الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

مرحبا بأحباب الله وحبيبه المصطفى

صلى الله عليه وآله وسلم

( سجلوا معنا وساهموا ) بأرائكم البناءة

نحو مجتمع صوفى خالى من الشوائب

وأزرعوا هنا ماتحبوا أن تحصدوه يوم العرض

على الكريم الرحمن الرحيم

أهلاً بكم ومرحباً

الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

منتدى لمحبي الله ورسوله الذاكرين الله ومكتبة صوفية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 802
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد   الأحد 26 أغسطس 2012, 3:50 pm

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين
    مدبر الخلائق أجمعين باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم
    إلى المكلفين لهدايتهم وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية
    وواضحات البراهين أحمده على جميع نعمه وأسأله المزيد
    من فضله وكرمه
    وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار الكريم الغفار
    وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله
    : أفضل المخلوقين المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة
    على تعاقب السنين وبالسنن المستنيرة للمسترشدين
    المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين
    صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين
    وآل كل وسائر الصالحين
    أما بعد : فقد روينا عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود
    ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك
    وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم من طرق كثيرات بروايات متنوعات : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
    : [ من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله
    يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء ]
    وفي رواية : [ بعثه الله فقيها عالما ] وفي رواية أبي الدرداء
    : [ وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا ] وفي رواية ابن مسعود
    : [ قيل له ادخل من أي أبوب الجنة شئت ] وفي رواية ابن عمر
    [ كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء ]
    واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه
    وقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب مالا يحصى
    من المصنفات فأول من علمته صنف فيه : عبدالله ابن المبارك
    ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني ثم الحسن بن سفيان النسائي
    وأبو بكر الآجري وأبو بكر بن إبراهيم الأصفهاني والدارقطني
    والحاكم وأبو نعيم وأبو عبدالرحمن السلمى وأبو سعيد الماليى
    وأبو عثمان الصابوني وعبدالله بن محمد الأنصاري وأبو بكر البيهقي وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين
    وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف
    في فضائل الأعمال ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث
    بل على قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث الصحيحة
    [ ليبلغ الشاهد منكم الغائب ] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم
    [ نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ]
    ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين وبعضهم في الفروع وبعضهم في الجهاد وبعضهم في الزهد وبعضهم في الآداب وبعضهم
    في الخطب وكلها مقاصة صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها
    قد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله وهي أربعون حديثا مشتملة
    على جميع ذلك وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين
    قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه أو هو نصف الإسلام أو ثلثه
    أو نحو ذلك ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ومعظمها
    في صحيحي البخاري ومسلم وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الإنتفاع بها إن شاء الله تعالى ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها
    وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف في هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات وذلك ظاهر لمن تدبره وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي
    وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الأول
    [ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
    قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول

    : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته
    إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته
    لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ]

    رواه إماما المحدثين : أبو عبدالله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم
    بن المغيرة بن بردزيه البخاري وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج
    بن مسلم القشيري النيسابوري :
    في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة
    هذا حديث صحيح متفق على صحته وعظيم موقعه و جلالته
    وكثرة فوائده رواه الإمام أبو عبدالله البخاري في غير موضع من كتابه ورواه أبو الحسين مسلم بن الحجاج في آخر كتاب الجهاد
    وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام وقال الإمام
    أحمد والشافعي رحمهما الله : يدخل في حديث الأعمال بالنيات
    ثلث العلم قاله البيهقي وغيره وسبب ذلك أن كسب العبد يكون
    بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة
    وروى عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن قال :
    يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه وقال جماعة من العلماء
    : هذا الحديث ثلث الإسلام
    واستحب العلماء أن تستفتح المصنفات بهذا الحديث وممن ابتدأ به
    في أول كتابه : الإمام أبو عبدالله البخاري وقال عبد الرحمن ابن مهدي : ينبغي لكل من صنف كتابا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب
    على تصحيح النية
    وهذا حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله
    لأنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه و سلم إلا عمر بن الخطاب
    رضي الله عنه ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن أبي وقاص
    ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ولم يروه
    عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ثم اشتهر بعد ذلك
    فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة
    ولفظة ( إنما ) للحصر : تثبت المذكور وتنفي ما عداه وهي تارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصرا مخصوصا ويفهم ذلك بالقرائن كقوله تعالى { إنما أنت منذر } فظاهره الحصر في النذارة والرسول لا ينحصر
    في ذلك بل له أوصاف كثيرة جميلة : كالبشارة وغيرها وكذلك
    قوله تعالى { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } فظاهره والله أعلم
    - الحصر باعتبار من آثرها وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سببا إلى الخيرات ويكون ذلك من باب التغليب فإذا وردت هذه اللفظة فاعتبرها فإن دل السياق والمقصود من الكلام الحصر في شئ مخصوص : فقل به وإلا فاحمل الحصر على الإطلاق ومن هذا قوله صلى الله عليه و سلم [ إنما الأعمال بالنيات ] والمراد بالأعمال : الأعمال الشرعية
    ومعناه : لا يعتد بالأعمال بدون النية مثل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والإعتكاف وسائر العبادات
    فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى نية لأنها من باب الترك
    والترك لا يحتاج إلى نية وذهب جماعة إلى صحة الوضوء والغسل
    بغير نية وفي قوله صلى الله عليه و سلم [ إنما الأعمال بالنيات ]
    محذوف واختلف العلماء في تقديره : فالذين اشترطوا النية قدروا
    : صحة الأعمال بالنيات والذين لم يشترطوها قدروا :
    كمال الأعمال بالنيات
    وقوله [ وإنما لكل امرئ ما نوى ] قال الخطابي يفيد معنى خاصا
    غير الأول وهو تعيين العمل بالنية وقال الشيخ محي الدين النووي
    فائدة ذكره : أن تعيين المنوى شرط فلو كان على إنسان صلاة مقضية
    لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما ولو لا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين
    أو أهم ذلك والله أعلم
    وقوله [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ] المتقرر عند أهل العربية : أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد أن يتغايرا وههنا قد وقع الإتحاد وجوابه [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ]
    نية وقصدا [ فهجرته إلى الله ورسوله ] حكما وشرعا
    وهذا الحديث ورد على سبب لأنهم نقلوا : أن رجلا هاجر من مكة
    إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها [ أم قيس ] لا يريد بذلك
    فضيلة الهجرة فكان يقال له [ مهاجر أم قيس ] والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الثاني
    [ عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال : بينما نحن جلوس عند
    رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل
    شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر
    ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
    فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال

    : يا محمد أخبرني عن الإسلام
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
    : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
    وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت
    إن استطعت إليه سبيلا قال : صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه
    قال : فأخبرني عن الإيمان
    قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
    واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره
    قال : صدقت
    قال : فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه
    فإن لم تكن تراه فإنه يراك
    قال : فأخبرني عن الساعة
    قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل
    قال : فأخبرني عن أماراتها
    قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء
    يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال يا عمر
    أتدري من السائل ؟
    قلت : الله ورسوله أعلم
    قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ] رواه مسلم

    هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة
    والباطنة وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه
    من جمعه علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة
    : أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء
    والملوك فإن جبريل أتى معلما للناسب بحاله ومقاله
    وقوله [ لا يرى عليه أثر السفر ] المشهور ضم الياء من [ يُرى ]
    مبنيا لما لم يسم فاعله ورواه بعضهم بالنون المفتوحة وكلاهما صحيح
    وقوله [ ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد ]
    هكذا هو المشهور الصحيح ورواه النسائي بمعناه وقال
    [ فوضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه و سلم ] فارتفع الإحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم فإنه قال فيه [ فوضع كفيه على فخذيه ]
    وهو محتمل وقد استفيد من هذا الحديث : أن الإسلام والإيمان
    حقيقتان متباينتان لغة وشرعا وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة
    وقد يتوسع فيهما الشرع فيطلق أحدهما على الآخر على سبيل التجوز
    قوله [ فعجبنا له يسأله ويصدقه ] إنما تعجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم لا يعرف إلى من جهته وليس هذا السائل
    ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه و سلم ولا بالسماع منه ثم هو
    قد سأل سؤال عارف محقق مصدق فتعجبوا من ذلك
    قوله [ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ] الإيمان بالله :
    هو التصديق بأنه سبحانه موجود موصوف بصفات الجلالة والكمال
    منزه عن صفات النقص وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيما يشاء يفعل في ملكه ما يريد
    والإيمان بالملائكة : هو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
    والإيمان برسل الله : هو أنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى
    أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن الله رسالاته
    وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله به وأنه بجب احترامهم
    وأن لا يفرق بين أحد منهم
    والإيمان باليوم الآخر : هو التصديق بيوم القيامة وما اشتمل عليه
    من الإعادة بعد الموت والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط
    والجنة والنار وأنهما دار ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين
    إلى غير ذلك مما صح من النقل
    والإيمان بالقدر : هو التصديق بما تقدم ذكره وحاصله ما دل عليه قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون } وقوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ونحو ذلك ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم في حديث ابن عباس

    [ واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ
    قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلى بشئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ]

    ومذهب السلف وأئمة الخلف : أن من صدق بهذه الأمور تصديقا
    جازما لا ريب فيه ولا تردد : كان مؤمنا حقا سواء كان ذلك عن
    براهين قاطعة أو عن اعتقادات جازمة
    وقوله في الإحسان [ أن تعبد الله كأنك تراه الخ ] حاصله راجع
    إلى إتقان العبادات ومراعاة حقوق الله ومراقبته
    واستحضار عظمته حال العبادات
    قوله [ فأخبرني عن أماراتها ] بفتح الهمزة والأمارة
    : العلامة و [ الأمة ] ههنا الجارية المستولدة و [ ربتها ] سيدتها
    وجاء في رواية [ بعلها ] وقد روي أن أعرابيا سئل عن هذه الناقة قال
    : أنا بعلها ويسمى الزوج : بعلا وهو في الحديث [ ربتها ]
    بالتأنيث واختلف في قوله [ أن تلد الأمة ربتها ] فقيل
    : المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري
    فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه وعلى هذا
    فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين
    وكثرة الفتوح والتسري وقيل : معناه أن تفسد أحوال الناس
    حتى يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ترددهن في أيدي المشترين
    فربما اشتراها ولدها ولا يشعر بذلك فعلى هذا الذي يكون من
    أشراط الساعة : غلبة الجهل بتحريم بيعهن وقيل معناه :
    أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته
    : من الإهانة والسب و [ العالة ] بتخفيف اللام : جمع عائل
    : وهو الفقير وفي الحديث كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل
    البناء وتشييده وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال
    : [ يؤجر ابن آدم في كل شئ إلا ما وضعه في هذا التراب ]
    ومات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يضع حجرا على حجر
    ولا لبنة على لبنة : أي لم يشيد بناءه ولا طوله ولا تأنق فيه
    وقوله [ رعاه الشاء ] إنما خص رعاء الشاء بالذكر لأنهم أضعف
    أهل البادية معناه أنهم من ضعفهم وبعدهم عن أسباب ذلك
    بخلاف أهل الإبل فإنهم في الغالب ليسوا عالة ولا فقراء
    وقوله [ فلبث مليا ] قد روي بالتاء يعني لبث عمر رضي الله عنه
    وروي [ فلبث ] بغير تاء يعني : أقام النبي صلى الله عليه و سلم
    بعد انصرافه وكلاهما صحيح المعنى وقوله [ مليا ] هو بتشديد الياء
    أي زمانا كثيرا وكان ذلك ثلاثا هكذا جاء مبينا في رواية أبي داود وغيره
    وقوله [ أتاكم يعلمكن دينكم ] أي قواعد دينكم أو كليات دينكم
    قاله الشيخ محي الدين في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم
    أهم ما يذكر في هذا الحديث بيان الإسلام والإيمان والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله تعالى وذكر في بيان الإسلام والإيمان كلاما طويلا وحكى فيه أقوال جماعة من العلماء منها ما حكاه عن الإمام أبي الحسين المعروف بابن بطال المالكي أنه قال : مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص بدليل قوله تعالى
    { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ونحوها من الآيات قال بعض العلماء
    : نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها قالوا : وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وبين أصل وضعه في اللغة وهذا الذي قاله هؤلاء
    وإن كان ظاهرا فالأظهر والله أعلم أن التصديق يزيد بكثرة النظر لظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان المصدقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا يغرنهم السفه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة منيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال فأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك وهذا لا يمكن إنكاره ولا يشك في نفس تصديق أبي بكر الصديق
    رضي الله عنه أن لا يساويه آحاد تصديق الناس ولهذا قال البخاري
    في صحيحه قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين رجلا من أصحاب
    رسول الله صلى الله عليه و سلم كلهم يخاف النفاق على نفسه
    ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهم السلام
    وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق
    ودلائله أكثر من أن تحصر قال الله تعالى
    { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم وحكي
    عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح في قوله صلى الله عليه و سلم
    [ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
    وتقيم الصلاة إلخ ] ثم فسر الإيمان بقوله
    [ أن تؤمن بالله تعالى وملائكته إلخ ] قال رحمه الله :
    هذا بيان أصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان أصل الإسلام وهو الإستسلام والإنقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ثبت في الشهادتين وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يصح استسلامه ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان
    ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشئ مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بنية وكذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه و سلم

    [ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق
    حين يسرق وهو مؤمن ] واسم الإسلام يتناول أيضا
    ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات
    فإن ذلك كله استسلام قال : فخرج بما ذكرناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وقال : فهذا التحقيق واف بالتوفيق ونصوص الكتابة والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لمذهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الثالث
    [ عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول

    : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله
    وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت
    وصوم رمضان ] رواه البخاري ومسلم
    قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى : يعني أن هذه الخمس
    أساس دين الإسلام وقواعده التي عليها بني وبها يقوم وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه يظهر الدين ويقمع عناد الكافرين لأن هذه الخمس فرض دائم والجهاد من فروض الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات وقد وقع في بعض الروايات في هذا الحديث تقديم الحج على الصوم وهو وهم والله أعلم لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه عن ذلك وقد قدم الصوم على الحج وقال :
    [ هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ]
    وفي رواية لابن عمر [ بني الإسلام على أن تعبد الله وتكفر بما سواه
    وإقام الصلاة إلخ ] وفي رواية أخرى : أن رجلا قال لعبد الله بن عمر
    : ألا نغزو ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم
    يقول [ إن الإسلام بني على خمس ] ووقع في بعض الطرق
    [ على خمسة ] بالهاء وفي بعضها بلا هاء وكلاهما صحيح
    وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده
    فإنه قد جمع أركانه
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الرابع
    [ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال
    : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق

    : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة
    مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ
    فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات
    : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد
    فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة
    حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل
    بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار
    حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب
    فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ] رواه البخاري ومسلم
    قوله [ وهو الصادق المصدوق ] أي الصادق في قوله المصدوق
    فيما يأتيه من الوحي الكريم قال بعض العلماء :
    معنى قوله [ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ] أن المني يقع في
    الرحم متفرقا فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة
    وقد جاء عن ابن مسعود في تفسير ذلك : إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دما في الرحم فذلك جمعها وهو وقت كونها علقة قوله [ ثم يرسل إليها الملك ] يعني الملك الموكل بالرحم
    قوله [ وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة الخ ] ظاهر الحديث
    : أن هذا العامل كان عمله صحيحا وأنه قرب من الجنة بسبب عمله
    حتى بقي له على دخولها ذراع وإنما منعه من ذلك سابق القدر
    الذي يظهر عند الخاتمة فإذا الأعمال بالسوابق لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة جاء في الحديث [ إنما الأعمال بالخواتيم ]
    يعني عندنا بالنسبة إلى اطلاعنا في معنى الأشخاص وفي بعض الأحوال
    وأما الحديث الذي ذكره مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان
    : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
    [ إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ] فإنه لم يكن عمله صحيحا في نفسه وإنما كان رياء وسمعة فيستفاد من ذلك الحديث ترك الإلتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته وقوله قبل ذلك [ ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ] هو بالباء الموحدة في أوله على البدل من [ أربع كلمات ]
    وقوله [ شقي أو سعيد ] مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره
    : وهو شقي أو سعيد
    وقوله صلى الله عليه و سلم [ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة إلى قوله : فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ]
    المراد : أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم وذلك من لطف الله سبحانه وسعة رحمته فإن إنقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير وأما إنقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ولله الحمد والمنة على ذلك وهو تجوز وقوله [ إن رحمتي سبقت غضبي ] وفي رواية [ تغلب غضبي ] وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها قال الله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء قال الإمام السمعاني : سبيل معرفة هذا الباب :
    التوفيق من الكتابة والسنة دون محض القياس ومجر العقول فمن عدل عن التوفيق منه ضل وتاه في مجال الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص سبحاه به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجب علينا أن نقف حيث حد لنا فلا نتجاوزه وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم فلا يعلمه ملك ولا نبي مرسل وقيل : إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل ذلك وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالا على ما سبق من القدر بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث
    وقال الله تعالى : { فسنيسره لليسرى } { فسنيسره للعسرى }
    قال العلماء : وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه : كل ذلك مما يجب الإيمان به وأما كيفية ذلك وصفته فعلمه إلى الله تعالى
    { لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الخامس
    [ عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت
    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ] رواه البخاري ومسلم

    وفي رواية لمسلم [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ]

    قال أهل اللغة : الرد هنا بمعنى المردود : أي فهو باطل غير معتد به
    وقوله [ ليس عليه أمرنا ] يعنى حكمنا

    هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين وهو من جوامع الكلم التي أوتيها المصطفى صلى الله عليه و سلم فإنه صريح في رد كل بدعة
    وكل مخترع ويستدل به على إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها واستدل بعض الأصوليين على أن النهي يقتضي الفساد والرواية الأخرى وهو قوله [ من عمل عملا ليس عليه أمر نا فهو رد ]
    صريحة في ترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه
    قد يحتج به بعض المعاندين إذا فعل البدعة فيقول :
    ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية
    وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته واستعماله في إبطال المنكرات
    فإنه يتناول ذلك كله فأما تفريغ الأصول التي لا تخرج عن السنة
    فلا يتناولها هذا الرد ككتابة القرآن العزيز في المصاحف
    وكالمذاهب التي عن حسن نظر الفقهاء المجتهدين يردون الفروع
    إلى الأصول التي هي قول رسول الله صلى الله عليه و سلم وكالكتب الموضوعة في النحو والحساب والفرائض وغير ذلك من العلوم مما مرجعه ومبناه على أقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم وأوامره
    فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث السادس
    [ عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال
    : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول

    : إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات
    لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ
    لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام
    كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا
    وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه
    ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
    وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ]
    رواه البخاري ومسلم

    هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة قال أبو داود السجستاني : الإسلام يدور على أربعة أحاديث ذكر منها هذا الحديث وأجمع العلماء على عظيم موقعه وكثير فوائده
    قوله [ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ]
    يعني أن الأشياء ثلاثة أقسام : فما نص الله على تحليله فهو الحلال
    كقوله تعالى { أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وكقوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم }
    ونحو ذلك وما نص الله على تحريمه فهو الحرام البين مثل
    قوله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم }
    { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما }
    وكتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وكل ما جعل الله فيه
    حدا أو عقوبة أو وعيدا فهو حرام وأما الشبهات فهي كل
    ما تتنازعه الأدلة من الكتاب والسنة وتتجاذبه المعاني فالإمساك عنه
    ورع وقد اختلف العلماء في المشتبهات التي أشار إليها
    النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث فقالت طائفة
    : هي حرام لقوله [ استبرأ لدينه وعرضه ] قالوا :
    ومن لم يستبرئ لدينه وعرضه فقد وقع في الحرام وقال الآخرون
    : هي حلال بدليل قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث
    [ كالراعي يرعى حول الحمى ] فيدل على أن ذلك حلال وأن تركه ورع وقالت طائفة أخرى : المشتبهات المذكور في هذا الحديث لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام فإنه صلى الله عليه و سلم جعلها بين الحلال البين والحرام البين فينبغي أن نتوقف عنها وهذا من باب الورع أيضا وقد ثبت في حديث الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص عبد بن زمعة في غلام فقال سعد
    : يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه إبنه أنظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فرأى شبها بينا بعتبة
    فقال
    [ هو لك ياعبد بن زمعة
    الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة ]
    فلم تره سودة قط فقد حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم
    بالولد للفراش وأنه لزمعة على الظاهر وأنه أخو سودة
    زوج النبي صلى الله عليه و سلم لأنها بنت زمعة وذلك على سبيل
    التغليب لا على سبيل القطع ثم أمر سودة بالإحتجاب منه للشبهة
    الداخلة عليه فاحتاط لنفسه وذلك من فعل الخائفين
    من الله عز و جل إذ لو كان الولد ابن زمعة في علم الله عز و جل
    لما أمر سودة بالإحتجاب منه كما لم يأمرها بالإحتجاب من سائر إخوانها : عبد وغيره وفي حديث عدى بن حاتم أنه قال
    : يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي عليه فأجد معه على الصيد كلبا آخر قال [ لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ]
    فأفتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشبهة أيضا خوفا من أن يكون الكلب الذى قتله غير مسمى عليه فكأنه أهل لغير الله به وقد قال الله تعالى في ذلك { وإنه لفسق } فكان في فتياه صلى الله عليه و سلم دلالة على الإحتياط في الحوادث والنوازل المحتملة للتحليل والتحريم لاشتباه أسبابها وهذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ] وقال بعض العلماء : المشتبهات ثلاثة أقسام : منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا ؟ كالذى يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا شك في ذكاته لم يزل التحريم إلا بيقين الذكاة والأصل في ذلك حديث عدي المتقدم ذكره وعكس ذلك أن يكون الشئ حلالا فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها أو أمة فيشك في عتقها فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم تحريمه والأصل في هذا الحديث عبدالله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد أن تيقن الطهارة القسم الثالث أن يشك في شئ فلا يدري أحلال أم حرام ؟ ويحتمل الأمرين جميعا ولا دلالة على أحدهما فالأحسن التنزه كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم في التمرة الساقطة حين وجدها في بيته فقال [ لو لا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ] وأما إن جوز نقيض ما ترجح عنده بأمر موهوم لا أصل له كترك استعمال ماء باق على أوصافه مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه أو كترك الصلاة في موضع لا أثر فيه مخافة أن يكون فيه بول قد جف أو كغسل ثوب مخافة إصابة نجاسة لم يشاهدها ونحو ذلك فهذا يجب أن لا يلتفت إليه فإن التوقف لأجل التجويز هوس والورع منه وسوسة شيطان
    إذ ليس فيه من معنى الشبهة شئ والله أعلم
    وقوله صلى الله عليه و سلم [ لا يعلمهن كثير من الناس ]
    أي لا يعلم حكمهن من التحليل والتحريم وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة لترددها بين أمور محتملة فإذا علم بأي أصل يلتحق زال كونها شبهة وكانت إما من الحلال أو من الحرام وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها يدل عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس
    وقوله [ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ]
    مما يشتبه وأما قوله [ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ]
    فذلك يكون بوجهين أحدهما : أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم : الصغيرة تجر الكبيرة والكبيرة تجر الكفر
    وكما روي [ المعاصي بريد الكفر ] الوجه الثاني : أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه لفقدان نور العلم ونور الورع فيقع في الحرام وهو لا يشعر به وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه إلى تقصير وقوله صلى الله عليه و سلم [ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ] هذا مثل ضربه لمحارم الله عز و جل وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها ويخرج بالتوعد بالعقوبة لمن قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته عن ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه لأنه قد تنفرد الفاذة وتشذ الشاذة ولا ينضبط فالحذر : أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة يأمن فيها وقوع ذلك وهكذا محارم الله عز و جل من القتل والربا والسرقة وشرب الخمر والقذف والغيبة والنميمة ونحو ذلك : لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها : و [ يوشك ] بكسر الشين مضارع ( أوشك ) بفتحها وهي من أفعال المقاربة و [ يرتع ] بفتح التاء معناها : أكل الماشية من المرعى وأصله إقامتها فيه وبسطها في الأكل وقوله صلى الله عليه و سلم [ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ] الحديث و ( المضغة ) القطعة من اللحم وهي قدر ما يمضغه الماضغ يعني بذلك صغر جرمها وعظيم قدرها و [ صلحت ] وريناه بفتح اللام و [ القلب ] في الأصل مصدر وسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الأعضاء لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه
    وأنشد بعضهم في هذا المعنى :
    ( ما سمي القلب إلى من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل )
    وخص الله تعالى جنس الحيوان بهذا العضو وأودع فيه تنظيم المصالح المقصودة فتجد البهائم على اختلاف أنواعها تدرك به مصالحها وتميز به مضارها من منافعها ثم خص الله نوع الإنسان من سائر الحيوان بالعقل وأضافه إلى القلب فقال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها } وقد جعل الله الجوارح مسخرة له ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على معناه : إن خيرا فخير وإن شرا فشر
    فإذا فهمت هذا ظهر لك قوله صلى الله عليه و سلم [ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ] نسأل الله العظيم أن يصلح فساد قلوبنا يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث السابع
    [ عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الدين النصيحة قلنا : لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] رواه مسلم
    ليس لتميم الداري رضي الله عنه غير هذا الحديث و [ النصيحة ] كلمة جامعة معناها إرادة جملة الخير وحيازة لحظ المنصوح له وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة وكما قالوا في الفلاح : ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منها
    ومعنى قوله [ الدين النصيحة ] أي عماد الدين وقوامه : النصيحة كقوله [ الحج عرفة ] أي عماده ومعظمه
    وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقال الخطابي وغيره من العلماء : النصيحة لله تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد وصفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه عن جميع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به والإعتراف بنعمته والشكر عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف بالناس قال الخطابي : وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فإن الله سبحانه غني عن نصح الناصح
    وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فبالإيمان أن كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شئ من كلام الناس ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والإعتبار بمواضعه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته
    وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه و سلم : فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيا وميتا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه وإعظام حقه وتوقيره وإحياء طريقته وسنته وإجابة دعوته ونشر سنته ونفي التهمة عنها واستئثار علومها والتفقه في معانيها والدعاء إليها والتلطف في تعليمها وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم وإجلال أهلها لانتسابهم إليها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك
    وأما النصيحة لأئمة المسلمين : فمعاونتهم على الحق وطاعتهم وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه وتبليغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم بالسيف وتأليف قلوب الناس لطاعتهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأن يدعو لهم بالصلاح
    وأما نصيحة عامة المسلمين - وهم من عدا ولاة الأمر - فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة والله أعلم
    والنصيحة فرض كفاية إذا قام بها من يكفى سقط عن غيره وهي لازمة على قدر الطاقة والنصيحة في اللغة : الإخلاص يقال : نصحت العسل إذا صفيته وقيل غير ذلك والله أعلم وتأليف قلوب الناس لطاعتهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأن يدعو لهم بالصلاح
    وأما نصيحة عامة المسلمين - وهم من عدا ولاة الأمر - فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة والله أعلم
    والنصيحة فرض كفاية إذا قام بها من يكفى سقط عن غيره وهي لازمة على قدر الطاقة والنصيحة في اللغة : الإخلاص يقال : نصحت العسل إذا صفيته وقيل غير ذلك والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الثامن
    [ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة : فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ] رواه البخاري ومسلم
    هذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين وقد روى هذا الحديث أنس وقال [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ] وجاء في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به ] وذلك موافق لرواية عمر في المعنى
    وأما معاني هذا الحديث فقال العلماء بالسير : لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب عزم أبو بكر على قتالهم وكان منهم من منع الزكاة ولم يكفر وتأول في ذلك فقال له عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلى الله وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله ] إلى آخر الحديث فقال الصديق : إن الزكاة حق المال وقال : والله لو منعوني عناقا - وفي رواية : عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلهم على منعه فتابعه عمر على قتال القوم
    قوله [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ]
    قال الخطابي وغيره : المراد بهذا أهل الأوثان ومشركو العرب ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب ومن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده وكذلك جاء في الحديث الآخر [ وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ] وقال الشيخ محي الدين النووي : ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ] ومعنى قوله [ وحسابهم على الله ] أي فيما يسترونه ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة ذكر ذلك الخطابي
    قال : وفيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر أهل العلم وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل وهي رواية عن الإمام أحمد وفي قوله [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ] دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في نحو أهل القبلة وهذا خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل لأن النبي صلى الله عليه و سلم اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيح يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي والله أعلم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث التاسع
    [ عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ] رواه البخاري ومسلم
    لفظ هذا الحديث في كتاب مسلم عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ يا أيها الناس قد فرض الله الحج عليكم فحجوا ] فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال النبي صلى الله عليه و سلم
    [ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ] ثم قال
    [ ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم
    واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فائتوا منه ما استطعتم
    وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ] والرجل الذي سأله هو الأقرع بن حابس
    : كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية واختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي التكرار ؟ فاختار أكثر الفقهاء والمتكلمين أنه لا يقتضي التكرار وقال آخرون : لا يحكم باقتضائه ولا منعه بل يتوقف فيما زاد على مرة على البيان وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف : فإنه سأل فقال : أكل عام ؟ ولو كانت مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يقل له النبي صلى الله عليه و سلم [ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ] بل ولم يكن حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع وأما قوله
    [ ذروني ما تركتكم ] فهو ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار
    ويدل هذا اللفظ أيضا على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع وهو الصحيح عند كثير من الأصوليين وقوله [ لو قلت نعم لوجبت ]
    دليل للمذهب الصحيح في أنه صلى الله عليه و سلم كان له أن يجتهد
    في الأحكام وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي وقوله
    صلى الله عليه و سلم [ وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ]
    هذا من قواعد الإسلام المهمة ومما أوتيه صلى الله عليه و سلم من جوامع الكلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة إذا عجز عن بعض أركانها أوبعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء غسل الممكن وكذلك إذا وجبت فطرة جماعة ممن يلزمه نفقتهم وكذلك أيضا في إزالة المنكرات إذا لم يمكنه إزالة جميعها فعل الممكن وأشباه ذلك مما لا ينحصر وهو مشهور في كتب الفقه وهذا الحديث كقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم }
    وأما قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته }
    فقيل منسوخة بقوله : { اتقوا الله ما استطعتم }
    قال بعضهم : والصحيح أنها ليست منسوخة بها بل هي مفسرة لها ومبينة للمراد منها قالوا : وحق تقاته وهو امتثال أمره واجتناب نواهيه والله سبحانه
    لم يأمر إلا بالمستطاع فإن الله تعالى قال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }
    وقال تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وأما قوله
    عليه الصلاة و السلام [ وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ] فهذا على إطلاقه
    لكن إن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة ونحوه فهذا لا يكون
    منهيا عنه في هذا الحال وأما في غير حال العذر فلا يكون ممتثلا
    لمقتضى النهي حتى يترك كل ما نهى عنه ولا يخرج عنه بترك فعل واحد بخلاف الأمر وهذا الأصل إذا فهم فهو مسألة مطلق الأمر : هل يحمل
    على الفور أو على التراخى على المرة الواحدة أو التكرار ؟
    ففى هذا الحديث أبواب من الفقه والله أعلم
    وقوله [ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ]
    وذكر ذلك بعد قوله [ ذرنى ما تركتكم ] أراد : لاتكثروا السؤال فربما يكثر الجواب عليه فيضاهي ذلك قصة بنى إسرائيل لما قيل لهم [ اذبحوا بقرة ]
    فإنهم لو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ وبادر إلى ذبح أي بقرة كانت أجزأت عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشددوا شدد عليهم وذموا على ذلك
    فخاف النبى صلى الله عليه و سلم مثل ذلك على أمته
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    يُــــــتــــــــبــــع

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عدل سابقا من قبل سيداحمدالعطار في الأحد 26 أغسطس 2012, 4:02 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 802
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: رد: شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد   الأحد 26 أغسطس 2012, 3:52 pm

  • الحديث العاشر
    [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين
    بما أمر به المرسلين فقال تعالى
    { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا }
    وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }
    ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء
    : يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ] رواه مسلم
    قيل [ الطيب ] في صفات الله بمعنى المنزه عن النقائص
    وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام
    وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهى عن الإنفاق من غيره وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغى أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه وأن من أراد الدعاء كان أولى بالإعتناء بذلك من غيره وفيه أن العبد إذا أنفق نفقة طيبة فهي التي تزكو وتنمو وأن الطعام اللذيذ غير المباح يكون وبالا على آكله ولا يقبل الله عمله
    وقوله [ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ] إلى آخره
    : معناه - والله أعلم - يطيل السفر في وجوه الطاعات : لحج وجهاد
    وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه
    ومشربه وملبسه حراما فكيف هو بمن هو منهمك في الدنيا أو في
    مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخيرات ؟ !
    وقوله [ يمد يديه ] أى يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه قوله
    [ وغذي بالحرام ] هو بضم الغين المعجمة وتخفيف الذال المكسورة
    وقوله [ فأنى يستجاب له ؟ ] وفي رواية [ فأنى يستجاب لذلك ]
    يعني من أين يستجاب لمن هذه صفته فإنه ليس أهلا للإجابة
    لكن يجوز أن يستجيب الله تعالى له تفضلا ولطفا وكرما والله أعلم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الحادي عشر
    [ عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب
    سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال :

    حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ]

    رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي : حديث حسن صحيح
    قوله [ يريبك ] يروى بفتح الياء وضمها والفتح أفصح وأشهر ويجوز الضم يقال : رابنى الشئ وأرابنى ومعناه : أترك ما شككت فيه واعدل إلى ما لا تشك فيه هذا راجع إلى معنى الحديث السادس وهو قوله [ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ] وقد جاء في حديث آخر أن النبى صلى الله عليه و سلم قال [ لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس ] وهذه درجة أعلى من ذلك
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الثانى عشر
    [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ]

    حديث حسن رواه الترمذي وغيره وهكذا
    وقد رواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وصحح طرقه ثم قال في الحديث : هذا من الكلام الجامع للمعانى الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة ونحو ذلك قول أبي ذر في بعض حديثه : ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه فيما يعنيه وذكر مالك أنه بلغه أنه قيل للقمان : ما بلغ بك ما نرى - يريدون الفضل - ؟ فقال : صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنينى
    وروي عن الحسن قال : من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه قال : قال أبو داود : أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث وذكر منها هذا الحديث
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الثالث عشر
    [ عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم
    رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
    عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

    لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ]

    رواه البخاري ومسلم
    هكذا جاء في صحيح البخارى [ لأخيه ] من غير شك وجاء في
    صحيح مسلم [ حتى لأخيه - أو لجاره ] على الشك
    قال العلماء يعني لا يؤمن من الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة والمراد : يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائى : [ حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ]
    قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شئ من النعمة وذلك سهل قريب على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين
    وقال أبو الزناد : ظاهر هذا الحديث التساوى وحقيقته التفضيل لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ؟ فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة
    ويحكى أن الفضيل بن عياض قال لسفيان بن عيينة : إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك فما أديت لله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك ؟
    وقال بعض العلماء : في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة فينبغى أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث إنهما نفس واحدة كما جاء في الحديث الآخر

    [ المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الرابع عشر
    [ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال

    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس
    والتارك لدينه المفارق للجماعة ] رواه البخاري ومسلم

    وفي بعض الروايات المتفق عليها
    [ لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث ] فقوله [ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ]
    كالتفسير لقوله [ مسلم ] وكذا قوله [ المفارق للجماعة ]
    كالتفسير لقوله [ التارك لدينه ] وهؤلاء الثلاثة مباحو الدم بالنص والمراد بالجماعة : المسلمون وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهي سبب لإباحة دمه
    وقوله : [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] عام في كل مرتد عن الإسلام
    بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام
    قال العلماء : ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي
    أو غيرهما والله أعلم
    والظاهر أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في دفع أذاه وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة ويكون المراد : لا يحل تعمد قتله قصدا إلا في هؤلاء الثلاثة والله أعلم
    وقد استدل بعضهم على أن تارك الصلاة يقتل لتركها لأن تركها يسمى من هذه الثلاثة وفي المسألة خلاف بين العلماء : منهم من يكفر تارك الصلاة ومنهم من لا يكفره واستدل بعض من يكفره بالحديث الآخر
    وهو قوله صلى الله عليه و سلم

    : [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله
    ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ]

    قال : فوجه الدليل أنه وقف العصمة على مجموع الشهادتين وإقام الصلاة
    وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل إلا بمجموعها وينتفى بانتفائها وهذا إن قصد به الإستدلال بالمنطوق - وهو قوله
    : [ أمرت أن أقاتل الناس الخ ] فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية
    - فقد ذهل وسهى لأنه فرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه فإن المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة وجوب القتل عليها إذا تركها من غير أن يقاتلنا والله أعلم
    وقوله [ الثيب الزاني ] هو المحصن ويدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني الرجم بشروطه المذكورة في أبواب الفقه وقوله [ النفس بالنفس ] موافق لقوله تعالى
    { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ويعني به النفوس المكتافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله صلى الله عليه و سلم [ لا يقتل مسلم بكافر ]
    وكذلك الحرية شرط في المكافأة عند مالك والشافعي وأحمد وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمى وأن الحر يقتل بالعبد وقد يستدلون
    بهذا الحديث والجمهور على خلاف ذلك
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث الخامس عشر
    [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
    أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

    : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
    ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره
    ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ] رواه البخاري ومسلم

    قوله [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ] يعني من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله [ فليقل خيرا أو ليصمت ]
    لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه وأهم ما عليه من ذلك : ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو مسئول عنها كما قال تعالى { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } وقال تعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }
    وآفات اللسان كثيرة
    وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم

    [ هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ]

    وقال :
    [ كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى وأمر بمعروف ونهي عن منكر ]
    فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو يسكت
    قال بعض العلماء : جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث : ذكر منها قوله صلى الله عليه و سلم [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ] قال أهل اللغة : يقال صمت يصمت - بضم الميم - صمتا وصموتا وصماتا وقال بعضهم في معنى هذا الحديث : إذا أراد الإنسان أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه فليتكلم وإلا فليمسك عن الكلام سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة أن ينجر إلى المحرم أو المكروه وقد يقع ذلك كثيرا

    قال الله تعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }

    واختلف العلماء في أنه هل يكتب على الإنسان جميع ما يلفظ به وإن كان مباحا أو لا يكتب عليه إلى ما فيه الجزاء من ثواب أو عقاب ؟ وإلى القول الثاني ذهب ابن عباس وغيره فعلى هذا تكون الآية الكريمة مخصوصة أي : ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء
    وقوله صلى الله عليه و سلم [ فليكرم جاره فليكرم ضيفه ]
    فيه تعريف لحق الجار والضيف وبرهما وحث على حفظ الجوارح وقد أوصى الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الجار وقال صلى الله عليه و سلم
    [ ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ]
    والضيافة من الإسلام وخلق النبيين والصالحين وقد أوجبها بعض العلماء وأكثرهم على أنها من مكارم الأخلاق وقال صاحب الإفصاح : في هذا الحديث من الفقه أن يعتقد الإنسان أن إكرام الضيف عبادة لا ينقصها أن يضيف غنيا ولا يغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسر مما عنده فإكرامه أن يسارع إلى البشاشة في وجهه ويطيب الحديث له وعماد أمر الضيافة إطعام الطعام فينبغي أن يبادر بما فتح الله من غير كلفة وذكر كلاما في الضيافة ثم قال : وأما قوله
    [ فليقل خيرا أو ليصمت ] فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت والصمت خير من قول الشر وذلك أنه أمره بلام الأمر لقول الخير وبدأ به على الصمت ومن قول الخير : الإبلاغ عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم وتعليم المسلمين والأمر بالمعروف عن علم وإنكار المنكر عن علم والإصلاح بين الناس وأن يقول للناس حسنا ومن أفضل الكلمات
    كلمة حق عند من يخاف ويرجى في ثبات وسداد
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث السادس عشر
    [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي
    صلى الله عليه وآله وسلم
    : أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب ]
    رواه البخاري

    قال صاحب الإفصاح :
    من الجائز أن النبي صلى الله عليه و سلم علم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية وقد مدح النبي صلى الله عليه و سلم الذي يملك نفسه عند الغضب فقال
    [ ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ]
    ومدح الله تعالى الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وقد روي عن
    النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال
    [ من كظم غيظه وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله عز و جل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره من الحور ما شاء ]
    وقد جاء في الحديث [ إن الغضب من الشيطان ] ولهذا يخرج به الإنسان من اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويرتكب المذموم وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك من القبائح المحرمة كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه وقد جاء في حديث سليمان بن صرد [ إن الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب ]
    وذلك أن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل من حرص على
    ما تحمد عاقبته فإنه الشيطان يغويه ويبعده من رضى الله عز و جل
    فالإستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الحديث السابع عشر
    [ عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

    إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ] رواه مسلم

    [ القتلة ] بكسر القاف : وهي الهيئة والحالة و [ الذبحة ]
    بكسر الذال ويضم وقد جاء في بعض رويات هذا الحديث
    [ فأحسنوا الذبح ] بغير هاء وهو بالفتح : مصدر وبالهاء والكسر
    : الهيئة والحالة وقوله [ وليحد أحدكم شفرته ] هو بضم الياء من أحد يقال
    : أحد السكين وحدها وإستحدها قوله [ فأحسنوا القتلة ] عام في القتل من الذبائح والقتصل قصاصا أو في حد ونحو ذلك وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة ومعنى إحسان القتل : أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب وإحسان الذبح في البهائم : أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها إلى القبلة ويسمى ويحمد ويقطع الحلقوم والودجين ويتركها إلى أن تبرد والإعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الثامن عشر
    [ عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل
    رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    قال : إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ] رواه الترمذي وقال : حديث حسن وفي بعض النسخ : حسن صحيح

    مناقب أبي ذر كثيرة أسلم ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة وأمره أن يلحق بقومه فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم

    [ إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ]
    وهذا موافق لقوله تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات }
    وقوله [ وخالق الناس بخلق حسن ] معناه : عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به واعلم أن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ]
    وحسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين
    : لا يجزون بالسيئة السيئة بل يعفون ويصفحون ويحسنون مع الإساءة إليهم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث التاسع عشر
    [ عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال

    : كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال

    يا غلام إني أعلمك كلمات : إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ]
    رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

    وفي رواية غير الترمذي [ إحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ]
    مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر
    وقد دعا له النبي صلى الله عليه و سلم فقال
    [ اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ] ودعا له بأن يؤتى الحكمة مرتين
    وثبت عنه أن رأى جبريل مرتين وهو بحر هذه الأمة وحبرها
    : وقد رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم أهلا للوصية مع صغره فقال له
    [ إحفظ الله يحفظك ] ومعناه : كن مطيعا لربك مؤتمرا بأوامره منتهيا عن نواهيه وقوله [ إحفظ الله تجده تجاهك ] أي اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا : أنظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم فذكر كل واحد منهم سابقة سبقت له مع ربه فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح وقوله صلى الله عليه و سلم [ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ]
    أرشده إلى التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إليها سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قل منها وما كثر وقال الله تعالى
    { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } فبقدر ما يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أوبقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فقال
    [ واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ] وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والإستعانة به ؟ وكذلك إجابة الخليل عليه الصلاة و السلام جبريل عليه السلام حين سأله وهو في الهواء : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا وقوله [ رفعت الأقلام وجفت الصحف ]
    هذا تأكيد أيضا لما تقدم : أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل
    ثم قال
    [ واعلم أن النصر مع الصبروأن الفرج مع الكرب وأن مع العسريسرا ]
    فنبهه على أن الإنسان في الدنيا - ولا سيما الصالحون - معرضون للمصائب لقوله عز و جل { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة
    قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
    وأولئك هم المهتدون } وقال تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث العشرون
    [ عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال

    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
    : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى
    : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ] رواه البخاري

    معنى قوله [ من كلام النبوة الأولى ] أن الحياء لم يزل ممدوحا مستحسنا مأمورا به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين وقوله [ فاصنع ما شئت ] فيه وجهان أحدهما : أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به الأمر كقوله [ اعملوا ما شئتم ] فإنه وعيد : لأنه قد بين لهم ما يأتونه وما يتركون وكقول النبي صلى الله عليه و سلم [ من باع الخمر فليشقص الخنازير ] لم يكن في هذا إباحة تشقيص الخنازير الوجه الثاني : أن معناه : ائت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله ونحو هذا قوله صلى الله عليه و سلم
    [ الحياء من الإيمان ] معناه : أنه لما كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك والله أعلم
    ــــ
    يـُـــــتــــبع

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عدل سابقا من قبل سيداحمدالعطار في الأحد 26 أغسطس 2012, 4:31 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 802
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: رد: شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد   الأحد 26 أغسطس 2012, 4:07 pm

  • الحديث الحادي والعشرون
    [ عن أبي عمرو - وقيل أبي عمرة - سفيان ابن عبد الله رضي الله عنه قال :

    قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه أحدا غيرك

    قال قل آمنت بالله ثم استقم ] رواه مسلم

    معنى قوله [ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك ]
    أي علمني قولا جامعا لمعاني الإسلام واضحا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأتقي به فأجابه صلى الله عليه و سلم بقوله
    [ قل آمنت بالله ثم استقم ] هذا من جوامع الكلم التي أوتيها
    صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه بلسانه متذكرا بقلبه وأمره أن يستقيم على أعمال الطاعات والإنتهاء عن جميع المخالفات : إذ لا تأتي الإستقامة مع شئ من الإعوجاج فإنها ضده وهذا كقوله تعالى :
    { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } الآية : أي آمنوا بالله وحده ثم استقاموا على ذلك وعلى الطاعة إلى أن توفاهم الله عليها

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب ومعناه : اعتدلوا على أكثر طاعة الله عقدا وقولا وفعلا وداموا على ذلك وهذا معنى قوله أكثر المفسرين وهي معنى الحديث

    إن شاء الله تعالى وكذلك قوله سبحانه { فاستقم كما أمرت } قال ابن عباس
    : ما نزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية لذلك قال صلى الله عليه و سلم :

    [ شيبتني هود وأخواتها ] قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى رحمه الله تعالى : الإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده قال : وقيل الإستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسول والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال النبى صلى الله عليه و سلم : [ استقيموا ولن تحصوا ] وقال الواسطي : الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن : الإستقامة والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الثانى والعشرون
    [ عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما

    أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال
    : أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة ؟ قال نعم ] رواه مسلم

    ومعنى حرمت الحرام : اجتنبته ومعنى أحللت الحلال : فعلته معتقدا حله
    ومعنى [ حرمت الحرام ] : اجتنبته ومعنى [ أحللت الحلال ]
    : فعلته معتقدا حله
    هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل - بقافين مفتوحتين
    - قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى :
    الظاهر أنه أراد بقوله [ وحرمت الحرام ] أمرين أحدهما
    : أن يعتقد كونه حراما والثاني : أن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالا قال صاحب المفهم : لم يذكر النبى صلى الله عليه و سلم للسائل في هذا الحديث شيئا من التطوعات على الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يفعل شيئا فقد فوت على نفسه ربحا عظيما وثوابا جسيما ومن داوم على ترك شئ من السنن كان ذلك نقصا في دينه وقدحا في عدالته كان تركه نهاونا ورغبة عنها كان ذلك فسقا يستحق به ذما قال علماؤنا : لو أن أهل بلدة تواطئوا على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا ولقد كان صدر الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابها وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما وإنما ترك النبى صلى الله عليه و سلم تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلا وتيسيرا لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرا له وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلا يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك وكذلك في الحديث الأخير : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة فأخبر أنها خمس فقال : هل علي غيرها ؟
    قال [ لا إلا أن تطوع ] ثم سأله عن الصوم والحج والشرائع فأجابه ثم قال في آخر ذلك : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال [ أفلح إن صدق ]
    - وفي رواية [ إن تمسك بما أمر به دخل الجنة ]
    وهذا يسمى - بمحافظته على فرائضه وإيقامها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها - فلاحا كثير الفلاح والنجاح وليتنا وفقنا كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها النوافل كان أكثر فلاحا منه وإنما شرعت لتتميم الفرائض فهذا السائل والذي قبله إنما تركهما النبى صلى الله عليه و سلم تسهيلا عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما
    ــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الثالث والعشرون
    [ عن أبي مالك الحارث بن الأشعري رضي الله عنه قال

    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو : فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ] رواه مسلم

    هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والدين أما الطهور فالمراد به هنا الفعل - وهو بضم الطاء - على المختار
    واختلف في معناه : فقيل : إن الأجر فيه ينتهى إلى نصف أجر الايمان وقيل : المراد بالإيمان هنا الصلاة قال تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم }
    والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا وقيل غير ذلك وأما قوله [ والحمد لله تملأ الميزان ]
    فمعناه : أنها لعظم أجرها تملأ ميزان الحامد لله تعالى وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها وكذلك قوله
    [ وسبحان الله والحمد لله تملآن - ما بين السماء والأرض ]
    وسبب عظم فضلها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى والإفتقار إليه
    وقوله [ تملآن أو تملأ ] ضبطه بعضهم بالتاء المثناة فوق وهو صحيح
    فالأول ضمير مثنى والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام
    وقال بعضهم : يجوز [ يملآن ] بالتذكير والتأنيث أما التأنيث فعلى ما تقدم
    وأما التذكير فعلى إرادة النوعين من الكلام وأما [ تملأ ]
    فيذكر على إرادة الذكر وأما قوله صلى الله عليه و سلم :
    [ والصلاة نور ] فمعناه أنها تمنع من المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به وقيل : معناه أن يكون آخرها نورا لصاحبها يوم القيامة وقيل : إنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة
    ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل والله أعلم
    وأما قوله صلى الله عليه و سلم : [ الصدقة برهان ]
    فقال صاحب التجريد : معناه أنه يفزع إليها كما يفزع للبراهين كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت له صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول : تصدقت به وقال غيره : معناه أن الصدقة حجة على إيمان فاعلها لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على قوة إيمانه والله أعلم
    وأما قوله صلى الله عليه و سلم [ والصبر ضياء ] فمعناه :
    الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر على معصيته والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئا به مهتديا مستمرا على الصواب
    قال إبراهيم الخواص : الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة وقيل
    : الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب
    وقال أبو علي الدقاق رحمه الله : الصبر : أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار البلاء على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في حق أيوب عليه السلام : { إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب } مع أنه قال
    : { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } والله أعلم
    وأما قوله صلى الله عليه و سلم [ والقرآن حجة لك أو عليك ]
    فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك
    وقوله [ كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ] معناه :
    أن كل إنسان يسعى لنفسه فمنهم من يبيعها لله بطاعته له فيعتقها من العذاب
    كما قال الله تعالى
    { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }
    ومن يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها أي يهلكها
    اللهم وفقنا للعمل بطاعتك وجنبنا أن نوبق أنفسنا بمخالفتك
    ـــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الرابع والعشرون
    [ عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي
    صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز و جل أنه قال

    يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا

    يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم

    ياعبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار

    إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم : يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار

    وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري

    فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم

    وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا

    : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل

    واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم

    وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته

    ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر

    يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا

    فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ] رواه مسلم

    قوله : [ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ]
    قال بعض العلماء : معناه لا ينبغي لي ولا يجوز علي كما قال تعالى
    : { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } فالظلم محال في حق الله تعالى
    قال بعضهم في هذا الحديث : لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى
    أن يحكم له على خصمه إلى بالحق بقوله سبحانه
    : [ إني حرمت الظلم على نفسي ] فهو سبحانه لا يظلم عباده
    فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره ؟ وكذلك قال [ فلا تظالموا ] المعنى : المظلوم يقتص له من الظالم وحذفت إحدى التاءين تخفيفا أصله
    : فلا تتظالموا وقوله : [ كلكم ضال إلا من هديته وكلكم عار إلا من كسوته
    وكلكم جائع إلا من أطعمته ] تنبيه على فقرنا وعجزنا
    عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك
    وهو يرجع إلى معنى : لا حول ولا قوة إلا بالله وليعلم العبد أنه
    إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكلما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى وقوله
    : [ فاستهدوني أهدكم ] أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول : إنما أوتيته على علم عندي وكذلك [ كلكم جائع ] إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الزرق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضا أدب للفقراء كأنه قال
    : لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم
    [ فاستطعموني أطعمكم ] وكذلك مابعده وقوله [ إنكم تخطئون بالليل والنهار ]
    في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك أن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيها غالبا من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار فإنه خلق مشهودا من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضا ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سرا أو جهرا لأنه سبحانه وتعالى قد قال بعد ذلك : [ وأنا أغفر الذنوب جمعيا ] فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف وأكدها بقوله
    [ جميعا ] وإنما قال ذلك قبل أمره إبانا بالإستغفار
    لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه
    قوله : [ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ]
    إلى آخره : فيه ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة لهم وأنها لا تزيد في ملكه شيئا وأما قوله :
    [ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ]
    إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب فإن ما عند الله لا ينقص وخزائنه لا تنفد فلا يظن ظان أن ما عند الله يغيضه الإنفاق كمال قال صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر
    [ يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ] وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى وقوله [ إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ]
    هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده
    والمعنى : أن ذلك لا ينقص مما عنده شيئا والمخيط - بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء - : هو الإبرة وقوله :
    [ إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ]
    يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق
    ويحمد الله على ذلك وقوله [ ومن وجد غير ذلك ] لم يقل ومن وجد شرا يعني : ومن وجد غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه أكد ذلك بالنون تجذيرا أن يخطر
    في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه والله أعلم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الخامس والعشرون
    [ عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا أن ناسا من أصحاب
    رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا للنبي
    صلى الله تعالى عليه وآله وسلم

    : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور
    : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم
    قال : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون
    : إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة
    وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة
    وفي بضع أحدكم صدقة قالوا
    : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟
    قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟
    فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ] رواه مسلم

    الدثور - بضم الدال - : جمع دثر بفتحها وهو المال الكثير وقوله
    : [ أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ] الرواية فيها بتشديد الصاد والدال
    جميعا ويجوز في اللغة تخفيف الصاد
    وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات وإنما تصير طاعات بالنيات الصادقات وفيه دليل على جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى علمه من الدليل إذا علم من حال المسؤول أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب وذكر العالم الدليل على بعض ما يخفى على السائل
    وقوله [ وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة ] إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد منه في التسبيح وما ذكر بعده : لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين بخلاف الأذكار التي تقع نوافل وأجر الفرائض أكثر من أجر النفل كما دل عليه قوله عز و جل
    [ وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه ] رواه البخاري
    قال بعض العلماء : يزيد ثواب الفرض على ثواب النفل سبعين درجة واستأنس له بحديث وأما قوله صلى الله عليه و سلم [ في بضع أحدكم صدقة ] هو بضم الباء ويطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه وكلاهما يصح إرادته ها هنا وقد تقدم أن المباحات تصير بالنيات طاعات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو زوجته أو غير ذلك من المقاصد الصالحة وقولهم : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال [ أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر ؟ ] إلى آخره : فيه جواز القياس وهو مذهب العلماء ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعهده الفقهاء المجتهدون وهذا القياس هو قياس العكس واختلف الأصوليون في العمل به والحديث دليل لمن عمل به
    ـــــــــــــــــــــــ
    الحديث السادس والعشرون
    [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
    كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس : تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة ] رواه البخاري ومسلم
    قوله : [ سلامى ] بضم السين المهملة وتخفيف اللام :
    وهي المفاصل والأعضاء وقد ثبت في صحيح مسلم أنها ثلاثمائة وستون
    قال القاضي عياض : وأصله عظام الكف والأصابع والأرجل ثم استعمل
    في سائر عظام الجسد ومفاصله
    قال بعض العلماء : المراد صدقة ترهيب وترغيب لا إيجاب وإلزام :
    وقوله : [ يعدل بين الإثنين صدقة ] أي يصلح بينهما بالعدل
    وفي حديث آخر من رواية مسلم [ يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزى من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ] أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث السابع والعشرون
    [ عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه
    عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

    قال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ] رواه مسلم
    وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال
    : [ أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : جئت تسأل عن البر ؟
    قلت : نعم وقال : إستفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ]
    حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدرامي بإسناد حسن
    قوله صلى الله عليه و سلم [ البر حسن الخلق ] يعني : أن حسن الخلق أعظم خصال البر كمال قال [ الحج عرفة ] أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار وهم المطيعون لله عز و جل
    والمراد بحسن الخلق : الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى فقال في سورة الأنفال
    { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون
    * أولئك هم المؤمنون حقا } وقال تعالى
    { التائبون العابدون الحامدون } إلى قوله { وبشر المؤمنين }
    وقال { قد أفلح المؤمنون } إلى قوله { أولئك هم الوارثون }
    وقال : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا }
    إلى آخر السورة فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميعها علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده ولا يظن ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط وأن من فعل ذلك فقد هذب خلفه بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق بأخلاقهم ومن حسن الخلق احتمال الأذى فقد ورد في الصحيحين : أن أعرابيا جذب برد النبي صلى الله عليه و سلم حتى أثرت حاشيته في عاتق النبي صلى الله عليه و سلم وقال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ضحك وأمر له بعطاء
    وقوله [ والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ] يعني : هو الشئ الذي يورث نقرة في القلب وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر : إن الإثم ما يحوك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس والمراد بالناس - والله أعلم - أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــــ
    الحديث الثامن والعشرون
    [ عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال

    : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا

    : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال أوصيكم بتقوى الله عز و جل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ]
    رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح

    وفي بعض طرق هذا الحديث : إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟
    قال [ لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ]
    قوله : موعظة بليغة : يعني بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا ووجلت منها القلوب : أي خافت وذرفت منها العيون : كأنه قام مقام تخويف ووعيد وقوله
    [ أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ] يعنى لولاة الأمور
    [ وإن تأمر عليكم عبد ] وفي بعض الروايات [ عبد حبشي ]
    قال بعض العلماء : العبد لا يكون واليا ولكن ضرب به المثل على التقدير
    وإن لم يكن كقوله صلى الله عليه و سلم
    [ من بنى لله مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ]
    ومفحص قطاة لا يكون مسجدا ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك
    ويحتمل أن النبي صلى الله عليه و سلم أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليبا لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة وقوله
    [ وإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا ]
    هذا من بعض معجزاته صلى الله عليه و سلم :
    أخبر أصحابه بما يكون بعده من الإختلاف وغلبة المنكر وقد كان عالما به على التفصيل ولم يكن بينه لكل أحد إنما حذر منه على العموم وقد بين ذلك لبعض الآحاد كحذيفة وأبي هريرة وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما
    وقوله [ فعليكم بسنتي ] السنة الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح [ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ] يعني الذين شملهم الهدى
    وهم الأربعة بالإجماع : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهما أجمعين وأمر صلى الله عليه و سلم بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين أحدهما : التقليد لمن عجز عن النظر والثاني :
    الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة
    وقوله [ وإياكم ومحدثات الأمور ] إعلم أن المحدث على قسمين
    : محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ ( المحدث ) ولفظ ( البدعة ) لا يذمان لمجرد الإسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقا فقد قال الله تعالى : { ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث }
    وقال عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه يعني التراويح وأما النواجذ فهي آخر الأضراس والله أعلم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحديث التاسع والعشرون
    [ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال
    : قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار

    قال : لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه

    : تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان

    وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ : الصوم جنة

    والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في

    جوف الليل ثم تلا : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }

    { حتى إذا بلغ } { يعملون } ثم قال
    ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟

    قلت : بلى يا رسول الله

    قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال

    : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله

    فأخذ بلسانه وقال كف عليك هذا قلت :

    يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال ثكلتك أمك

    وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم

    - إلا حصائد ألسنتهم ؟ ]

    رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح

    قوله صلى الله عليه و سلم :

    [ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه ]

    يعني على من وفقه الله له ثم أرشده لعبادته مخلصا له الدين
    : يعبد الله لا يشرك به شيئا ثم قال : [ وتقيم الصلاة ] إقامتها

    : الإتيان بها على أكمل أحوالها ثم ذكر شرائع الإسلام من الزكاة والصوم والحج ثم قال : [ ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة ] المراد بالصوم هنا
    : غير رمضان لأنه قد تقدم ومراده الإكثار من الصوم [ والجنة ] المجن أي الصوم سترة لك ووقاية من النار ثم قال : [ والصدقة تطفئ الخطيئة ]
    أراد بالصدقة هنا غير الزكاة ثم قال : [ وصلاة الرجل في جوف الليل ]
    ثم تلا : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون }
    معناه : أن من قام في جوف الليل وترك نومه ولذته وآثر على ذلك ما يرجوه من ربه فجزاؤه ما في الآية من قوله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } وقد جاء في بعض الأخبار : أن الله تعالى يباهي بقوام الليل في الظلام يقوم : [ إنظروا إلى عبادي وقد قاموا في ظلم الليل حيث لا يراهم أحد غيري : أشهدكم أني قد أبحتهم دار كرامتي ] ثم قال
    : [ ألا أخبرك برأس الأمر ] إلى آخره : جعل الأمر كالفحل من الإبل وجعل الإسلام رأس هذا الأمر ولا يعيش الحيوان بغير رأس ثم قال [ وعموده الصلاة ] عمود الشئ هو الذي يقيمه مما لا ثبات له في العادة بغير عمود وقوله
    : [ وذروة سنامه الجهاد ] وذروة كل شئ أعلاه وذورة سنام البعير : طرف سنامه والجهاد لا يقاومه شئ من الأعمال كما روى أبو هريرة قال
    : [ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال

    : دلني على عمل يعدل الجهاد قال ] لا أجده [ ثم قال ] هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر ؟
    [ فقال : ومن يستطيع ذلك ؟ ]
    وقوله : [ ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ ] قلت : بلى يا رسول الله قال
    : فأخذ بلسانه ثم قال : [ كف عليك هذا ] إلى آخره :
    حضه أولا على جهاد الكفر ثم نقله إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس
    وقمعها عن الكلام فيما يؤذيها ويرديها فإنه جعل أكثر دخول الناس النار بسبب ألسنتهم حيث قال : [ ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم ؟ ] وقد تقدم في الحديث المتفق عليه
    [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ]
    وفي حديث آخر [ من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ]

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عدل سابقا من قبل سيداحمدالعطار في الأحد 26 أغسطس 2012, 4:53 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 802
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: رد: شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد   الأحد 26 أغسطس 2012, 4:14 pm

الحديث الثلاثون
[ عن أبي ثعلبة الخشبي جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ] حديث حسن رواه الدارقطني وغيره
قوله [ فرض ] أي أوجب وألزم وقوله [ فلا تنتهكوها ] أي فلا تدخلوا فيها وأما النهي عن البحث عما سكت الله عنه فهو موافق لقوله صلى الله عليه و سلم [ ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ]
قال بعض العلماء : كانت بنو إسرائيل يسألون فيجابون ويعطون ما طلبوا حتى كان ذلك فتنة لهم وأدى ذلك إلى هلاكهم وكان الصحابة رضي الله عنهم قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلى فيما لا بد منه وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم فيسمعون ويعون
وقد بالغ قوم حتى قالوا : لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع وقد كان السلف يقولون في مثلها : دعوها حتى تنزل إلا أن العلماء لما خافوا ذهاب العلم : أصلوا وفرعوا ومهدوا وسطروا
واختلف العلماء في الأشياء قبل ورود الشرع بحكمها : أهل هي على الحظر أو على الإباحة أو الوقف ؟ على ثلاث مذاهب وذلك مذكور في كتب الأصول
ـــــــــــــــــــــــ
الحديث الحادي والثلاثون
[ عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدى رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس : فقال إزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ] حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة
اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حث على التقلل من الدنيا والزهد فيها وقال [ كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ] وقال [ حب الدنيا رأس كل خطيئة ] وفي حديث آخر [ إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه في الدنيا والآخرة والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة ]
واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية وأن الضيف مرتحل والعارية مردودة والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه و سلم السائل إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى وهو رضاه عنه فإن حب الله تعالى لعباده رضاه عنهم وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له وترك حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شئ يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا
وقال صلى الله عليه و سلم [ من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه شتت الله شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ] السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على بالية لا ينفد عذابها
ـــــــــــــــــــــــ
الحديث الثاني والثلاثون
[ عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال : لا ضرر ولا ضرار ] حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا ورواه مالك في الموطإ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها بعضا
اعلم أن من أضر بأخيه فقد ظلمه والظلم حرام كما تقدم في حديث أبي ذر [ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ] وقال النبي صلى الله عليه و سلم [ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ] وأما قوله [ لا ضرر ولا ضرار ]
فقال بعضهم : هما لفظان بمعنى واحد تكلم بهما جميعا على وجه التأكيد
وقال ابن حبيب : الضرر عند أهل العربية الإسم والضرار الفعل : فمعنى [ لا ضرار ] أي لا يدخل أحد على أحد ضررا لم يدخله على نفسه ومعنى [ لا ضرار ] لا يضار أحد بأحد
وقال المحاسني : الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وهذا وجه حسن
وقال بعضهم : الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك : والضرار : أن تضر من أضر بك من غير جهة الإعتداء بالمثل والإنتصار بالحق وهذا نحو قوله صلى الله عليه و سلم [ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ] وهذا معناه عند بعض العلماء : لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك كأن النهي إنما وقع على الإبتداء وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن : وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له
واختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه ثم يظفر المجحود بمال للجاحد قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك فقال بعضهم : ليس له أن يأخذ حقه في ذلك لظاهر قوله [ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ] وقال آخرون : له أن ينتصر منه ويأخذ حقه من تحت يده واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات ليس هذا موضوع ذكرها والذي يصح في النظر : أنه ليس لأحد يضر بأخيه سواء ضره أم لا إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له بالحق وليس ذلك ظلما ولا ضرارا إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة
وقال الشيخ أبو عمرو بن صلاح رحمه الله : أسند الدارقطني هذا الحديث من وجوه مجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به فعن أبي داود قال : الفقه يدور على خمسة أحاديث وعد هذا الحديث منها قال الشيخ : فعد أبي داود له من الخمسة وقوله فيه : يشعر بكونه عنده غير ضعيف وقال فيه : هو على مثال ضرار وقتال وهو على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين
[ لاضرر ولا إضرار ] بهمزة مكسورة قبل الضاد
ولا صحة لذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الثالث والثلاثون
[ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر ]
حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين
الذي في الصحيحين من هذا الحديث : قال ابن أبي مليكة : كتب ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى باليمين على المدعى عليه وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ]
قال صاحب الأربعين : روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعا من رواية ابن عباس وهكذا رواه أصحاب كتب السنن وغيرهم وقال الأصيلي : لا يصح رفعه إنما هو من قول ابن عباس
قال المصنف : إذا صح رفعه بشهادة الإمامين فلا يضر من وقفه ولا يكون ذلك تعارضا ولا اضطرابا وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام ويقتضي أن لا يحكم لأحد بدعواه
قوله [ لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ] استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في سماع قول القتيل ( فلان قتلني ) أو ( دمي عند فلان ) لأنه إذا لم يسمع قول المريض : له عند فلان دينار أو درهم فلأن لا يسمع : دمي عند فلان بطريق الأولى ولا حجة لهم على مالك في ذلك لأنه لم يسند القصاص أو الدية إلى قول المدعي بل إلى القسامة على القتل ولكنه يجعل قول القتيل ( دمي عند فلان ) لوثا يقوى بينة المدعين حتى يبرأوا بالأيمان كسائر أنواع اللوث قوله : [ ولكن اليمين على المدعى عليه ] أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال واختلفوا في غير ذلك : فذهب بعضهم إلى وجوبها على كل مدعى عليه في حق أو طلاق أو نكاح أو عتق أخذا بظاهر عموم الحديث فإن نكل حلف المدعى وثبتت دعواه وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف على الطلاق والنكاح والعتق وإن نكل لزمه ذلك كله قال : ولا يستحلف في الحدود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الرابع والثلاثون
[ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ] رواه مسلم
أورد مسلم هذا الحديث عن طارق بن شهاب قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : الصلاة قبل الخطبة فقال : قد ترك ما هناك فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ من رأى منكم منكرا فليغيره إلى آخره ] وفي هذا الحديث دليل على أنه لم يعمل بذلك أحد قبل مروان
فإن قيل : كيف تأخر أبو سعيد عن تغيير هذا المنكر حتى أنكره هذا الرجل ؟ قيل : يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرا أول ما شرع مروان في تقديم الخطبة وأن الرجل أنكره عليه ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام ويحتمل أنه كان حاضرا لكنه خاف على نفسه إن غير : حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد والله أعلم وقد جاء في الحديث الآخر الذي اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجاه في باب صلاة العيدين : أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين أراد أن يصعد المنبر وكانا جميعا فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل فيحتمل أنهما قضيتان وأن قوله [ فليغيره ] فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق الكتاب والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين وأما قوله تعالى : { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية الكريمة أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم مثل قوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وإذا كان كذلك فمما كلف به المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر ويقصر قال العلماء : ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يقبل في ظنه بل يجب عليه فعله قال الله تعالى { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } وقد تقدم أن عليه أن يأمر وينهى وليس عليه القبول قال الله تعالى { ما على الرسول إلا البلاغ } قال العلماء : ولا يشترط في الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن كان مرتكبا خلاف ذلك لأنه يجب عليه شيئان : أن يأمر نفسه وينهاها وأن يأمر غيره وينهاها فإذا أخذ بأحدهما لا يسقط عنه الآخر قالوا : ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولاية بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين وإنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه فإن كان من الأمور الظاهرة مثل الصلاة والصوم والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك فكل المسلمين علماء بها وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالإجتهاد ولم يكن للعوام فيه مدخل فليس لهم إنكاره بل ذلك للعلماء والعلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبين : أن كل مجتهد مصيب وهو المختار عند كثير من المحققين وعلى المذهب الآخر : أن المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم موضوع عنه لكن على جهة النصيحة للخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إلى فعله برفق
قال الشيخ محي الدين رحمه الله : واعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعذاب قال الله تعالى { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فينبغى لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضى الله عز و جل أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال : { ولينصرن الله من ينصره } واعلم أن الأجر على قدر النصب ولا يتركه أيضا لصداقته ومودته : فإن الصديق للإنسان هو الذي يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه وعدوه من يسعى في ذهاب آخرته أو نقصها وإن حصل بسببه نفع في دنياه
وينبغى للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون من ذلك برفق ليكون أقرب إلى تحصيل المقصود فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه
ومما يتساهل الناس فيه من هذا الباب : ما إذا رأوا إنسانا يبيع متاعا أو حيوانا فيه عيب ولا يبينه فلا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشتري بعيبه وهم مسؤولون عن ذلك فإن الدين النصيحة ومن لم ينصح فقد غش وقوله صلى الله عليه و سلم : [ فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ] معناه : فلينكره بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغيير لكنه هو الذي في وسعه وقوله [ وذلك أضعف الإيمان ] معناه - والله أعلم - أقله ثمرة
وليس للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر البحث والتفتيش والتجسس واقتحام الدور بالظنون بل إن عثر على منكر غيره وقال الماوردى : ليس له أن يقتحم ويتجسس إلا أن يخبره من يثق بقوله أن رجلا خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزنى بها فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدركه
قوله [ وذلك أضعف الإيمان ] قد ذكر أن معناه أقله ثمرة وقد جاء في رواية أخرى [ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ] أي لم يبق وراء ذلك مرتبة أخرى والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام
وفي هذا الحديث دليل على أن من خاف القتل أو الضرب سقط عنه التغيير وهو مذهب المحققين سلفا وخلفا وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الخامس والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره التقوى ههنا - ويشير إلى صدور ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ] رواه مسلم
قوله [ لا تحاسدوا ] الحسد : تمني زوال النعمة وهو حرام وفي حديث آخر [ إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو الخشب ] فأما الغبطة فهي تمني حال المغبوط من غير أن يريد زولها عنه وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما كما قال النبى صلى الله عليه و سلم : [ لا حسد إلا في اثنتين ] أي لا غبطة
قوله [ ولا تناجشوا ] أصل النجش الختل : وهو الخداع ومنه قيل للصائد ( ناجش ) لأنه يختل الصيد ويحتال له
قوله [ ولا تباغضوا ] أي لا تتعاطوا أسباب التباغض : لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال النبى صلى الله عليه و سلم [ هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ] يعني الحب والبغضاء والتدابر : المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتى صاحبه دبره
قوله [ ولا يبع بعضكم على بيع بعض ] معناه أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار : افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله أو أجود بثمنه أو يكون المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما وتراضيا به ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه أو يعطيه بأنقص وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما قبل الرضى فليس بحرام ومعنى [ وكونوا عباد الله إخوانا ] أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال
قوله [ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ] الخذلان : ترك الإعانة والنصرة ومعناه : إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي
قوله [ ولا يحقره ] هو بالحاء المهملة والقاف : أي لا يتكبر عليه ويستصغره قال القاضي عياض ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء : أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أيمانه والصواب المعروف هو الأول
قوله صلى الله عليه و سلم [ التقوى ها هنا ] ويشير إلى صدره ثلاث مرات وفي رواية : [ إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ] معناه أن الأعمال الظاهرة لا تحصل التقوى وإنما تقع التقوى بما في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته ونظر الله تعالى - أي رؤيته محيطة بكل شئ ومعنى الحديث - والله أعلم : مجازاته ومحاسبته وأن الإعتبار في هذا كله بالقلب
قوله [ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ] فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض جميعا لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن الله سبحانه سماه مسلما ومؤمنا وعبدا وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمدا صلى الله عليه و سلم فمن حقر مسلما من المسلمين فقد حقر ما عظم الله عز و جل وكافيه ذلك فإن من احتقار المسلم للمسلم : أن لا يسلم عليه إذا مر ولا يرد عليه السلام إذا بدأه به ومنها : أن يراه دون أن يدخله الله الجنة أو يبعده من النار وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل والعدل على الفاسق فليس ذلك احتقارا يعنى المسلم بل لما اتصف به الجاهل من الجهل والفاسق من الفسق فمتى فارق ذلك راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره
ــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث السادس والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ] رواه مسلم بهذا اللفظ
هذا الحديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك ومعنى تنفيس الكربة إزلتها قوله [ من ستر مسلما ] الستر عليه أن يستر زلاته والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت أما إذا علم مصيته وهو متلبس بها فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة فالمعروف بذلك لا يستر عليه لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يخف من ذلك مفسدة وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب تجريحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة قوله : [ والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ] هذا الإجمال لا يسع تفسيره إلى أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه ينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول أو صدع بحق إيمانا بأن الله تعالى في عونه وفي الحديث : فضل التيسير على المعسر وفضل السعي في طلب العلم ويلزم من ذلك فضل الإشتغال بالعلم والمراد العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى إن كان شرطا في كل عبادة قوله صلى الله عليه و سلم : [ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ] هذا دليل على فضل الإجتماع على تلاوة القرآن في المساجد و [ السكينة ] ها هنا قيل : المراد بها الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها وقال بعضهم : السكينة الطمأنينة والوقار وهذا أحسن وفي قوله [ وما اجتمع قوم ] هذا نكرة شائعة في جنسها كأنه يقول : أي قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كليه فإنه لم يشترط صلى الله عليه و سلم هنا فيهم أن يكونوا علماء ولا زهادا ولا ذوي مقامات ومعنى [ حفتهم الملائكة ] أي حافتهم من قوله عز و جل { حافين من حول العرش } أي محدقين محيطين به مطفين بجوانبه فكأن الملائكة قريب منهم قربا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان قوله [ وغشيتهم الرحمة ] لا يستعمل ( غشي ) إلا في شئ شمل المغشى من جميع أجزائه قال الشيخ شهاب الدين بن فرج : والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله تعالى قوله [ وذكرهم الله فيمن عنده ] يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث السابع والثلاثون
[ عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ]
رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه الألفاظ وقوله عنده إشارة إلى الإعتناء بها وقوله كاملة للتأكيد وشدة الإعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كتبها الله عنه حسنة كاملة فأكدها بـ ( كاملة ) وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بـ ( واحدة ) ولم يؤكدها بـ ( كاملة ) فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق
رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه الألفاظ وقوله [ عنده ] إشارة إلى الإعتناء بها وقوله [ كاملة ] للتأكيد وشدة الإعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها [ كتبها الله عنه حسنة كاملة ] فأكدها بـ ( كاملة ) وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بـ ( واحدة ) ولم يؤكدها بـ ( كاملة ) فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق
قال الشراح لهذا الحديث : هذا حديث شريف عظيم بين فيه النبى صلى الله عليه و سلم مقدار تفضل الله عز و جل على خلقه : بأن جعل هم العبد بالحسنة وإن لم يعملها حسنة وجعل همه بالسيئة وإن لم يعملها حسنة وإن عملها سيئة واحدة فإن عمل الحسنة كتبها الله عشرا وهذا الفضل العظيم بأن ضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف عليهم السيئات وإنما جعل الهم بالحسنات حسنة لأن إرادة الخير هو فعل القلب لعقد القلب على ذلك
فإن قيل : فكان يلزم على هذا القول : أن يكتب لمن هم بالسيئة ولم يعملها سيئة لأن الهم بالشئ عمل من أعمال القلب أيضا قيل : ليس كما توهمت فإن من كف عن الشر فقد فسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر فجوزى على ذلك بحسنه وقد جاء في حديث آخر : [ إنما تركها من جرائى ] أى من أجلى وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم : [ على كل مسلم صدقة ] قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : [ فليمسك عن الشر فإنه صدقة ] ذكره البخارى في كتاب الأدب فأما إذا ترك السيئة مكرها على تركها أو عاجزا عنها فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى هذا الحديث
قال الطبرى : وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من قال : إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك ورد لمقالة من زعم أن الحفظة إنما تكتب ما ظهر من أعمال العبد أو سمع والمعنى : أن الملكين الموكلين بالعبد يعلمان ما يهم به بقلبه ويجوز أن يكون قد جعل الله تعالى لهم سبيلا إلى علم ذلك كما جعل لكثير من الأنبياء سبيلا في كثير من علم الغيب وقد قال الله في حق عيسى عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل : { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ونبينا صلى الله عليه و سلم قد أخبر بكثير من علم الغيب فيجوز أن يكون قد جعل الله للملكين سبيلا إلى علم ما في قلب بني آدم من خير أو شر فيكتبانه إذا عزم عليه وقد قيل : إن ذلك بريح تظهر لهما من القلب وللسلف اختلاف في أى الذكرين أفضل : ذكر القلب أو ذكر العلانية ؟ هذا كله قول ابن خلف المعروف بابن بطال وقال صاحب الإفصاح في كلام له : وإن الله تعالى لما صرم هذه الأمة أخلفها على ما قصر من أعمارها بتضعيف أعمالها فمن هم بحسنة احتسب له بتلك الهمة حسنة كاملة لأجل أنها همة مفردة وجعلها كاملة لئلا يظن ظان أن كونها مجرد همة تنقص الحسنة أو تهضمها : فبين ذلك بأن قال [ حسنة كاملة ] وإن هم بالحسنة وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل وكتب له بالهمة حسنة ثم ضوعفت يعني : إنما يكون ذلك على مقدار خلوص النية وإيقاعها في مواضعها ثم قال : بعد ذلك [ إلى أضعاف كثيرة ] هنا نكرة وهي أشمل من المعرفة فيقتضي على هذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يكون ثم يقدر ليتناول هذا الوعد الكريم بأن يقول : إذا تصدق الآدمي بحبة بر فإنه يحسب له ذلك في فضل الله تعالى : أنه لو بذرت تلك الحبة في أزكى أرض وكأن لها من التعاهد والحفظ والري ما يقتضيه حالها ثم إستحصدت فظهر حاصلها ثم قدر لذلك الحاصل أن يدرس في أزكى أرض وكان التعاهد له على ما تقدم ذكره ثم هكذا في السنة الثانية ثم في السنة الثالثة والرابعة وما بعدها ثم يستمر ذلك إلى يوم القيامة فتأتي الحبة من البر والخردل والخشخاش أمثال الجبال الرواسي وإن كانت الصدقة مثقال ذرة من جنس الإيمان فإنه ينظر إلى ربح شئ يشتري في ذلك الوقت ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في أعظم بلد يكون ذلك الشئ فيه أشد الأشياء نفاقا ثم تضاعف ويتردد هذا إلى يوم القيامة فتأتي الذرة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها : وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله عز و جل إذا خرجت سهامها عن نية خالصة وأفرغت في نوع قوس الإخلاص
ومن ذلك أيضا : أن فضل الله تعالى يتضاعف بالتحويل في مثل أن يتصدق الإنسان على فقير بدرهم فيؤثر الفقير بذلك الدرهم فقيرا آخر هو أشد منه فقرا فيؤثر به الثالث رابعا والرابع خامسا وهكذا فيما طال فإن الله تعالى يحسب للمتصدق الأول بالدرهم عشرة فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك الذي كان للأول إلى الثاني فصار للثاني عشرة دراهم وللأول عن عشر مئات فإذا تصدق بها الثاني صارت له مائة وللثاني ألف وللأول ألف ألف وإذا تصدق بها صارت له مائة وللثاني عشرة آلاف فيضاعف إلى ما لا يعرف مقداره إلى الله تعالى
ومن ذلك أيضا أن الله سبحانه وتعالى إذا حاسب عبده المسلم يوم القيامة وكانت حسناته متفاوتة فيهن الرفيعة المقدار وفيهن دون ذلك فإنه سبحانه بجوده وفضله يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا لأن جوده جل جلاله أعظم من أن يناقش من رضى الله عنه في تفاوت سعر بين حسنتين وقد قال جل جلاله : { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } كما أنه إذا قال العبد في سوق من أسواق المسلمين لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره رافعا بها صوته كتب الله له بذلك ألفي ألف حسنة ومحا عنه ألفي ألف سيئة وبنى له بيتا في الجنة على ما جاء في الحديث وهذا الذي ذكرناه إنما هو على مقدار معرفتنا لا على مقدار فضل الله سبحانه وتعالى فإنه أعظم من أن يحده أو يحصره خلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الثامن والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ] رواه البخاري
قال صاحب الإفصاح : في هذا الحديث من الفقه : أن الله سبحانه وتعالى قدم الإعذار إلى كل من عادي وليا : أنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة وولي الله تعالى هو الذي يتبع ما شرعه الله تعالى فليحذر الإنسان من إيذاء قلوب أولياء الله عز و جل ومعنى المعاداة : أن يتخذه عدوا ولا أرى المعنى إلا من عاداه لأجل ولاية الله أما إذا كانت لأحوال تقتضي نزاعا بين وليين لله محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق غامض فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث فإنه قد جرى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خصومة وبين العباس وعلي رضي الله عنهما وبين كثير من الصحابة وكلهم كانوا أولياء لله عز و جل قوله : [ وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى مما افترضته عليه ] فيه إشارة إلى أنه لا تقدم نافلة على فريضة وإنما سميت النافلة نافلة إذا قضيت الفريضة وإلا فلا يتناولها إسم النافلة ويدل على ذلك قوله : [ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ] لأن التقرب بالنوافل يكون بتلو أداء الفرائض ومتى أدام العبد التقرب بالنوافل أفضى ذلك به إلى أن يحبه الله عز و جل ثم قال : [ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ] إلى آخره فهذه علامة ولاية الله لمن يكون الله قد أحبه ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له بسماعه ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ولا يمد يده إلى شئ ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه ولا يسعى برجله إلى فيما أذن الشرع في السعي إليه فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله غير أهل الذكر : توصيلا إلى أن يسمع لهم وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليه تلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها قوله : [ ولئن استعاذني لأعيذنه ] يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين وقوله : [ استعاذني ] ضبطوه بالنون والباء وكلاهما صحيح وقوله في أول الحديث [ فقد آذنته بالحرب ] بهمزة ممدودة : أي أعلنته أنه محارب لي
ـــــــــــــــــــــــــ
الحديث التاسع والثلاثون
[ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز لي عن أمتى الخطأ والنسيان وما اسكترهوا عليه ] حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما
وقد جاء في التفسير في قوله عز و جل : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم فجاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل في أناس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا : كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وأن له الدنيا فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال الله تعالى : قد فعلت إلى آخرها فنزل التخفيف ونسخت الآية الأولى قال البيهقي : قال الشافعي رحمه الله : قال الله جل ثناؤه { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }
وللكفر أحكام فلما وضع الله عنه الكفر سقطت أحكام الإكراه عن القول كلها لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو أصغر منه ثم أسند عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [ إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ] وأسند عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : [ لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ] وهو مذهب عمر وابن عمر وابن الزبير وتزوج ثابت بن الأحنف أم ولد لعبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب فأكره بالسياط والتخويف على طلاقها في خلافة ابن الزبير فقال له ابن عمر : لم تطلق عليك ارجع إلى أهلك وكان ابن الزبير بمكة فلحق به وكتب له إلى عامله على المدينة : أن يرد إليه زوجته وأن يعاقب عبد الرحمن بن زيد فجهزتها له صفية بنت أبي عبيد زوجة عبدالله بن عمر وحضر عبد الله بن عمر عرسه والله أعلم
ـــــــــــــــــــــــ
الحديث الأربعون
[ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ] وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري
قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف في شرح البخاري : قال أبو الزناد : معنى هذا الحديث الحض على قلة المخالطة وقلة الإقتناء والزهد في الدنيا قال أبو الحسن : بيان ذلك أن الغريب قليل الإنبساط إلى الناس مستوحش منهم إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه ويأنس به ويستكثر من مخالطته فهو ذليل خائف وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه وخفته من الأثقال غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره ليس معه إلا زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من قصده وهذا يدل على إيثار الزهد في الدنيا ليأخذ البلغة منها والكفاف كما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره كذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه وقال العز علاء الدين بن يحيى بن هبيرة رحمه الله :
في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حض على التشبه بالغريب لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولا يجزع أن يراه أحد على خلاف عادته في الملبوس ولا يكون متدابرا معهم وكذلك عابر السبيل لا يتخذ دارا ولا يلج في الخصومات مع الناس يشاحنهم ناظرا إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة فكل أحوال الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا لأن الدنيا ليست وطنا له لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره
وأما قول ابن عمر : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء فهو حض منه على أن المؤمن يستعد أبدا للموت والموت يستعد له بالعمل الصالح وحض على تقصير الأمل : أي لا تنتظر بأعمال الليل الصباح بل بادر بالعمل وكذلك إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وتؤخر أعمال الصباح إلى الليل قوله [ وخذ من صحتك لمرضك ] حض على اغتنام صحته فيجتهد فيها خوفا من حلول مرض يمنعه من العمل وكذلك قوله [ ومن حياتك لموتك ] تنبيه على اغتنام أيام حياته لأن من مات انقطع عمله وفات أمله وعظمت حسرته على تفريطه وندمه وليعلم أنه سيأتي عليه زمان طويل وهو تحت التراب لا يستطيع عملا ولا يمكنه أن يذكر الله عز و جل فيبادر في زمن سلامته فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه وقال بعضهم : قد ذم الله تعالى الأمل وطوله وقال : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } وقال علي رضي الله عنه : ارتجلت الدنيا مدبة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل وقال أنس رضي الله عنه : خط النبي صلى الله عليه و سلم خطوطا فقال : [ هذا الإنسان وهذا الأمل وهذا الأجل فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب ] وهو أجله المحيط به وهذا تنبيه على تقصير الأمل واستقصار الأجل خوف بغتته ومن غيب عنه أجله فهو جدير بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة فليرض المؤمن نفسه على استعمال ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه فإن الإنسان مجبول على الأمل قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما : [ رآني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أطين حائطا لي أنا وأمي فقال : ما هذا يا عبد الله ؟ فقلت : يا رسول الله قد وهى فنحن نصلحه فقال : الأمر أسرع من ذلك ] نسأل الله العظيم أن يلطف بنا وأن يزهدنا في الدنيا وأن يجعل رغبتنا فيما لديه وراحتنا يوم القيامة إنه جواد كريم غفور رحيم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الحادي والأربعون
[ عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ] حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح
هذا الحديث كقوله سبحانه وتعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وسبب نزولها : أن الزبير رضي الله عنه كان بينه وبين رجل من الأنصار خصومة في ماء فتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال [ اسق يا زبير وسرح الماء إلى جارك ] يحضه بذلك على المسامحة والتيسير فقال الأنصاري : إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : [ يا زبير احبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم سرحه ] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان أشار على الزبير بما فيه مصلحة الأنصاري فلما أحفظه الأنصاري بما قال - أي أغضبه - استوعب للزبير حقه الذي يجب له فنزلت هذه الآية وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث آخر أنه قال [ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ] قال أبو الزناد : هذا من جوامع الكلم : لأنه قد جمعت هذه الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة لأن أقسام المحبة ثلاثة : محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر الناس فحصر أصناف المحبة قال ابن بطال : ومعنى الحديث - والله أعلم - أن من استكمل الإيمان علم أن حق رسول الله صلى الله عليه و سلم وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن بالرسول صلى الله عليه و سلم استنقذه الله عز و جل من النار وهداه من الضلال والمراد بالحديث : بذل النفس دونه صلى الله عليه و سلم وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يقاتلون معه آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وقد قتل أبو عبيدة أباه لإيذائه رسول الله صلى الله عليه و سلم وتعرض أبو بكر رضي الله عنه يوم بدر لولده عبد الرحمن لعله يتمكن منه فيقتله فمن وجد هذا منه فقد صح أن هواه تبع لما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم
ـــــــــــــــــــــــــــ
الحديث الثاني والأربعون
[ عن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت للك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ] رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح
في هذا الحديث بشارة عظيمة وحلم وكرم عظيم وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان والرأفة والرحمة والإمتنان ومثل هذا قوله صلى الله عليه و سلم [ لله أفرح بتوبة عبده من أحد كم بضالته لو وجدها ] وعن أبي أيوب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال : كنت قد كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم سمعته يقول [ لو لا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم ] وقد جاءت أحاديث كثيرة موافقة لهذا الحديث وقوله [ يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني ] هذا موافق لقوله [ أنا عند ظن عبدى بي فليظن بي ما شاء ] وقد جاء أن العبد إذا أذنب ثم ندم فقال : أي ربي أذنبت ذنبا فاغفر لي ولا يغفر الذنوب إلا أنت قال : فيقول الله تعالى : علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت له ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة فيقول الله عز و جل في كل مرة مثل ذلك ثم يقول : [ اعمل ما شئت فقد غفرت لك ] يعني لما أذنبت واستغفرت
واعلم أن للتوبة ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية والندم على ما فات والعزم على أن لا يعود وإن كانت حق آدمي فليبادر بأداء الحق إليه والتحلل منه وإن كانت بينه وبين الله تعالى وفيها كفارة فلا بد من فعل الكفارة وهذا شرط رابع فلو فعل الإنسان مثل هذا في اليوم مرارا وتاب التوبة بشروطها فإن الله يغفر له
قوله [ على ما كان منك ] أي من تكرار معصيتك [ ولا أبالي ] أي ولا أبالي بذنوبك قوله [ يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ] أي لو كانت أشخاصا تملأ ما بين السماء والأرض وهذا نهاية الكثرة ولكن كرمه وحلمه سبحانه وعفوه أكثر وأعظم وليس بينهما مناسبة ولا التفضيل له هنا مدخل فتتلاشى ذنوب العالم عند حلمه وعفوه قوله [ يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ] أي أتيتني بما يقارب مثل الأرض قوله [ ثم لقيتني ] أي مت علي الإيمان لا تشرك بي شيئا ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه وقد قال الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقد قال صلى الله عليه و سلم [ ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ] وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ حسن الظن بالله من حسن عبادة الله ]
ـــــــــــــــــــــــ
تم الكتاب ولله الحمد

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
 
شرح الأربعين النووية لإبن دقيق الغيد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار  :: خاص بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم-
انتقل الى: