في كل ما يبلغه إلا إذا عقل بواسطة فهمه نتيجة ما بلغه، والقلب دأبه الترقي إلى ما فوق الفهم فإن رُسُل القلب تتطلع إلى حظائر القدس وتطلب العوالم المغيَّبة عن الأبصار. فمن ثم ألزم السالك أن يجعل همته في الطلب مُستمَدة من حال القلب وحكمته في أثناء السير عقلية لا تتجاوز المعقول قولا ولا فعلا. ثم أوضح أن في الكف عِرقا متصلا بالقلب متى اعتاد الكف أخْذ شيء من الدنيا سرت آفة حب الدنيا إلى القلب فجعلته مستغرقا في طلب الدنيا مُعرضا، حمانا الله عن طلب الحق وفي ذلك من الأخطار والبليات والمحن ما لا يُحصى وذلك مؤيد بحديث: "حب الدنيا رأس كل خطيئة". و"ألزم بعد هذه النصيحة بالزهد ولا يخفى أن الزهد من أشرف الأخلاق المقربة إلى الله والناس بشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس".
فضل قيام الليل
ثم حذر من نوم الليل وأمر باغتنام ثمرة القيام فيه ولا يخفى ما في قيام الليل من البركات. وقد عقدتُ بفضل الله لقيام الليل بابا مستطيلا في كتابي (ضوء الشمس) تضمّن جُملا من الأحاديث النبوية والآيات المعظمة القرآنية مع بعض شواهد لطيفة من كلمات القوم الكرام رضي الله عنهم قلت فيه:
"واعلم أن قيام الليل من أحسن القربات وأعظم العبادات ولذلك كان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يدع قيام الليل وكان إذا مرض صلى قاعداً وكان يحث أصحابه على قيام الليل ويقول: "لا تدَعوا قيام الليل ولو حلب ناقة أو شاة". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول طول القنوت يخفف سكرات الموت وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "قيام الليل  فريضة على قارئ القرآن". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، "وجوف الليل الأخير أفضل وهو أقرب ما يكون الرب من العبد فإن استطاع أحدكم أن يكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فليكن". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "عليكم بقيام الليل فإنه من دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومنهاة عن الآثام وتكفير للسيئات ومطردة الداء عن الجسد". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "عليكم بقيام الليل ولو ركعة". وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "قالت أم سليمان بن داود عليهما السلام: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة". وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود كذب من ادَّعى محبتي فإذا جَنَّ الليلُ نام عني وإذا جن الليل بظلامه يقول الله تعالى: يا جبريل حرِّك أشجار المعاملة فإذا حرّكها قامت القلوب على باب المحبوب". قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم قد كثرت خطاياك. وقال الحسن رضي الله تعالى عنه: إن الرجل ليُحرم قيام الليل بذنب وقع منه. وقال سفيان الثوري: حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب واحد قيل ما هو؟ قال: رأيت رجلا يبكي فقلت هذا مراء. ولقد أحسن مَن قال:
[ltr]أراني بعيد الدار لا أقرب الحِمى
علامة طردي طول ليلى نائمٌ

[/ltr]
 
وقد نُصبت للساهرين خيامُ
وغيري يرى أن المنام حرامُ

ومن لطائف ما يُحكى أن أبا يزيد البسطامي لما كان صغيرا أرسله أبوه إلى المكتب فكان يقرأ حتى وصل إلى سورة المزمل وقرأ:  {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً}،{المزمل،2-1}. قال لأبيه: مَن هذا الذي أمره الله بقيام الليل؟ فقال: يا بني هذا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: فلم لا تفعل كما فعل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال: ذاك أمر شرف الله به محمدا.ً فلما قرأ: {وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَك}المزمل20، قال: يا أبت مَن هؤلاء الطائفة؟ فقال له: هؤلاء أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال: ولِمَ لَم تفعل كما فعل أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال: يا بني قوّاهم الله على قيام الليل. فقال: يا أبت لا خير في مَن لا يقتدي بمحمد وأصحابه فصار أبوه يصلي قيام الليل. فقال: يا أبي علمني صلاة الليل. قال: يا بني أنت صغير. فقال: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة وأمر بأصحاب قيام الليل إلى الجنة أقول: يا رب أردت الصلاة بالليل فمنعني أبي. فقال: يا بني قم الليل. وبلغنا عن سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول:
تعود سهر الليل
ولا تركن إلى الذنبِ
وقم للواحد الفردِ
إذا جنَّهم الليلُ
ينام الغافل الساهي

 
فإن النوم خُسرانُ
فعقبي الذنب نيرانُ
فللقرآن خِلانُ
فهم في الليل رُهبانُ
وما في القوم وسنانُ

ويلهو المُعرِض اللاهي
فما يُلهيهمُ رَبعٌ
هُمُ والله فتيانٌ

 
وعند القوم أحزانُ
ولا أهلٌ وخلانُ
إذا ما قيلَ فتيانُ

 
معنى المشاهدة عند القوم
ثم عرّف سيدنا المؤلف رضي الله عنه المشاهدة التي عناها القوم أنها حضور بمعنى قرب مقرون بعلم اليقين وأن دخول حضرة الشهود يكون بعبادة تستجمع معنى "اعبد الله كأنك تراه" الحديث. وأوضح أن مشاهدة القوم عبارة عن هذا المقدار لا غير وإلا فالمشاهدة اللغوية التي هي رؤية لا تصح لمخلوق في هذه الدار واستشهد بقصة موسى عليه الصلاة والسلام وهي حين طلب رؤيا ربه بما ورد على لسانه في القرآن العظيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين}الأعراف143. قال المفسرون رضي الله عنهم:  {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْك} أي اجعلني متمكنا من الرؤية التي هي الإدراك. {قَالَ لَن تَرَانِي} وذلك لتعاليه سبحانه وتعالى وسمو صفاته عن أن تدركه الأبصار. وقال: {وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَل} أي انظر إلى الجبل كيف أفعل به وكيف أجعله دكا بسبب طلبك الرؤية لتستعظم ما أقدمت عليه {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} وبقي ثابتا {فَسَوْفَ تَرَانِي} تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه {فَلَمَّا} ظهر للجبل أمر الله وجلال قدرته {جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى} من هول ما رأى {صَعِقا} أي مغشيا عليه غشية كالموت {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} من طلب الرؤية {وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } بأنك لست بمرئي ولا مُدرَك بشيء من الحواس. وبيَّن سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه بعد استشهاده بقصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام أن حضرة المشاهدة لغة حضرة اختص بها صاحب قاب قوسين يعني سيد الكونين وعلة الخافقين وقرة كل قلب وعين صلى الله عليه وسلم. ثم قال الاختلاف فيها أي في المشاهدة التي هي الرؤية معلوم عند أصحاب الذكر العالِمين بالسُنة وأحكامها واختصاصه يعني النبي صلى الله عليه وسلم بها أي رؤية الله تعالى قلبا وعينا عند أهل الله مجزوم لا ريب فيه والخلاف الذي وقع إنما هو على قول عائشة الصديقة رضي الله عنها أن الرؤية كانت بعين القلب واستدلت بقوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى }النجم11. واستدل ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما على الرؤية بالعين بقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}النجم. وعلى ذلك جماعة من أعيان الصحابة وأهل البيت كلهم على هذا القول أيضا وهو الذي صح عند أهل الله رضي الله عنهم أجمعين. ثم حث سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه على العمل بالنوافل وبيَّن أن العمل بالنوافل يُدخل العبد في أصحاب حضرة القرب مستدلا بالحديث القدسي وهو "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به"، إلى آخره.
 
171- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "مَن تمشيخ عليك فتتلمذ له، ومَن مَدَّ لك يده لتقبِّلها فقبِّل رجله، وكن آخر شعرة في الذنَب، فإن الضربة أول ما تقع في الرأس".
172- "إذا بغي عليك ظالم وانقطعت حيلتك عند دفاعه، فاعلم أنك حينئذ وصلتَ بطبعك إلى صحة الالتجاء إلى الله تعالى. فاصرف وجهة قلبك عن غيره، وأسقط مرادك في بابه، واترك الأمر إليه تنصرف لك مادة المدد، فتفعل لك ما لا يخطر ببالك، وهذا سر التسليم وصدق الالتجاء إلى الله".
173- "وإن ارتفعت همتك إلى الرضا بالقدر كما وقع للإمام موسى الكاظم سلام الله عليه ورضوانه حين اعتقله الرشيد غفر الله له وحمله من المدينة إلى بغداد مقيَّدا وحبسه فبقي في حبسه فلم يُفرج عنه حتى مات رضي الله عنه. وأُخرج ميتا مسموماً وقيده فيه. وما انحرف عن قبلة الرضا حتى مات راضيا عن الله".
174- "فتلك مرتبة الفوز العظيم التي درجت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب}الزمر10".
175- "وقد اندرج أئمة أهل البيت عليهم سلام الله ورضوانه على الرضا الخالص مع قوة الكرامة ورفعة القدَر عند الله".
176- "فقد صَحَّ أن عبد الملك بن مروان الأموي حمل الإمام علياً زين العابدين سلام الله عليه ورضوانه من المدينة مقيدا مغلولاً في أثقل قيود، وأغلظ أغلال فدخل عليه الزُّهري يودعه فبكى وقال: وددت أني مكانك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: تظن أن ذلك يكربني؟ لو شئتُ لما كان، وأنه ليذكرني عذاب الله تعالى. ثم أخرج يديه ورجليه من القيد، ثم أعادها. فعلم الزهري رحمه الله أن الإمام حلَّ منزلة الرضا، ووصل مقام التسليم المحض، ودخل حضرة الفوز العظيم فطاب صدره وسلا حزنه".
177- "فزِن نفسك فإن قدرت على المرتبة العليا وهي رتبة الرضا فافعل وإلا فانزل إلى المرتبة الثانية التي هي مرتبة صدق الالتجاء إلى الله مع قطع النظر عن تدبيرك وحولك وقوتك وكلك وجزئك وهو تعالى يفعل بك بنصره وقدرته فوق إرادتك وتدبيرك: {وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرا}النساء45".
178- "إذا هرعتَ إلى الله والتجأتَ إليه فاجعل وسيلتك حبيبه صلى الله عليه وسلم. صلِّ عليه وسلم تسليماً وأكثِر من الصلاة والسلام عليه مهما أمكنك. وقِف في باب الله بالعمل بسنته عليه الصلاة والسلام واسأل الله سبحانه معتمدا عليه تعالى، مستعينا به متوكلا عليه".
179- "وإذا أُغلقت عليك الأبواب فترقب من الفتاح فتح الباب فما سد الخَلق طريقاً إلا وفتحه الخالق انفراداً بربوبيته، وتعززاً بألوهيته فلا تقنط من رحمته، ولا تيأس من رَوحه وعليك به {وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّا}النساء45.
 
 أمر سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه السالك بالانخفاض وترك الترفع وهجر دعوى التشيّخ والترئس وبين أن الضربة أول ما تقع في الرأس وأرشد السالك إلى سر لطيف يكفيه عن الجند والجيش والأسلحة إذا غالبه مغالب أو بغى عليه ظالم وانقطعت حيلته حين نزاعه وعند دفاعه وهو أن يصرف وجهة القلب عن غير الله وأن يُسقط مراده في باب الله مع ترك الأمر وإسقاط التدبير وإسقاط الحول والقوة لصدق الالتجاء إلى الله تعالى وهنالك تنصرف وتتوجه لنصرته نتيجة العون الإلهي فتفعل له من الإغاثة والنصرة والانتقام من ظالمه ما لا يخطر له ببال. ثم قال للسالك "وإن ارتفعت همتك إلى الرضا بالقدَر كما وقع للإمام موسى الكاظم سلام الله عليه ورضوانه"، وذكر قصته مع الرشيد وأردفها بقصة الإمام علي زين العابدين سلام الله عليه فتلك مرتبة الفوز العظيم. "وإن لم تقدر على مرتبة الرضا فانزل إلى مرتبة صدق الالتجاء والله يفعل لك بنصره فوق إرادتك". وقد سبقت الإشارة إلى الرضا وما قاله المشايخ فيه وملخصه عدم اعتراض العبد على مقادير الرب وتلقي الحكم والقضاء بالترحيب الأوفى اتكالا على حُسن اختيار الله تعالى له وهذه أعلى المراتب وهي مرتبة أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم.
 
واقعة الإمام موسى الكاظم مع الرشيد
 وقد أشار سيدنا المؤلف إلى واقعة الإمام سيدنا موسى الكاظم مع هارون الرشيد أبي جعفر بن المهدي أبي عبد الله محمد بن المنصور أبي جعفر عبدالله بن محمد بن علي بن حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن العباس عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خامس الخلفاء العباسية ببغداد وتلك الواقعة هي أن سيدنا الإمام موسى الكاظم ابن سيدنا الإمام جعفر الصادق ابن سيدنا الإمام محمد الباقر ابن سيدنا الإمام علي زين العابدين ابن سيدنا الإمام الحسين ابن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين توجهت إليه قلوب الإسلام واعتقده الخواص والعوام فعظم ذلك على الرشيد وظن السوء بالإمام رضي الله عنه وخيلت له نفسه خروج الإمام عليه واستدل على ذلك بسعي بعض الكذابين كما هي سنة الله في أحبابه فخرج الرشيد يريد الحج فلما دخل المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام استقبله سيدنا الإمام موسى الكاظم في جماعة من أهل البيت فلما حل مكان نزوله واستقر ومضى كل واحد إلى سبيله ذهب الإمام إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على جاري عادته فلما جاء الليل أمر به الرشيد فأُخذ من المسجد فقيَّده في تلك الساعة وجعل له قبة على بغل وسترها وأدخله فيها ووجَّهه مع خيل له على طريق البصرة وأوصى القوم الذين معه أن يسلموه إلى والي البصرة عيسى بن جعفر بن المنصور فلما وصلوا البصرة سلموه له فحُبس عنده سنة فبعد السنة كتب إليه الرشيد يأمره بقتله فخاف الله وخشي بأس قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب للرشيد كتابا يقول له فيه: يا أمير المؤمنين كتبت إليّ في قتل موسى بن جعفر وقد اختبرته طول مقامه في حبسي فلم يكن منه سوء قط ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير ولم يكن عنده تطلع للولاية ولا خروج ولا شيء من أمر الدنيا ولا دعا قط على أمير المؤمنين ولا على أحد من الناس ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة فإن رأي أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره ويأمر بتسلمه مني وإلا سرّحت سبيله فإني منه في غاية الحرج فلما بلغ الرشيد كتاب عيسى بن جعفر كتب إلى السندي بن شاهك أن يتسلم الإمام موسى الكاظم من والي البصرة عيسى بن جعفر فتسلمه منه وبقي في سجنه مدة ثم بعد تلك المدة أمره الرشيد بقتله فجعل له سُمّا في طعام وقيل في رُطب فأكل منه ثم أقام متوعكاً يومين أو ثلاثة أيام وتوفي شهيداً مسموماً رضي الله تعالى عنه.
        قال ابن الجوزي في كتاب (الصفوة): "بعث موسى بن جعفر الكاظم إلى الرشيد من الحبس برسالة كُتب فيها أنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى معه يوم عنك من الرخاء حتى نمضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء هنالك يخسر المبطلون". وُلد الإمام موسى الكاظم بالأبواء سنة ثمان وعشرين ومائة وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة لخمس بقين من شهر رجب وله من العمر خمس وخمسون سنة وكراماته ومناقبه وفضائله وفواضله لا تُعد ولا تُحصى سلام الله عليه ورضوانه وعلى ساداتنا أبائه الطاهرين وأبنائه المُكرَّمين أجمعين. هذه القصة التي أشار إليها مولانا المؤلف رضي الله عنه ثم أتبعها بذكر قصة الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين السبط رضي الله عنهما وذكر واقعته وما ابتلاه الله به على يد عبد الملك بن مروان أحد ملوك بني أمية وكيف حمله مغلولا مقيدا من المدينة إلى الشام وكيف صبر رضي الله عنه على تلك المحنة مع قوة كرامته وجليل منزلته ولم ينحرف عن مرتبة الرضا حتى فرَّج الله عنه بفضله. وقد حث سيدنا المؤلف رضي الله عنه، السالكَ على الرضا وإن لم يقدر فعلى صدق الالتجاء وأوضح أن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم مع العمل بسُنته السَنية واتخاذه وسيلة إلى الله تعالى أعظم الأسباب لحصول الفرج وأوضح للسالك أن أبواب الأسباب إذا أُغلقت دونه بأيدي المخلوقين فعليه أن يترقب فتحها من الفتاح المعين فإن شأن ربوبيته تفردا بها وتعززا بألوهيته الربانية دأب إحسانه فتح الأبواب التي سدها الخَلق رحمة بالمظلوم وقهرا بالظالم. وأمر السالك أن لا يقنط من رحمة الله تعالى وأن ييأس من رَوحه إيماناً به وتوكلا عليه وعملا بقوله تعالى {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}الطلاق3. أي يكفيه هذا ما وعد الله عباده والله لا يخلف الميعاد.
 
180- ثم قال سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه: "التوفيق في جميع الأحوال إنما هو من الله سبحانه وتعالى".
181- "دع هَمَّ الحسود، فهمُّه بك فوق همِّك به. خَلِّ جانب الأحمق، فكدرُكَ به فوق كدره بنفسه".
182- "لازم مجالس العقلاء وخُذ الحكمة أين رأيتها، فإن العاقل يأخذ الحكمة لا يبالي على أي حائط كُتبت، وعن أي رجل نُقلت ومن أي كافر سُمعت".
183- "هذه الدنيا خُلقت للعبرة، والعبرة بكل ما فيها عقل، فخذ بقوة عقلك العبرة من كل مأخذ واصرف نظرك عن محلها".
184- "إياك والتقرُّب من أهل الدنيا، فإن التقرب منهم يقسي القلب، والتواضع لهم موجب لغضب الرب وتعظيمهم يزيد في الذنوب".
185- "اتخِذ الفقراء أصحاباً وأحباباً وعظِّمهم وكن مشغولا بخدمتهم وإذا جاءك واحد منهم فانتصب له على أقدامك وتذلل له".
186- "وإذا وقعت خدمتك لدى الفقراء موقع القبول فأسألهم الدعاء الصالح، واجتهد أن تعمر لك مقاماً في قلوبهم، فإن قلوب الفقراء مواطن الرحمة، ومواقع النظر القدسي. وصَفِّ خاطرك من الرعونات البشرية".
187- "ومَن كان لك عليه حق أو له عليك حق فداره حتى يعطيك حقك، أو إلى أن تعطيه حقه. وإن قدرت فسامح من لك عليه حق يعوض الله عليك".
188- "وكُن مع الخلق بالأدب فإنه أدبٌ مع الخالق".
189- "تُب بكلِّيتك من رؤية نفسك ونسَبك وأهلك، فإن (مَن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)".
190- "قم بصلة رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عظِّم ذوي قرابته فإن طوق منته في أعناقنا. قال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23".
191- "صَحِّح الحب لجميع أصحابه رضوان الله وسلامه عليهم فإنهم مصابيح الهدى ونجوم الاقتدا، قال عليه الصلاة والسلام: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)". 192- "خَفِ الله، خَفِ الله، (رأس الحكمة مخافة الله)، (عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير).
هذه نصيحتي لك، أي أخي:
أخذتني سكرة التعليم إلا أني جرَّبت الزمان وأهله وعاركت النفس وخدمت الشرع وانتفعت بصحبة أهل الصفا. فاقبل نصيحتي فإنها إن شاء الله نشأت بإخلاص عن حب لك، (رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه). أي عبد السميع اعمل بنصيحتي ولا تراني رجلا. إن قال لك قائل إن في مملكة الرحمن مخلوقاً هو أضعف من هذا اللاش أحيمد فلا تصدقه. بل أقول يسر الله عليَّ وعليك الطريق وجعلنا وإياك والمسلمين من المصطفَين الأخيار، والمخلصين الأبرار أحباب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّا}النساء45. والحمد لله رب العالمين".
 
اشتملت هذه الجُمل الكريمة والحِكم العظيمة على فوائد نافعة وعوارف جامعة أوضح فيها سيدنا المؤلف رضي الله عنه لزوم الاعتماد على الله لأن التوفيق منه سبحانه وتعالى لا يتم للعبد بتدبيره وسعيه إنما التوفيق بالتدبير والسعي يحصل بمحض كرمه تعالى لا غير.
وجوب إهمال الحسود
 
ثم بيَّن وجوب إهمال الحسود على أن هَمَّ الحسود الذي ينتجه حسده للرجل أعظم من همّ المحسود بحاسده. ورحم الله القائل: "لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله". ويعجبني قول الشاعر:
وإذا الفتى بلغ السَّماكَ بفضلهِ
ورموهُ عن حسدٍ بكل نقيصةٍ
ج

 
صارت كأعداد النجومِ عِداهُ
لكنهم لا يُنقصون عُلاهُ

 
وأرشد سيدنا المؤلف إلى ترك صحبة الأحمق لأن صاحب الأحمق موثق بسلسلة الهم والكدر بسبب الحمق الذي يشهده من صاحبه الأحمق أكثر من نفسه.
الحكمة ضالة المؤمن
 
ثم أمر بمجالسه العقلاء ولا يخفى ما فيها من الفوائد فإن العقلاء هم أهل الحكمة الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالطتهم بحديث جحيفة وهو "جالسوا الكبراء وسائلوا العلماء وخالطوا الحكماء". ولهذا السر أتبع سيدنا المؤلف جملته الأولى بقوله "وخذ الحكمة أين رأيتها" يريد بذلك أن الحكمة عند العقلاء ويأمر بتلقي الحكمة من أي جانب وردت مع صرف النظر عن علو محلها وانخفاضه وعظم قائلها واحتقاره اتِّباعاً لما ورد: "الحكمة ضالة المؤمن أين وجدها التقطها". لأن هذه الذرات الموجودة خلقت للعبرة، والله تعالى قال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار}الحشر2. فكما أن سيدنا المؤلف حث على العبرة نهى عن التقرب من أهل الدنيا وهم الذين طمَّتهم الغفلة وأشغلهم حب الآثار الظاهرة عن الاعتبار بها وأرشد أن التقرب منهم يقسّي القلب أي يجلب له الغفلة على أن الجليس لابد أن يكون له ثمرة حظ من حال جليسه. وحذر من الغفلة على أن الجليس لابد أن يكون له ثمرة حظ من حال جليسه. وحذر من تعظيمهم والتواضع لهم لأن ذلك لا يكون إلا من حبهم أو من الاعتماد عليهم وكلا الحالين خطير عند أهل المعرفة بالله. وأمر باتخاذ الفقراء أصحاباً وأحباباً وحث على تعظيمهم وخدمتهم وجبر قلوبهم. ولا يخفى ما ورد في الحديث القدسي وهو: "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي". فإذن التقرب منهم وتعظيمهم من موجبات القرب من الله سبحانه وتعالى. وأمر بمداراة الخلق عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بُعثت بمُداراة الناس". وألزم السالك بالتلطف والانقياد لصاحب الحق والصبر على مَن له عليه حق ونهض همّته إلى مسامحته إن أمكنته نفسه من ذلك تخلقاً بخُلق النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين اغتاظ من يهودي له دَين على النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظ بطلب دَينه:"دعه فإن لصاحب الحق مقالا". وأمر بعد ذلك بالتوبة بالكلية من رؤية النفس والنسب والأهل عملا بحديث: "مَن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه". وأراد إلزام السالك بتعظيم آل النبي صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه المبارك امتثالا لقوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23.
مطلب في معنى الآل
وقد كتبت بفضل الله تحقيقا لطيفا في معنى الآل في كتاب (ضوء الشمس) قلت فيه: "ذكر العلامة شيخ المتأخرين الفاضل الباجوري أن آله صلى الله تعالى عليه وسلم بنو هاشم وبنو عبد المطلب وهو ما نسبه العلامة ابن قاسم للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، قال: واختار النووي أنهم كل مسلم، قال في (مطالع المسرات) قال الجوهري: واختُلف في تعيين آله صلى الله تعالى عليه وسلم على أقوال كثيرة منها في مذهبنا المالكي سبعة أقوال مشهورها أنهم بنو هاشم ما تناسلوا وهو قول ابن القاسم ومالك وأكثر أصحابه. وفي (المدد الفياض) ما نصه هم مَن حَرُمَت عليهم الزكاة عند الشافعي، قال الدلجي: ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام للحسين بن علي: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". والأظهر أن المراد جميع أقاربه وأهل بيته أو جميع الأمة ورجحه النووي في (شرح المهذب) انتهى. قلت والأحسن أن لا يُطلق القول فيه بل يفسر باعتبار المقامات والقرائن ففي مقام الزكاة بنو هاشم لا المطلب عند مالك أو هما معا عن الشافعي أو هما وبنو جعفر وبنو العباس وبنو عقيل عند أبي حنيفة وفي مقام المدح أتقياء أمته وفي مقام الدعاء كما هنا جميع الأمة وهذا الذي حققه العلامة الأمير علي عبد السلام. ونقل الباجوري عن بعض المحققين ما يؤيده حيث قال يُنظر للقرينة فإن دلت على أن المراد بهم الأقارب حُمل عليهم كقولك اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا وإن دلت على أن المراد بهم إلأتقياء حمل عليهم كقولك اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله الذين اخترتهم لطاعتك، وإن دلت على أن المراد بهم كل مسلم حمل عليهم كقولك اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله سكان جنتك. والحاصل أنه لا يطلق القول في تفسير الآل بل يعول على القرينة ويفسر بحسبها". انتهى.

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:42 pm


 
مطلب في فضل آل البيت ومودتهم
 ونقلت في كتابي المذكور أيضا في بحث فضل الذرية الطاهرة ما يستحسن ذكره هنا وقد جاءت الآيات القرآنية بتعظيم العترة النبوية والقرابة المحمدية قال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23. وقال عز من قائل: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا}الأحزاب33. وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أنشدكم الله في أهل بيتي" ثلاثا، قلنا لزيد: مَن أهل بيته؟ قال آل علي رضي الله عنه وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس رضي الله عنهم. وقال عليه الصلاة والسلام: "إني تارك فيكم أمانين إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما". وقال عليه الصلاة والسلام: "معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمد أمانٌ من العذاب". قال بعض العلماء: معرفتهم في معرفة مكانتهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمته بسببه. وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا} الأحزاب33، وذلك في بيت أم سلمة، دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاطمة وحسناً وحُسيناً فجللهم بكساء وعليٌ خلف ظهره ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". والمراد بالرجس الذنوب والآثام وما يشينهم في الدنيا ويوم القيامة، ولكونه صلى الله تعالى عليه وسلم جللهم بكساء سُمّوا أهل الكساء وهم المعروفون بأصحاب العبا وفي حقهم يقول القائل:
لي خمسةٌ أطفي بهم
المصطفى والمُرتضى

 
حر لهيب الحاطمة
وإبناهما والفاطمة
ج
وعن سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما نزلت آية المباهلة وهي قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ}آل عمران61. الآية. دعا صلى الله تعالى عليه وسلم عليا وحسنا وحسينا وفاطمة رضي الله تعالى عنهم وقال: "اللهم هؤلاء أهلي". وقال صلى الله تعالى عليه وسلم في علي رضي الله تعالى عنه: "مَن كنت مولاه فعليٌ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". وقال فيه: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق". وقال صلى الله تعالى عليه وسلم في عمه العباس رضي الله تعالى "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله ومن آذى عمي فقد آذاني وإنما عم الرجل صنو أبيه". وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: "أرقبوا محمدا في أهل بيته". وقال أيضا رضي الله تعالى عنه: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحب إليّ من أن أصل من قرابتي". وقال عليه الصلاة والسلام: "أحَبَّ الله مَن أحب حسنا وحسينا". وقال: "مَن أحبني وأحب هذين وأشار إلى الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة". وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن أهان قريشاً أهانه الله". وقال عليه الصلاة والسلام: "قدِّموا قريشا ولا تقدَّموها". وعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه جعل الحسن على عنقه وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) وليس شبيهاً بعلي"، وعلي رضي الله تعالى عنه يضحك. وروي عن عبدالله بن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه قال أتيت عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ أو اكتب فأني أستحي من الله أن يراك على بابي. وعن الشعبي قال: صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه ثم قُرِّبت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بالعلماء. فقبَّل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم. وروي أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى لما ضربه جعفر بن سليمان ونال منه ما نال وحُمل مغشيا عليه فدخل عليه الناس فأفاق فقال أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل فسئل بعد ذلك فقال: خفت أن أموت فألقى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي. وقوله "ونال منه ما نال" أي من تجريده من ثيابه وسبه. وسبب ذلك أن جعفرا بلغه أن الإمام مالكا يقول إن الإيمان في بيعة الخلف ليس لازماً لأن الناس يكرهونه فغضب لذلك وأحضره وفعل به ما مر. وقيل أن المنصور العباسي المشهور أمر أن يُقتص لمالك من جعفر فقال مالك: أعوذ بالله والله ما ارتفع سوط عن جسمي إلا وقد جعلته في حل وأبرأت ذمته لقرابته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال أبو بكر بن عياش: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي في حاجة لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم: "مَن مات على حب آل محمد مات مؤمنا ومن مات على حب آل محمد مات شهيدا ومن مات على حب آل محمد بَشَّرَه ملك الموت بالجنة ومن مات على حب آل محمد فُتح له في قبره بابان إلى الجنة ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزارا لملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ألا ومن مات على حب آل محمد يُزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيتها، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة". حكاه القرطبي في تفسير بسورة الشورى. ثم رأيت المفسر الكبير العلامة الرازي الشهير نقل نحو هذا الحديث في السورة المذكورة عند قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23. ثم قال رواه صاحب (الكشاف) وقال نفعنا الله به: وأنا أقول آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل مَن كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل. وأيضا اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته فإن حملناه على القرابة فهم الآل وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت على جميع التقديرات أنهم هم الآل وأما غيرهم فدخلوهم تحت لفظ الآل مختلف فيه. وروى صاحب (الكشاف) أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما"، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23. ووجه الاستدلال به ما سبق. الثاني: لا شك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام. قال صلى الله عليه وسلم: "فاطمة بضعةٌ مني يؤذيني ما يؤذيها". وثبت بالنقل المتواتر عن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة حبهم لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}الأعراف158. ولقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}النور63. ولقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه}آل عمران31. ولقوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}الأحزاب21. الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" إلى آخره. وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب. ومن كلام الشافعي رضي الله عنه تعالى عنه:
يا راكباً قف بالمحصب من مِنى
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى مِنى

 
واهتف بقـاعد خيفها والناهضِ
فيضا كملتطم الفرات الفائضِ

إن كان رفضا حب آل محمد

 
فليشهد الثقلان أني رافضي

وقد درج السلف الصالح على حب آل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإكرامهم وتعظيمهم وتبجيلهم والاعتناء بشأنهم وشرفهم والقيام بحقوق قرابتهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولله در الحسن ابن هاني القائل:
قال لي قائل رأيتك تهوى
صار فرضاً عليك تستغرق المد
قلت ماذا أقول والكون طُرّا
أنا لا أستطيع ألا أمدح قوماً

 
آل طه ودائما تجتبيهم
ح جميعا فيهم وفي من يليهم
يستمد النوال من ناديهم
كان جبريل خادماً لأبيهم

وما أحسن ما قاله فيهم الكميت بن زيد من قصيدة طويلة بائية تضمنت ما يعذب ذكره من مدح العترة النبوية وهو:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطربُ
ولم تُلهني دارٌ ولا رسم منزلٍ
ولا أنا ممن يزجر الطير همّه
ولا السانحات البارحات عشيةً
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى
إلى النفر البيض الذين بحبهم
بني هاشمٍ رهطِ النبي وإنني
خفضت لهم مني جناح مودتي
بأي كتاب أم بأية سُنةٍ
وما ليَ إلا آل أحمد شيعةٌ
ومَن غيرهم أرضى لنفسي شيعةً
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
وجدنا لكم في آلِ حم آيةً
فإني على الأمر الذي تكرهونه

 
ولا لعبا مني وذو الشيب يلعبُ
ولم يتطربني بنانٌ مُخضَّبُ
أصاح غرابٌ أم تعرض ثعلبُ
أمَرَّ سليمُ القرن أم مَرَّ أعضبُ
وخير بني حواء والخير يُطلبُ
إلى الله فيما نابني أتقربُ
بهم ولهم أرضى مراراً وأغضبُ
إلى كنف عطفاه أهل ومرحبُ
ترى حبهم عاراً علي وتحسبُ
ومالي إلا مَشعبُ الحق مَشعبُ
ومن بعدهم لا من أجلُّ وأرحبُ
نوازع من قلبي ظِماء وألببُ
تأولها منا تقىٌّ ومُعربُ
بقولي وفعلي ما استطعت لأجنبُ

يشيرون بالأيدي إليّ وقولهم
فطائفةٌ قد أكفرتني بحبهم
يعيبونني من غيهم وضلالهم
وقالوا ترابيٌّ هواه ودينه
فلا زلت فيهم حيث يتهمونني
ألم ترني في حب آل محمدٍ
كأنيَ جانٍ محدثٌ وكأنما
على أي جُرمٍ أم بأية سيرةٍ
أناس بهم عزت قريشٌ فأصبحوا

 
إلا خاب هذا والمُشيرون خُيَّبُ
وطائفة قالوا مسيءٌ ومُذنبُ
على حبكم بل يسخرون وأعجبُ
بذلك أُدعى فيهم وأُلقَّبُ
ولا زلت في أشياعهم أتقلبُ
أروحُ وأغدو خائفاً أترقبُ
بهم يتقي من خشية العرِّ أجربُ
أُعنَّفُ في تقريظهم وأؤنَّبُ
وفيهم خباءُ المَكرمات المطنَّبُ

وقد أمر سيدنا المؤلف رضي الله عنه السالك بتصحيح الحب لجميع أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال إنهم مصابيح الاقتداء ونجوم الاهتداء آخذا بحديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
سيدنا عيسى وسيدنا الخضر من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام
أما الأصحاب رضي الله عنهم فهم جمع صاحب والصاحب في اللغة مَن طالت عشرتك به والمراد به هنا الصحابي وهو من اجتمع بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم من المؤمنين بعد نبوته اجتماعاً متعارفاً. وقد اجتمع سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام بسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في بيت المقدس بجسده وروحه فهو صحابي. وكذا الخضر عليه الصلاة والسلام اجتمع بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم اجتماعاً متعارفاً فهو صحابي أيضا، ومن اجتمع به كذلك فهو تابعي. واسم الخضر بليا بن ملكان بفتح الباء وسكون اللام بعدها مثنّاة تحتية، وملكان بفتح الميم وسكون اللام وآخره نون. وإنما لقب بالخَضِر لأنه ما جلس على أرض إلا اخضرت. قيل من عرف اسمه واسم أبيه دخل الجنة. واختُلف في نبوته فقيل هو نبي وقيل هو ولي وهو المراد بالعبد في قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْما}الكهف65. والمراد بالعلم الذي علمه الله إياه المعبَّر عنه بالعلم اللدني هو علم الحقيقة ومن ذلك ما وقع له مع موسى عليه الصلاة والسلام من قصة السفينة والغلام والجدار وما فيها من اللطائف والأسرار. واعلم أن أصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من غيرهم من جميع ما جاء بعدهم للأحاديث الكثيرة الصحيحة والنصوص القطعية الصريحة الواردة في علو شأنهم ورفعة قدرهم وتفضيلهم على غيرهم كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين". وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غَرَضا بعدي فمن أحَبهم فبحبي أحَبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". والأحاديث في ذلك كثيرة.
تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في الفضيلة
 ولا يخفى أن الصحابة يتفاوتون في الفضيلة فليسوا فيها سواء بل أفضل أصحابه صلى الله عليه وسلم الأربعة المعبر عنهم بالخلفاء الراشدين وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ويليهم في الفضل بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة والزبير وسعد وسعيد وأبو عبيدة عامر بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان وأفضل الأربعة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي ولذلك قال صاحب (الجوهرة):
وخيرهم من وُلِّيَ الخلافة

 
وأمرهم في الفضل كالخلافة

وقال السيد الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه: "أي أولادي، عظموا شأن أهل البيت وكرموهم وبجِّلوهم وإذا سمعتم أحدا يقول في شأنهم أشياء قبيحة انكروها أو فاجعلوا أصابعكم في آذانكم وذبوا عن أعراض الصحابة قاطبة وعليكم بمحبتهم ومدحهم فإن هؤلاء القوم قد عفا الحق سبحانه عنهم ولا يؤاخذهم بما جرى بينهم وإنهم يتواهبون ويدخلون الجنة واعلموا أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ولا يظن أحد أن كل الصحابة سواء فهذا كفر، قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَة}الحديد10. فمن رد آية من القرآن أو حرفاً منه فقد رد القرآن ومن رد القرآن كفر". انتهى. هذا هو القول المشهور

المنصور. قال السعد: على هذا وجدنا السلف والخلف. والظاهر أنهم لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به ولا يدرك دقائق التفضيل والترتيب إلا المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذا كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف.
انخلاع الإمام الرفاعي رضي الله عنه من رؤية نفسه
 ثم نبه سيدنا المؤلف على خوف الله تعالى ونبه على التقوى وختم نصيحته المباركة بقوله لخليفته الشيخ عبد السميع الهاشمي رضي الله عنهما "أي أخي أخذتني سكرة التعليم"، يريد أن العلم له سكرة تأخذ الرجل من التواضع إلى التفاخر. وكان ذلك منه تواضعا وانقيادا للحق وأيَّد ذلك المقصد بقوله "فقبل نصيحتي فإنها إن شاء الله نشأت بإخلاص عن حب لك" وتلا قول النبي صلى الله عليه وسلم "رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وقال: "اعمل بنصيحتي ولا تراني رجلا" انخلاعاً وتجرداً من النفس والأنانية واعترافاً بأنه أضعف خلق الله الذين هم في مملكة الله إرشاداً للسالكين وتنبيها للغافلين وانقهاراً تحت سطوة العبودية ووقوفاً عند حد المخلوقية وتمسكاً بآثار النبي صلى الله عليه وسلم. فرضي الله عن هذا السيد الكبير والعلم الشهير وعن أسلافه الطاهرين وأخلافه المكرمين وعن ساداتنا أولياء الله أجمعين {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}الصافات181-182.
 

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 55

مُساهمةموضوع: رد: شرح الحكم الرفاعية   الخميس 02 مارس 2017, 6:43 pm


 
تخميس قصيدة الشيخ سراج الدين للإمام أحمد الرفاعي
هذا وإني رأيت في ذيل نسخة الحكم الشريفة التي ظفرت بها قصيدة جليلة للإمام شيخ الإسلام علامة الأنام مولانا السيد الشيخ سراج الدين المخزومي الرفاعي رضي الله تعالى عنه يمدح بها سيدنا المؤلف أعز الله مقداره ورفع في الدارين مناره فتشرفت بتخميسها إتماما للخدمة المبرورة وطمعاً بهمته العلية المأثورة وناهيك به بفضل الله من يزري بأجنحة الطواويس، مَنَّ به واهب الكرم تكميلا لشرف وليه الإمام أبي العلمين المعظم المحترم وها هو:
يا سيدا لاذت به الساداتُ
لما انتهت لطريقك النفحاتُ

 
وتزينت بمديحه الأوقاتُ
طابت بحضرة ذكرك الوثباتُ

وبها لحزبك صولةٌ وثباتُ


نبراس رشدك ظلمة الدعوى جلا
شاعت مآثرك الجليلة في الملا

 
وشراب صدقك كاسه معنى حلا
وظِلال بابك يا رفاعي العُلا

سوحٌ به تتنزل البركاتُ
صحَّ المديح بذكر خُلقِكَ والثنا
للك همة يُجلى بها كل العَنا

 
وبه توصَّلَ أهل حبك للمُنى
ولك اليد البيضا التي كشفت لنا

ستراً لديه تُسكب العبَراتُ
أضحى هداك من الغواية مخرجا
أطلعت صبحاً للطريقة أبلجا

 
وحِماك من كدر النوازل مُلتجا
وأخذتَ من لب الشريعة منهجا

قصرت لعمرك بعده الخطواتُ
أصبحت بحراً لا يُرَدُّ نوالُهُ
أحرزتَ خُلقاً عَزَّ قدراً حالُهُ

 
بل طودُ مجدٍ لا يُطالُ مَطالُهُ
أرْضيتَ فيه اللهَ جلَّ جلالُهُ

ونصرتَ ما جاءت به الآياتُ
أُعطيتَ عهد الفضل من أعلى يدِ
وأتيتَ منتصراً لسنة أحمدِ

 
بحديث معجزةٍ صحيحٍ مُسنَدِ
ومضيتَ مقتفيا لإثرِ محمدِ

طوعاً لك الحركاتُ والسكناتُ
أتقنتَ خدمته بحسن نيابةٍ
ورفعتَ رايته بخير عصابةٍ

 
قامت بصدق عزيمةٍ وإنابةٍ
فنظرتَ منه بنظرةٍ جذابةٍ

خُرقت بها لك في الملا العاداتُ
سَحَّت عليك بفيض وابل بِرِّها
وغدوت منفرداً خزانة دُرِّها

 
فجرى ببحر العالمين وبَرِّها
وسرى بمتبعيك نافذُ سِرِّها

تركتهُ في أحيائها الأمواتُ
أُكرمتَ من طه بكفِّ جنابِهِ
فلثمته وعُرِفتَ في أحبابهِ

 
بين القفول مذ التجأت لبابهِ
نورٌ أراد الحق أن تحبى بهِ

رغماً لمن فتكت به الظلماتُ
أضمرتَ في قلب الكمال دقيقة
ومُذ اتصلتَ إلى الإله حقيقة

 
نقشت على لوح الغيوب رقيقة
أوضحتَ يا شيخ الوجود طريقة

سُدَّت بغير سلوكها الطُرُقاتُ
قامت على النهج القويم سوية
وبها طويتَ شعائراً نبوية

 
أوردتَها عن أهلها مروية
ونشرتَ فيها راية علوية

خضعت لرفعة قدرها الهاماتُ
أودعت قدما نفحة قدسية
ولبست جهراً خلعة سبطية

 
وعطيتَ من فيض الكريم عطية
وجعلتَ متن الانكسار مطية

جزمت بخُلقٍ ما لديه هناتُ
أحرزتَ بين القوم أعظم نعمة
وغدوتَ مندوبا لكل مهمة

 
من خير مبعوثٍ لأكرم أمة
وسبقت كل العارفين بهمة

فتحت لوافد عزمها الحضراتُ
جاوزتَ هام النيرين برفعةٍ
وبرزتَ منتصرا لأشرف شِرعةٍ

 
طارت بمسكنةٍ وساكب دمعةٍ
وأكلت مائدة القَبول بخشعةٍ

ولكم أجاعت غيرك الشطحاتُ
لله كم لك من ضيا سِرٍّ سرى
يا قائد الحزبين يا عالي الذرى

 
في الكون حتى خافه أسدُ الشرى
يا صاحب العلمين يا غوث الورى

طب إن رمسك عمّهُ الرحماتُ
أعرضتَ خلقا عن عسى وإلى متى
فشربتَ كأسا عزَّ أن بره فتى

 
وقطعتَ بالإخلاص صيفك والشتا
هذا جزاءُ الصابرين كما أتى

والقوم يا ابن المصطفى درجاتُ
لك دولةٌ قامت بشأنٍ أوحدِ
يا خير منسوبٍ لآل محمدِ

 
ومكانة عظمت بطرزٍ أمجدِ
أتقنتَ نهج الاتِّباع لأحمدِ

في المشربين وما عراكَ شتاتُ
سُدْتَ الرجال بمظهرٍ عنه الجُمَل
وجمعتَ بين العلم حقا والعمل

 
قصُرَت رقايته وطالعكَ اكتمل
ولنا الأدلة في ثناكَ طباعُكَ الـ

حسناءُ والأحوالُ والكلماتً
لك بانكسارك للعواجز نهضةٌ
لك ساحةٌ هي للتدلي روضةٌ

 
زمر الخطوب بباسها منقضةٌ
ولأنت معجزةٌ لجدك محضةٌ

وضّاحة ما شابها الشبهاتُ
أصلتَ سيفاً في الأعادي باترا
مُذ نلتَ سرا للقيامة سائرا

 
ورفعتَ ركنا للأحبة عامرا
ثبتت مناقبكَ الرجاح تواترا

لزماننا وبنفيها الإثباتُ
نِعم الكراماتُ التي علتِ السُها
هي مثلما نطقَ الوجودُ بفضلها

 
مجداً وكلّل برد رونقها البها
خرسٌ بها أهل الجحودُ لأنها

فوق البداهة عندها مرقاةُ
برهان فضلك بالدلائل قد ثبت
وعزيز نفسك يا ابن أفضل من قنت

 
وعريق أصلك في السيادة قد نبت
ذلت لسطوتك الأسُودُ وما رأت

أن تحمها من بأسك الغاباتُ
لما لبستَ من العناية حُلةً
والأسد حين أتتك تطلب خلة

 
داويتَ من أتباع رشدك علة
ربضت على أعتاب عزك ذلة

وكذلك الأنمارُ والحياتُ
فجميل مدحك مُجملٌ ومفصَّلُ
وبذكرك الشرف الرفيع مكمَّلُ

 
وجليل قدرك في الشيوخ مُفضَّلُ
والنار تخمدُ والسلاحُ معطَّلُ

لما بندبك تكثر الضجاتُ
ما أمَّ ساحة بحر فضلك ناقصُُ
رجفت لبأسك في الرجال فرائصُ

 
إلا وكمّله عطاءٌ خالصُ
الله أكبر أنها لخصائصُ

بيدِ النبي بها حبتكَ الذاتُ
هذا مقامٌ دونه هامُ العُلا
طبنا به والله والهم انجلى

 
وشريفُ شأنٍ مسكُهُ عَمَّ المَلا
شكرا لمولانا الذي أهدى إلى

تصديق مَن تُمحى به الزلاتُ
طه الذي شق السماء ركابُهُ
وهمى على كل الورى ميزابُهُ

 
ورَقا إلى الرحب الكريم جنابُهُ
وإلى طريقتك التي هي بابُهُ

وعليه عطَّر قبرَه الصلواتُ
وأجلُّ تسليماتِ خلاق الملا
وتحيةٌ عظمى يضيق لها الفلا

 
تهمي على مثواه ما الفجر انجلى
والآل والأصحاب والقوم الأولى

وعليك ما هبّت بنا النسماتُ
 
خاتمة لطيفة وتتمة شريفة في ترجمة الإمام الرفاعي
في ترجمة سيدنا المؤلف رضي الله تعالى عنه، أوردتها مختصرة لينتفع بها المطالع ولا يملها القارئ ولا السامع نظمتها من أقوال أئمة الرجال وجعلت سهمي منها حسن التأليف والربط بين الكلمات والأقوال.
        قال الإمام سلطان المحدثين شيخ المشايخ أبو العباس عز الدين أحمد الفاروثي الواسطي في كتابه (النفحة المسكية) حين سئل عن العائلة الرفاعية، ما نصه (فليُعلم أن رأس هذه العصابة الرفاعية، وجد هذه الذرية الأحمدية شيخ المشايخ الجبل الراسخ صاحب المناقب العظيمة والمآثر الكريمة تاج أهل القبول المُشَرَّف بتقبيل يد الرسول أبو العلمين غوث الثقلين، من ثبتت كراماته بالتواتر في المشرقين والمغربين الخاشع الخاضع والشريف المتواضع، ملجأنا ومفزعنا وشيخنا السيد الشيخ أحمد أبو العباس الكبير الرفاعي الحسيني رضي الله عنه. ولد رضي الله عنه في أم عبيدة في دار جده لأمه شيخ شيوخ زمانه، سيدنا الشيخ أبي سعيد يحيى النجاري الأنصاري في سنة اثنى عشر وخمسمائة من صلب شيخ القراء والمحدثين سلطان الزاهدين إمام العارفين السيد علي أبي الحسن ابن يحيى المكي، ويقال له المغربي. ويحيى هذا رضي الله عنه أول قادم من هذه العصابة إلى العراق. وصل البصرة في عام خمسين وأربعمائة واشتهر فيها بالزهد والمعرفة والصلاح، وعكفت عليه القلوب. ثم بعد مدة تزوج بالأصيلة الحسيبة علما الأنصارية بنت المولى الجليل الحسن أبي سعيد النجاري والد الشيخ أبي سعيد النجاري، فأولدها سيدنا السيد علياً أبا الحسن، والد السيد أحمد الكبير رضي الله عنهم فلما كبر قدم البطائح وسكن أم عبيدة وتزوج ببنت خاله الست فاطمه بنت الشيخ الإمام يحيى النجاري رضي الله عنه فأولدها سيدنا السيد أحمد الكبير، والسيد عثمان والسيد إسماعيل والسيدة ست النسب"، إلى أن قال بعد تحقيقات شريفة: "وقد تقدم أن السيد أحمد رضي الله عنه ابن السيد أبي الحسن علي بن يحيى ويحيى هذا ابن الثابت بن الحازم بن أحمد بن علي المعروف بابن رفاعة الهاشمي المكي. ابن الحسن الملقب برفاعة وإليه ينتمي بطن بني رفاعة هؤلاء كما ذكره صاحب (الترياق) مفتي الثقلين تقي الدين بن عبد المنعم الواسطي. والحسن رفاعة المكي المذكور هو نزيل المغرب. هاجر من مكة إلى المغرب سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وهي السنة التي قتل فيها ابن محارب أمير مكة وأصحابه وحصل ما حصل من القرمطي عليه اللعنة في بيت الله من الهدم والنهب والقتل. وفي هذه السنة هاجر كثير من الأشراف إلى البلاد السائرة. وكان ممن هاجر بأهله وبني عمه إلى اليمن محمد بن عيسى من آل علي العريض الحسيني ومنهم من هاجر إلى نيسابور والعجم والهند. والتحق رفاعة رضي الله عنه بقبيلة من قبائل العرب بالقرب من إشبيلية، وعظمه ملوك المغرب وانقاد إليه أعيانها وعلمائها وكبر أمره واشتهر ذكره. وبقيت ذريته في المغرب إلى عهد السيد يحيى بن الثابت جد سيدنا السيد أحمد. قال في (الترياق) ولهم بقية في المغرب وإن رفاعة الحسن المكي هذا ابن المهدي ابن أبي القاسم محمد بن الحسن بن الحسين أحمد بن موسى الثاني ويقال له الأصغر ابن إبراهيم المرتضى ابن الإمام علم الإسلام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام الهمام محمد الباقر ابن الإمام الهمام زين العابدين علي الأصغر المعروف بالسجاد ابن الإمام المظلوم الشهيد السعيد السبط الأعظم أبي عبد الله الحسين الشهيد بكربلاء ابن الإمام الأعظم مقتدى العرب والعجم الهزبر الغالب، باب مدينة العلوم أسد الله علي بن أبي طالب، كرم الله تعالى وجهه ورضي الله عنه وعنهم أجمعين. رُزقه من زوجته الطاهرة البتول سيدة النساء فاطمة الزهراء رضي الله عنها وعليها السلام بنت سيد المرسلين وأفضل المخلوقين وأشرف العالمين، أبي القاسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن قريش بن ملك العرب مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من بقية آل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام". انتهى.
 
ثناء الأئمة على الإمام الرفاعي رضي الله عنه
        (وقال) الإمام، البحر الطام، حجة الله على الأنام الشيخ عبد الكريم بن محمد الرافعي مجتهد مذهب سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنهما في كتابه (سواد العينين)، بعد أن ذكر نسبة سيدنا السيد أحمد الكبير رضي الله عنه: "حدثني الشيخ الصالح محمد بن الحسن البزاز عن الشيخ الورع أبي محمد القوصي. قال مر السيد أحمد الرفاعي بموكب من فقرائه في أرض البطائح. فأنكرت حاله في سري. فنمت ليلتي وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يثني على السيد أحمد الرفاعي ويقول: "ولدي السيد أحمد الرفاعي علم الحقيقة. يربى بحاله أكثر مما يربي بمقاله. من أحبه فقد أحبني ومن آذاه فقد آذاني". فقمت مرعوباً وأتيته. فلما رأني تبسم وقال: "الرجل الكامل يربي بحاله أكثر مما يربي بمقاله". وقال أيضا: "ولد رضي الله عنه سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. ونشأ في حجر خاله. فأدبه وهذبه وتلقى عن خاله الطريقة وعلم التصوف. ولبس خرقته وأخذ عنه علوم الشريعة وتفقه على الشيخ أبي الفضل علي الواسطي المعروف بابن القاري وعن جماعة من أعيان الواسطيين منهم خاله الصوفي الجليل شيخ وقته سلطان العلماء والعارفين الشيخ أبو بكر الواسطي أخو الشيخ منصور وانتهت إليه الرئاسة في علوم الشريعة وفنون القوم، وخدمة الأئمة والفقهاء، والملوك والخلفاء وانعقد عيه إجماع الطوائف وقال بتقدمه على جميع رجال عصره الموافق والمخالف. وأطبق على علو قدمه ورفعة رتبته وكرم خلقه وترقيه عن منزلة القطبية الكبرى والغوثية العظمى جحاجحة الأرض المقدسة الحجاز والشام. واعترف رجال وقته بالعجز عن درك منتهاه في السير وقال بذلك الخواص منهم والعوام. وقال فيه الشيخ منصور وزنته بجميع أصحابي وبي أيضا فرجحنا جميعا. ويكفيك أن من أصحابه الشيخ حماد الدباس البغدادي أجلَّ أشياخ الشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ عثمان البطائحي والشيخ خميس والشيخ مكي الطستاني وأمثالهم. وعد نفسه الزكية ايضا ويعجبني ما قال فيه الفيروزآبادي مفردا:
أبا العلمين أنت الفرد لكن

 
إذا حُسب الرجال فأنت حزبُ

حدثني الشيخ الإمام أبو شجاع الشافعي فيما رواه قائلا: كان السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه علماَ شامخاً وجبلا راسخاً وعالماً جليلا محدثا فقيها مفسراً ذا روايات عاليات وإجازات رفيعات. قارئاً مجوداً حافظاً مجيداً حجة رُحلة متمكنا في الدين سهلا ً على المسلمين صعبا على الضالين هينا لينا هشاً بشاً ليِّن العريكة حسن الخَلق كريم الخُلق حلو المكالمة لطيف المعاشرة لا يمله جليسه ولا ينصرف عن مجالسه إلا لعبادة، حمولا للأذى وفيا إذا عاهد صبوراً على المكاره جواداً من غير إسراف متواضعاً من غير ذلة كاظماً للغيظ من غير حقد أعلم أهل عصره بكتاب الله وسنة رسوله وأعملهم بها، بحراً من بحار الشرع سيفا من سيوف الله وارثاً أخلاق جده رسول الله صلى الله عليه وسلم". (وقال) الإمام الرافعي أيضا في كتابه المذكور: أخبرني شيخنا الإمام الحجة القدوة عمر أبو حفص شهاب الدين السهروردي عن عمه الولي العارف شيخ الشيوخ أبي النجيب عن شيخه الإمام الهمام  البحر الطام محمد بن عبد البصري رضي الله عنهم، قال: كل الأولياء أدركنا مقاماتهم وما وصلوا إليه وعرفنا منتهاهم في السير إلا السيد أحمد الرفاعي فإنه لا يُعرف منتهاه في السير وإنما رجال عصرنا على الإطلاق يعرفون الوجهة التي اتجه إليها، ومن ادعى الوصول إلى مرتبته أو الاطِّلاع على رتبته فكذِّبوه. أي إخواني هذا رجل لا يُعرف ولا يُحد هذا رجل انسلخ من علائق بشريته وعوائق نفسه كانسلاخ الثوب عن البدن، والأولياء في عصرنا هذا كبارهم وصغارهم المشارقة والمغاربة الأعارب والأعاجم عيال عليه يستمدون منه ويأخذون عنه، وهو شيخ الكل في الكل يسحُّ النوال من حجرة جده عليه الصلاة والسلام على قلبه، وهو يقسمه على الرجال في الأرضين، ولا ينقطع مدده بإذن الله، والدولة له ولذريته إلى يوم القيامة مع طيب نفس المحب ورغم أنف الحاسد. يفعل الله ما يشاء. لا راد لأمره. ولا منازع لحكمه. قال لي شيخنا سند المحدثين عبد السميع الهاشمي الواسطي ببغداد، وقد جرى ذكر السيد أحمد ابن الرفاعي رضي الله عنه، أي عبد الكريم كان السيد أحمد آية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسول الله يمشي على وجه الأرض، ما وقعت الأبصار على نظيره في عصره، قلَّ في السلف مثيله، ولا يوجد في الخلف عديله، كان طريقه الكتاب والسُنة، كان فعّالا لا قوّالا ، شربها وحكم عليها، قهر حاله، وغلب طوره، كان إماما عالماً عدلا، لو رأيته لرأيت كل السلف.
ليس على الله بمستنكر

 
أن يجمع العالمَ في واحدِ

رأيته يوما وقد امتلأت أطراف أم عبيدة من زائريه وهو يبكي ويقول:
حيَّرتَ فيك العقلا
كتمتُ فيك حالتي

 
يا مَن لعقلي عقَلا
فضحتني بينَ المَلا

كرامة تقبيل الإمام الرفاعي يد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم
وكنت مع الزوار في الحرم النبوي عام حجه الذي مُدت له فيه يد النبي صلى الله عليه وسلم وشاهدت اليد النبوية ببركته رضي الله عنه. وكان في مَن حضر الشيخ على الهيتي الذي هو الآن بين أظهرنا والشيخ عَدي بن مسافر، والشيخ عبد القادر الجيلي والشيخ الزعفراني والشيخ عزاز وغير رجل فلما تجلى الله عليه بهذه الموهبة العظيمة والمنة الكريمة، وآن وقت انصراف جسمه من الحضور النبوي اضطجع بباب الحرم وأقسم على الناس أن يدوس كلهم عنقه فكانت العامة تتخطى عنقه المبارك، والخاصة انصرفوا من أبواب أخر. وكنت لديه وهو يبكي ويقول: اللهم زدني تمكينا وإيمانا، ومعرفة بك وبنبيك صلى الله عليه وسلم". وأخبرني شيخنا الإمام الحجة القدوة أبو الفرج عمر الفاروثي الواسطي قال: حج سيدنا وشيخنا السيد أحمد الرفاعي عام خمس وخمسين وخمسمائة، فلما وصل المدينة وتشرف بزيارة جده عليه الصلاة والسلام وقف تجاه حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ووقفنا خلف ظهره، فقال: السلام عليك يا جدي، فقال له عليه أفضل صلوات الله: "وعليك السلام يا ولدي". فتواجد لهذه النغمة وقال منشداً:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
وهذه دولة الأشباح قد حضرت

 
تقبل الأرض عني في نائبتي
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

فمد له رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة من قبره الكريم فقبلها في ملأ يقرب من تسعين ألف رجل والناس ينظرون يد النبي صلى الله عليه وسلم، ويسمعون كلامه. وكان فيمن حضر الشيخ حيوة بن قيس الحراني، والشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ عدي الشامي وشاهدوا ذلك هم وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين".
مرض ووفاة الإمام الرفاعي رحمه الله تعالى
وذكر السيد الهمام صدر العلماء الأعلام السيد أبو القاسم البرزنجي الحسيني نفعنا الله به، في كتابه (إجابة الداعي)، الذي ألفه في مناقب سيدنا الإمام المشار إليه، صب الله سجال عوارفه عليه ما نصه: (قال) يعقوب خادمه: لما مرض سيدي أحمد رضي الله عنه مرض الموت قلت له: تُجلى العروس في هذه المرة؟ قال: نعم. فقلت له: لماذا؟ قال رضي الله عنه: جرت أمور اشتريناها بالأرواح وذلك أنه أقبل على الخَلق بلاءٌ عظيم فتحملته عنهم واشتريته بما بقي من عمري فباعني. وكان رضي الله عنه يمرغ وجهه وشيبته على التراب ويقول: العفو ويبكي ويقول: "اللهم اجعلني سقف البلاء على هؤلاء الخلق". وكان مرضه بالبطن. وسبب ذلك أنه سمع قائلا ينشد هذه الأبيات فاضطرب وانزعج وهاجت بطنه رضي الله عنه، وهي:


إذا جَنَّ ليلي هام قلبي بذكركم
وفوقي سحابٌ يمطر الهمَّ والأسى
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرُها
فلا هو مقتولٌ ففي القتل راحةٌ

 
أنوحُ كما ناح الحمامُ المُطوَّقُ
وتحتي بحارٌ بالجفا تتدفقُ
تُحَلُّ الأسارى دونه وهو مُوثقُ
ولا هو ممنونٌ عليه فيُعتَقُ

ومكث بالمرض شهراً وكان يخرج منه كل يوم ما شاء الله، فقيل له: من أين يخرج هذا ولك عشرون يوما لا تأكل شيئا ولا تشرب؟ فقال رضي الله عنه: هذا اللحم يندفع ويخرج ولكن قد ذهب اللحم وما بقي إلا المخ اليوم يخرج وغدا نعبر على الله عز وجل، فخرج منه شيء أبيض مرتين أو ثلاثا وانقطع. وكانت وفاته دامت بركاته يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة خمسمائة وثمان وسبعين عن ثمان وسبعين وكان يوما مشهوداً. وكان آخر كلامه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. أه. هذا ما حققه العلامة البرزنجي والذي صح عند العلماء المحققين من السادة الرفاعية وأهل العلم بهذه النسبة الزكية الأحمدية أن عمره الشريف ست وستون سنة وقد ثبت أنه سال جماعة من مفتي الثقلين مولانا تقي الدين الواسطي قدس سره عن شغل السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه في مدة عمره، فقال: شغله في مدة عمره مدة عمره. فأشكل عليهم فقال: شغله (الله) وهذا الاسم المبارك عدده بحساب الجُمَل ستة وستون. وقالوا إن تاريخ ولادته (جاء يد سر الرب) وتاريخ عمره (لله) باعتبار كون المد الطبيعي ألفا. وقالوا تاريخ وفاته (لله جاء يد سر الرب) قال الإمام الهمام الشيخ إبراهيم الكازروني في كتابه (الترياق) عند ذكر مولانا صاحب الترجمة رضي الله عنه:
إذا نظرت إلى الدنيا وهيئتها
أن كان يصلحُ للدنيا سواهُ فتى

 
فانظر إلى ملكٍ في زي مسكينِ
فذاك يصلح للدنيا وللدينِ

 
خاتمة المؤلف
هذا ما يسره الله وتفضل كرما منه وإحسانا بتنسيقه وحسن ترتيبه وتنميقه من شرح الحكم الأحمدية، والعقود الجوهرية، قد تم والحمد لله هذا الشرح اللطيف والتعليق الظريف، مشيدة دعائمه، ومرفوعة قواعده وقوائمه، بيد العناية الإلهية والمعونة الربانية، محفوف الجوانب مصون الشأن ببركة سيد الأنس والجان. أبي القاسم حبيب الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه سادات كل زمان. وقد حسن تطريز عبائر هذا الشرح المنظم بجواهر كلمات صاحب المتن سيدنا الغوث المعظم والقطب الكبير المقدم صاحب منقبة تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم شيخ المشايخ ذي الشرف الباذخ، والقدم الراسخ، الخاشع الخاضع، والمنكسر والمتواضع، رب الخوارق الباهرة والمدد الشهير، أبي العلمين سيدنا ومولانا السيد الشيخ أحمد الرفاعي الحسيني الكبير رضي الله عنه وعن ساداتنا إخوانه أولياء الله أجمعين، وعن تابعيهم ومحبيهم إلى يوم الدين {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}الصافات181-182.
وكان الفراغ من تأليفه ونسجه ببنان القلم وتصنيفه في ليلة
الأثنين الخاتمة لشهر ذي الحجة المبارك أحد
شهور سنة إحدى وثلاثمائة وألف
من هجرة من طبعه الله على أكمل
خلق ووصف صلى الله
عليه وعلى آله
وصحبه وسلم
م

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
 
شرح الحكم الرفاعية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار  :: زاوية الإمام الرفاعى ( الرفاعية )-
انتقل الى: