الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

مرحبا بأحباب الله وحبيبه المصطفى

صلى الله عليه وآله وسلم

( سجلوا معنا وساهموا ) بأرائكم البناءة

نحو مجتمع صوفى خالى من الشوائب

وأزرعوا هنا ماتحبوا أن تحصدوه يوم العرض

على الكريم الرحمن الرحيم

أهلاً بكم ومرحباً

الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار

منتدى لمحبي الله ورسوله الذاكرين الله ومكتبة صوفية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السبط الأول الحسن بن عليّ رضى الله عنه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 737
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 54

مُساهمةموضوع: السبط الأول الحسن بن عليّ رضى الله عنه   الثلاثاء 07 أغسطس 2012, 7:34 am

بسم الله الرحمن الرحيم
الحسن بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ، سبط النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو أول أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين، وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وشبيهه، سمَّاه رسول الله الحسن وعقّ عنه يوم سابعه (ذبح شاة) وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو خامس أهل الكساء (المجد والشرف).

ولد الحسن في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة, 625م.

قالت أم الفضل: يا رسول الله رأيت كأن عضواً من أعضائك في بيتي، قال: ((رأيت خيراً، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه بلبن قثم))، فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم (ابنها).

تسميته بالحسن:
قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أروني ابني ما سميتموه؟)) قلت: سميته حرباً. قال: ((بل هو حسن))، فلما ولد الحسين سميناه حرباً، قال: ((بل هو حسين)) فلما ولد الثالث، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أروني ابني ما سميتموه))؟ قلت: سميته حرباً، قال: ((هو مُحسن))، ثم قال: ((سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر)). وتوفي محسن صغيراً.

قال أبو أحمد العسكري: سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وكنَّاه أبا محمد ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية.

صفته رضي الله عنه:
كان الحسن أبيض، مشرباً بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، كثّ اللحية، وكان يخضب بالوسمة.

أخلاقه وفضائله رضي الله عنه:
كان الحسن حليماً، كريماً، ورعاً ذا سكينة ووقار وحشمة، جواداً، ممدوحاً، ميالاً للسلم، يكره الفتن وإراقة الدماء، ما سمعت منه كلمة فحش قط، إلا أنه كان كثير الزواج، مطلاقاً للنساء، ولا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وكان أبوه رضي الله عنه يأخذ عليه كثرة الطلاق ويخشى عواقبها حتى قال: يا أهل الكوفة لا تزوّجوا الحسن فإنه رجل مطلاق. فقال رجل من همدان: والله لنزوّجنه فمن رضي أمسك ومن كره طلّق.

وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: إن الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة القبائل.
وكان الحسن لا يشارك في دعوى ولا يدخل في مراء ولا يدلي بحجة حتى لا يرى قاضياً، كان يقول ما يفعل، ويفعل ما لا يقول، تفضلاً وتكرُّماً، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يتخصَّص بشيء دونهم، لا يلوم أحداً فيما يقع العذر في مثله، إذا ابتدأه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه، وكان قاضيه قاضي أبيه، وكذلك كاتبه، ولم يكن له حاجب.

كرمه رضي الله عنه:

سأله رجل صدقة ولم يكن عنده ما يسدّ به رمقه فاستحى أن يردّه، فقال له: ألا أدلك على شيء يحصل لك منه البر؟ قال: بلى، فما هو؟ قال: اذهب إلى الخليفة فإن ابنته توفيت وانقطع عليها وما سمع من أحد تعزية، فعزّه بقولك له: الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها ولا هتكها بجلوسها على قبرك. فذهب الرجل وفعل ما قال له، فذهب عن الخليفة حزنه وأمر له بجائزة وقال له: أكلامك هذا؟ قال: لا، بل كلام فلان، قال: صدقت فإنه معدن الكلام الفصيح، وأمر له بجائزة أخرى اهـ.

إن من يلوذ بأهل البيت، لا يرد خائباً بل ينال ما يريد وفوق ما يريد، فإنهم منبع الكرم والجود والإحسان، قد كان في استطاعة الحسن أن يعتذر لمن سأله بأن ليس لديه شيء يعطيه ويكون عذره وقتئذ مقبولاً، لكنه التمس له طريقة يفرج بها كرب السائل فأشار عليه بما تقدم، فنال ما نال، فانظر الفرق الشاسع بين بخل الأغنياء الذين يدّعون الفاقة والعوز وينتحلون ألف عذر إذا قصدهم فقير أو محتاج قد ضاقت أمامه السبل، ولا يشفقون على حاله وهم يكنزون المال، وبعضهم يتظاهر بالصلاح والطيبة، ولا ينفق شيئاً لمحتاج لشدة محبته للمال، فهو شديد الحرص شديد التقتير لا يبالي عاش الناس أم ماتوا جوعاً، وقد ضرب لنا الحسن رضي الله عنه وغيره من أهل البيت والصالحين أمثالاً في الكرم والجود ونكران الذات نحتذي حذوها ونقتدي بها، لكنا قد تركناها وتغاضينا عنها فكره الناس بعضهم بعضاً، وامتلأت قلوبهم حقداً وحسداً.

وسمع الحسن رضي الله عنه رجلاً يسأل ربه أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن إلى منزله وبعث بها إليه.
وسأله رجل وشكا إليه حاله، فدعا الحسن وكيله وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته حتى استقصاها، فقال: هات الفاضل، فأحضر خمسين ألف درهم، ثم قال: ماذا فعلت بالخمسمائة دينار التي معك؟ قال: عندي، قال: فأحضرها، فلما أحضرها دفع الدراهم والدنانير إلى الرجل واعتذر منه

وقيل للحسن رضي الله عنه: لأي شيء نراك لا ترد سائلاً وإن كنت على فاقة؟ فقال: إني لله سائل وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً، وإن الله تعالى عوّدني عادة، عوّدني أن يفيض نعمه عليّ، وعوّدته أن أفيض على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة وأنشد يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً
بمن فضله فرض عليّ معجّلُ
ومَن فضلُه فضل على كل فاضل
وأفضل أيام الفتى حين يُسألُ

وخرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم حجَّاجاً، فلما كانوا ببعض الطريق جاعوا وعطشوا وقد فاتتهم أثقالهم، فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز، فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة، فقالت: احلبوها واشربوا لبنها، ففعلوا ذلك، فقالوا لها: هل من طعام؟ قالت: هذه الشويهة، ما عندي غيرها، فأنا أقسم عليكم بالله إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيّىء لكم الحطب فاشووها وكلوا، ففعلوا ذلك، وأقاموا عندها حتى أبردوا، فلما ارتحلوا من عندها، قالوا لها: يا هذه نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين، فألمي بنا فإنا صانعون بك خيراً إن شاء الله تعالى، ثم ارتحلوا، وأقبل زوجها فأخبرته الخبر فغضب وقال: ويحك تذبحين شاتنا لقوم لا نعرفهم ثم تقولين نفر من قريش

ثم بعد دهر طويل أصابت المرأة وزوجها السنة فاضطرتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلا يلتقطان البعر فمرّت العجوز في بعض سكك المدينة ومعها مكتلها تلتقط فيه البعر، والحسن رضي الله عنه جالس على باب داره، فنظر إليها فعرفها فناداها وقال لها: يا أمة الله، هل تعرفينني؟ فقالت: لا، فقال: أحد ضيوفك يوم كذا، سنة كذا في المنزل الفلاني، فقالت: بأبي أنت وأمي، لست أعرفك، قال: فإن لم تعرفيني، فأنا أعرفك، فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين رضي الله عنه، فلما دخل بها الغلام على أخيه الحسين عرفها وقال: بكم وصلها أخي الحسن؟ فأخبره فأمر لها بمثل ذلك، ثم بعث بها مع الغلام إلى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، فلما دخلت عليه عرفها وأخبره الغلام بما فعل معها الحسن والحسين رضي الله عنهما، فقال: والله لو بدأت بي لأتعبتهما وأمر لها بألفي شاة وألفي دينار، فرجعت وهي أغنى الناس. ومن كرمه رضي الله عنه: أنه أعطى شاعراً مالاً كثيراً فقيل له: أتعطي شاعراً يعصي الرحمن ويقول البهتان؟ فقال: إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.
وقد روي مثل ذلك عن الحسين رضي الله عنه، وقيل: إن شاعراً مدحه فأجزل ثوابه، فليم على ذلك، فقال: أتراني خفت أن يقول: لست ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ابن عليّ رضي الله عنه فيصدّق ويحمل عنه ويبقى مخلداً في الكتب، محفوظاً على ألسنة الرواة أنت والله يا ابن رسول الله أعرف بالمدح والذم مني.

تربيته ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له:

لما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوهما عليّ بن أبي طالب ابن عم الرسول وربيبه، فقد تربيا تربية عالية ونشآ على الفضائل في بيئة من أرقى البيئات وأشرفها وقد سمعا الحديث، وكان عليه الصلاة والسلام يحبهما ويرعاهما ويعلمهما.

روى الحسن أحاديث حفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم منها في السنن الأربعة، قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر، الحديث.
ومنها عن أبي الحوراء قلت للحسن: ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أخذت تمرة من تمر الصدقة فتركتها في فمي فنزعها بلعابها، الحديث.
وفي الحديث: ((هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما)).
ومن رعاية رسول الله لهما أنه بينما كان يخطب إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، الحديث.
وكان رسول الله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال: ((من أحبني فليحبّ هذين)).
ودخل عليّ وفاطمة ومعهما الحسن والحسين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق علياً بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى فجعل عليهم خميصة سوداء (كساء) فقال: ((اللهم إليك لا إلى النار)).
وفي البخاري عن أبي بكرة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن عليّ معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)). قال: فلما ولي لم يهرق في خلافته محجمة من دم.

ولا شك أن الحسن والحسين ورثا عن جدهما وأبيهما فصاحة اللسان وقوة الجنان وحضور البديهة والكرم والحلم، وقد تعلما القرآن والتفسير من عليّ رضي الله عنه وأهل بيته وكبار الصحابة وتلقيا الحديث عنهم وكان عليّ يقول الشعر وينطق بالحكمة وكذلك نشأ ولداه رضي الله عنهما.

قصة الحسن واليهودي الفقير:

اغتسل الحسن رضي الله عنه وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلَّة فاخرة ووفرة ظاهرة ومحاسن سافرة، فعرض له في طريقه شخص من محاويج اليهود وعليه مسح من جلود، قد أنهكته العلة، وركبته القلة والذلة، وشمس الظهيرة قد شوت شواه وهو حامل جرة ماء عَلَى قفاه، فاستوقف الحسن رضي الله عنه وقال: يا ابن رسول الله سؤال، قال: ما هو؟ قال: جدك يقول: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها، وما أراها إلا سجناً عَلَيّ قد أهلكني ضرها وأجهدني فقرها.
فلما سمع الحسن كلامه قال له:
يا هذا، لو نظرت إلى ما أعد الله لي في الآخرة لعلمت أني في هذه الحالة بالنسبة إلى تلك في سجن، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب الأليم لرأيت أنك الآن في جنة واسعة.

عُرف اليهود منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدس وابتكار الأكاذيب والترهات وتشكيك المسلمين في عقائدهم، وقد حاربهم الرسول في المدينة وأجلاهم عنها لخيانتهم ونقضهم العهود والمواثيق، وقد أسلم بعضهم عن عقيدة صحيحة لكن بقي أكثرهم حانقاً على المسلمين، وكان رئيس المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول وقد مضى ذكره في سيرة الرسول، وهذا هو عبد الله بن سبأ الذي صار يتنقل في البلدان ويبث الدعاية ضد عثمان بن عفان رضي الله عنه ويحض على الثورة، وفي هذه القصة التي ذكرناها هنا نجد أن هذا اليهودي يعترض على الحسن لما رآه يرتدي ملابس فاخرة ويذكر له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) فكيف يتنعم الحسن في الدنيا وهو مؤمن ويشقى اليهودي وهو كافر؟ ولماذا لا يكون حالهما بالعكس إذا كان حديث رسول الله صادقاً؟ سؤال يريد به إحراج الحسن من جهة وتشكيكه في حديث رسول الله من جهة أخرى، لكن الحسن رضي الله عنه كان حاضر البديهة، فأجاب بجواب مقنع مفحم حيث أوضح له أن حالته التي يشكو منها إنما هي كالجنة بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذي أعد للكافرين وأن حالة الحسن التي ظنها نعيماً إنما هي كالسجن بالنسبة إلى نعيم الجنة الذي أعد للمتقين.

زواج الحسن رضي الله عنه:

كان الحسن رضي الله عنه كثير الزواج كثير الطلاق لذلك قال المستشرقون عنه: إنه كان شهوياً ميالاً إلى اللذات والدعة وينفق لذلك أموالاً طائلة فسلم الأمر لمعاوية.
وروى المدائني: أن الحسن أحصن في زمان أبيه تسعين امرأة فقال علي رضي الله عنه:
لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يجني علينا بذلك عداوة أقوام. وقد كان عليّ غير راض عن كثرة زواج الحسن وطلاقه حتى خطب يوماً ونهى القوم أن يزوِّجوه لكنه كان يجد من تتزوجه.

قال ابن سيرين: تزوج الحسن امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم ولا ريب أن كثرة الزواج والطلاق تحتاج إلى كثرة الانفاق.

قال سفيان بن عيينة: كثرة النساء ليست من الدنيا، وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين: ما الذي تنكر منهم؟ قال: يأكلون كثيراً، قال: وأنت أيضاً لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون، قال: ينكحون كثيراً، قال: وأنت أيضاً لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون.
لكن هل الصوفية يجوعون أكثر من غيرهم؟ إن العمال الذين يشتغلون طول النهار في أعمال جسمانية مرهقة هم الذين يجوعون أكثر من كل إنسان ومع ذلك لا ننصحهم بكثرة الأكل وهم في العادة يكتفون بالقليل من الطعام، ثم إن الذي يحفظ عينيه وفرجه لا يميل إلى كثرة النكاح بل يكون قانعاً معتدلاً لعدم انشغال عقله وخياله بالمغريات والمحرضات
وقال الغزالي: ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العرب، كان استكثار الصالحين منهم للنكاح أشد.
وقال: من الطباع ما تغلب عليه الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة فيستحب له الاستبدال، فقد نكح عليّ رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال، ويقال إن الحسن بن عليّ كان منكاحاً حتى نكح زيادة على مائتي امرأة وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد وربما طلق أربعاً في وقت واحد واستبدل بهن.
صحيح أن من الطبائع ما تغلب عليه الشهوة لكن ليس بهذه الدرجة، فحالة الحسن رضي الله عنه حالة شاذة لا يقاس عليها وكان مع ذلك تقيًّا ورعاً متديناً.
وجَّه الحسن ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال لهما: اعتدا. وأمره أن يدفع إلى كل واحدة منهما عشرة آلاف درهم، ففعل، فلما رجع إليه، قال: ماذا فعَلتا؟ قال: أما إحداهما: فنكست رأسها وتنكست، وأما الأخرى فبكت وانتحبت وسمعتُها تقول: متاع قليل من حبيب مفارق.

فأطرق الحسن وترحم لها، وقال: لو كنت مراجعاً امرأة بعدما فارقتها لراجعتها.
ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه المدينة ورئيسها ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضي الله عنها حيث قالت: لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إليّ من أن يكون لي ستة عشرة ذكراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه، وقال: ألا أرسلتَ إليّ فكنتُ أجيئك؟ فقال: الحاجة لنا، قال: وما هي؟ قال: جئتك خاطباً ابنتك، فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال: والله ما عَلَى وجه الأرض أحد يمشي عليها أعزّ عَلَيّ منك؛ ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرُّني ما سرَّها وأنت مطلاق فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن شرطت أن لا تطلقها زوّجتك، فسكت الحسن وقام وخرج.
وقال أهل بيته: سمعناه وهو يمشي ويقول: ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً في عنقي.
وليس لكثرة زواج الحسن علاقة بتسليم الأمر لمعاوية كما وهم المستشرقون فإن توليه الخلافة كان يُسهل له كثرة الزواج والطلاق، والإسلام يبيح له أن يتخذ من الرقيق ما شاء، هذا وفي التاريخ ملوك كانوا يتخذون كثيراً من الجواري والمحظيات ومع ذلك لم يكن ذلك سبباً في تخليهم عن الملك وشاغلاً لهم عن الحكم، بل روى لنا التاريخ أن من ملوك الإفرنج الذين لا يبيح لهم دينهم تعدد الزوجات مَنِ اتّخذ محظيات لا عدد لهن.

أولاد الحسن رضي الله عنه
أولاد الحسن رضي الله عنه أحد عشر وهم:
1 ـــ زيد.
2 ـــ والحسن وأمه خولة بنت منصور الفزارية.
3 ـــ والقاسم.
4 ـــ وأبو بكر.

5 ـــ وعبد الله ـــ وهؤلاء الخمسة قتلوا مع عمهم الحسين بن عليّ بالطّفّ، وهي أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
6 ـــ وعمرو بن الحسن.
7 ـــ وعبد الرحمن.
8 ـــ والحسين الملقب بالأشرم.
9 ـــ ومحمد.
10 ـــ ويعقوب.
11 ـــ وإسماعيل.

رأي الحسن رضي الله عنه في مواقف أبيه
كان الحسن رضي الله عنه يرى أن يخرج أبوه عليّ كرم الله وجهه من المدينة عندما كان عثمان بن عفان محصوراً حتى إذا قتل عثمان لم يكن بها، وألا يبايع حتى تأتيه وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر، وأن يجلس في بيته لما خرج عليه طلحة والزبير حتى يصطلحا، فإن كان الفساد كان على يد غيره، لكن عليًّا رضي الله عنه خالفه ولم ير رأيه، وقال يرد عليه:
أما قولك لو خرجت من المدينة حين أُحيط بعثمان، فوالله لقد أُحيط بنا كما أُحيط به.
وأما قولك لا تبايع حتى تأتيك بيعة الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع الأمر.
وأما قولك حين خرج طلحة والزبير، فإن ذلك كان وهناً على أهل الإسلام، ووالله ما زلت مقهوراً مذ وليت منقوضاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي.
وأما قولك اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني؟ أو من تريدني؟، أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال دَبَابِ دبابِ، ليست هاهنا حتى يُحل عُرقوبها ثم تخرج، وإذا لم أنظر فيما لزمني من الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكفّ عنك أي بنيّ.
أشار الحسن على والده بهذا الرأي من غير أن يضع نفسه في مركزه ويقدر شعوره ومركزه ومسؤوليته، فإن علياً كان يرى البقاء وعدم الخروج من المدينة عندما كان عثمان محصوراً لئلا يقال إنه ترك الرجل محصوراً وفي أشد حالات الخطر وفر ليخلي نفسه من المسؤولية بتخليه عنه وربما قيل إنه بخروجه سهّل على الحاصِرين قتله، فوق أن الخروج كان متعذراً عليه كما تقدم في قوله.

ثم إنه لم يلزم بيته وبايع لأنه كان يرى نفسه أحق من غيره بالخلافة لأسباب شتى، منها: أنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وربيبه وابن عمه ومن أول الناس إسلاماً، ومن أعظم المجاهدين في سبيل الله، ولشجاعته وعلمه وفضله ولأنه على العموم كان أفضل الناس بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، فرجل في مركزه وقدره لا يمكن أن يترك الأمور ويقعد في بيته.
ومع أن الحسن رضي الله عنه كان لا يرى رأي أبيه في هذا، كان يطيع أوامره، فلما أمره أن يبقى على باب عثمان أثناء الحصار أطاعه، ولما خرجت عائشة رضي الله عنها لمحاربة أبيه لم يتركه بل انضم إليه مع أنه كان يرى أن يلزم أبوه داره بالمدينة، ولما سمع أبا موسى يثبط أهل الكوفة بقوله: إنها فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فأغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهدين حتى يلتئم هذا الأمر.

رد عليه الحسن قائلاً:
يا أبا موسى لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يُخاف على شيء وهذا يدل على أنه يثق بأبيه كل الثقة.
ثم خاطب أهل الكوفة يحثهم على إجابة دعوة أبيه أمير المؤمنين:
يا أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النّهي أمثل في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم.
وكان لهذا الكلام أثره في النفوس، ثم قال:
أيها الناس إني غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظَّهر ومن شاء فليخرج في الماء.
فخرج معه تسعة آلاف، وأما أبو موسى فأخرجه الناس من قصره واعتزل بناء على أمر أمير المؤمنين وتهديده.
بيعة الحسن رضي الله عنه سنة 40هـ (661م)

بعد أن ضرب ابن ملجم علياً رضي الله عنه، دخل عليه جندب بن عبد الله فسأله فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن، فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر، فدعا حسناً وحسيناً فقال:
أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
لم يعيّن أمير المؤمنين أحداً للخلافة بل ترك الأمر للأمة تولي من تشاء لأنها كما قال: أبصر بمن يصلح للخلافة بعده، ثم أوصى ابنيه بتقوى الله عز شأنه إذ هي رأس كل فضيلة وقول الحق وأن يكونا للظالم خصماً ــــ وإن كان الظالم قوياً أو سيداً في قومه ــــ وللمظلوم ناصراً وهذا عين العدل ودليل على قوة النفس والبعد عن الميل والتحيز.
بويع للحسن بالكوفة في شهر رمضان من سنة 40هـ بعد وفاة أبيه بيومين وقيل إن أول من بايعه، قيس بن سعد الأنصاري، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه وقتال الْمُحِلين.
فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي على كل شرط. فبايعه وبايعه الناس وكان الذين بايعوه 40000.
وكتب إليه ابن عباس:
إن الناس قد ولوك أمرهم بعد عليّ فاشدد عن يمينك وجاهد عدوك، واستر من الضنين ذنبه بما لا يثلم دينك واستعمل أهل البيوتات، تستصلح بهم عشائرهم.

لما بايع أهل العراق الحسن، بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه في جيش قدره 60000 فتجهز هو وجيش الذين بايعوا علياً وعدته 40000 مقاتل وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية وكان قد نزل (مَسْكِن) فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفاً. وقيل: بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد، فلما نزل الحسن المدائن، نادى مناد في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطاً كان تحته.

وعدا عليه الجراح بن الأسد ليسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن:
قتلتم أبي بالأمس ووثبتم عليّ اليوم تريدون قتلي زهداً في العادلين ورغبة في القاسطين، والله لتعلمن نبأه بعد حين.
فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً، ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، فقال له المختار وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تستوثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقال له عمه: عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوثقه؟ بئس الرجل أنت.
نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية سنة 41هـ (661م) عام الجماعة
تفرق أهل العراق عن الحسن رضي الله عنه ولم يستطع تأليف جيش منهم لمحاربة معاوية، فكتب إليه وذكر له شروطاً، وقال له: إن أنت أعطيتني هذا، فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به. وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر: إنني قد راسلت معاوية في الصلح، فقال له الحسين: أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك فقال له الحسن: أسكت أنا أعلم بالأمر منك.

وكان رأي الحسين رضي الله عنه أن يحارب الحسن معاوية كما حاربه أبوه عليّ رضي الله عنه، لكن الحسن علم تفرق الأمر عنه، وأنه لو حارب معاوية بجيش غير متحد وغير راغب في القتال لما أحرز النصر فأراد أن يحقن دماء المسلمين ويصالح معاوية.
فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية، فرح فرحاً شديداً، وأمسك الكتاب وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن وكتب إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمتُ أسفلها ما شئت فهو لك، فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده.
فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية، طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى، وقال: لقد أعطيتك ما كنت تطلب، فلما اصطلحا، قام الحسن في أهل العراق فقال:
إنه سخَّى بنفسي عنكم ثلاث: ــــ أي الأسباب التي جعلتني أتخلى عنكم وأزهد فيكم وأسلم الأمر إلى معاوية ــــ قتلكم أبي، وطعنكم إياي ــــ وكان قد طُعن ــــ وانتهابكم متاعي يعني أنه قد فقد الثقة بهم.
وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة وقدره خمسة آلاف ألف أي خمسة ملايين درهم (15000 جنيه في السنة) وخراج دارابْجِرد من فارس (ولاية) وأن لا يشتم عليًّا، فلم يجبه إلى الكف عن شتم عليّ، فطلب أن لا يُشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضاً.

ولا ندري كيف أباح معاوية شتم عليّ رضي الله عنه ولا سيما بعد أن قُتل، نعم إن عليًّا حاربه لأنه امتنع عن بيعته، وجرد جيشاً لقتاله بحجة المطالبة بدم عثمان ولأنه كان يرى نفسه أنه أحق بالخلافة من معاوية، وعلى كل حال لا يجوز شتمه رضي الله عنه، وكان لا يليق بمعاوية أن يبيح شتم رجل شريف أسلم صبيًّا وتربى في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد في الإسلام جهاداً صادقاً وزوّجه الرسول ابنته فاطمة، أحب بناته إليه، وأثنى عليه في كثير من المواطن، مع ما عرف عن معاوية من الحلم والعقل.
قال المسعودي: ثم ارتقى بهم (بأهل الشام) الأمر في طاعته (طاعة معاوية) إلى أن جعلوا لعن عليّ سنّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير.
وذكر بعضهم أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: مَن أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصًّا من لصوص العرب.
أما خراج دارابجرد، فإن أهل البصرة منعوا الحسن منه وقالوا هو فيئنا لا نعطيه أحداً، وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً.
وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة، ولما عزم الحسن رضي الله عنه على تسليم الأمر إلى معاوية، خطب الناس فقال:
أيها الناس أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه (نحيبه).
ولما صالح الحسن معاوية كان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين فيقول: العار خير من النار.
وجاء الحسن شيخ يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى فقال: السلام عليكم يا مذلَّ المؤمنين، فقال: لا تقل يا أبا عامر فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك.
وسلم الحسن الأمر إلى معاوية في النصف من شهر جمادى الأولى من سنة 41هـ فبايع الناس معاوية يومئذٍ وهو ابن ست وستين إلا شهرين.

وبعد أن سلم الحسن الأمر لمعاوية، بقي قوم يرون أنه كان يجب أن يحارب الحسن معاوية؛ لأنه أحق بالخلافة، كان الحسين يرى هذا الرأي.

خطبة الحسن بالكوفة بعد الصلح
لما دخل معاوية الكوفة، قال له عمرو بن العاص: لتأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عِيُّه وأنه لا يصلح للخلافة، فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم، فقام فحمد الله بديهة ثم قال:
أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحَقَنَ دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله عزَّ وجلَّ قال لنبيه: {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (الأنبياء: 111).
فلما قال الحسن ذلك، قال له معاوية: اجلس. وحقدها على عمرو، وقال: هذا من رأيك، فبنو أمية لم يكونوا مخلصين في صلحهم، وقد خشي معاوية أن يستمر الحسن في خطبته لئلا يؤثر في نفوس سامعيه فتحدث فتنة فأمره بالجلوس.

الحسن يصف أهل الكوفة
لحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمه، وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة، فقيل للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غُلب، ليس منهم أحد يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً، فليت شعري لمن يصلحون بعدي، وهي أسرع البلاد خراباً.
هذا ما وصف به الحسن أهل الكوفة، وإذا كان في الاتحاد قوة ففي التدابر والفرقة ضعف، فإذا كان أهل الكوفة هكذا متفرقين في الرأي لا تجمعهم كلمة فكيف يقاتلون عدوهم؟ وكيف يثق بهم القائد؟ إن أول شرط في الجيش أن يكون مطيعاً لأمر القائد وإلا فشل وانهزم.

الحسن يدافع عن أبيه أمام معاوية
روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، قال:

اجتمع عند معاوية، عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، أمر فأطيع وخفقت له النعال، والله إن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا، قال معاوية: فما تريدون؟ قالوا: ابعث إليه فليحضر لنسبَّه ونسبَّ أباه ونعيّره ونوبخَه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك ولا يستطيع أن يغيّر علينا شيئاً من ذلك، قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي، قالوا: ابعث إليه على كل حال، قال: إن بعثت إليه لأنصفنَّهُ منكم، فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربي قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله، قال: مره بذلك، قال: أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ولا يلصق بهم العار ولكن اقذفوه بحجر تقولون له إن أباك قتل عثمان وكره خلافة الخلفاء من قبله. فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، قال: مَن عنده؟ فسماهم؛ فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خرَّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؛ ثم قال: يا جارية، ابغيني ثيابي، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأدرأ بك من فجورهم وأستعين بك عليهم فاكفنيهم كيف شئت وأنَّى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين. ثم قال: فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وقد ارتاد القوم وخطروا خطران الفحول بغياً في أنفسهم وعلوًّا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني، فقال الحسن عليه السلام:

سبحان الله الدار دارك؛ والإذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك عَلَى أمرك إني لأستحيي لك من الضعف، فأيهما تقر وأيهما تنكر؟ أما إني لو علمت بمكانهم لجئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم، إن وليِّ الله وهو يتولى الصالحين، فقال معاوية: يا هذا، إني كرهت أن أدعوك ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له وإن لك منهم النَّصَف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قُتل مظلوماً وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسان، فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى عَلَى رسوله ثم ذكر علياً عليه السلام فلم يترك شيئاً يعيبه به إلا قال، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرهاً، وشارك في دم عمر وقتل عثمان ظلماً وادعى من الخلافة ما ليس له، ثم ذكر الفتنة يعيّره بها وأضاف إليه مساوىء وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء وحرصكم عَلَى الملك وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك وتركك أحمق قريش، يُسخر منك ويُهزأ بك وذلك لسوء عملك؛ وإنما دعوناك لنسبَّك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردد علينا فيما قلنا وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.c

ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال:

يا بني هاشم، إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم فكنتم أول من حسده فقتله أبوك ظلماً لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية: وإن معاوية خير لك من نفسك.
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال:
يا حسن، كان أبوك شر قريش لقريش لسفكه لدمائها وقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحيّ ويغيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً ولا في ميراثها راجحاً؛ وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره أقاد منه، وأما أنت فوالله ما علينا ـــ لو قتلناك بعثمان ـــ إثم ولا عدوان.

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 737
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 54

مُساهمةموضوع: رد: السبط الأول الحسن بن عليّ رضى الله عنه   الثلاثاء 07 أغسطس 2012, 7:37 am

ثم تكلم المغيرة بن شعبة فشتم علياً وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون ولا في حكم يميل ولكنه قتل عثمان، ثم سكتوا.
ثم تكلم الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى عَلَى رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال:

أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فحشاً ألفته وسوء رأي عُرفت به، وخلقاً سيئاً ثبتّ عليه، وبغياً علينا وعداوة منك لمحمد وأهله ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم، أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر، تراها ضلالة وتعبد اللات والعزى غواية؟ وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايعه البيعتين كليهما، بيعة الفتح وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر وبالأخرى ناكث، وأنشدكم الله، هل تعلمون أنه أول الناس إيماناً وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرون الكفر وتظهرون الإسلام وتستمالون بالأموال، وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته وينصر دعوته ويصدق حديثه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواطن كلهاعنه راضٍ وعليك وعلى أبيك ساخط، وأنشدك الله يا معاوية، أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((اللهم العن الراكب والقائد والسائق))، أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك:

يا صخر لا تسلم يوماً فتفضحنا
بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
خالي وعمي وعم الأم ثالثهم
وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركنن إلى أمر تكلفنا
والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد
حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

والله لما أخفيتَ من أمرك أكبر مما أبديتَ، وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن علياً حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل فيه: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (المائدة: 87) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث علياً بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله وفعل في خيبر مثلها.

ثم قال يا معاوية: أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب كتاباً إلى بني خزيمة فبعث إليك ونهمك إلى أن تموت، وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله، ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها، أولها: يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجاً من مكة إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الدين فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده وهم أن يبطش به فلعنه الله ورسوله وصرف عنه، والثانية: يوم العير إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان وساحل بها فلم يظفر بها المسلمون ولعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليه فكانت وقعة بدر لأجلها، والثالثة: يوم أُحد حيث وقف تحت الجبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلاه وهو ينادي أعل هبل مراراً فلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر مرات ولعنه المسلمون، والرابعة: يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود فلعنه رسول الله وابتهل، والخامسة: يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان ولعن القادة والأتباع، وقال: ((ملعونون كلهم وليس فيهم من يؤمن)) فقيل يا رسول الله، أما يرحب الإسلام لأحد منهم، فكيف باللعنة؟ فقال: ((لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع وأما القادة فلا يفلح منهم أحد))، والسادسة: يوم الجمل الأحمر، والسابعة: يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا اثني عشر رجلاً منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية.

وأما أنت يا ابن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولاً عن عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسباً وأخبثهم منصباً، ثم قام أبوك فقال: أنا شانىء محمد الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل، وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع المشاهد وهجوته وآذيته بمكة وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيباً وعداوة ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى مكة، فلما أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائباً وأكذبك واشياً، جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسداً لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح أصحابك فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام، ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بسبعين بيتاً من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة))، فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن، وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا ناراً ثم لحقت بفلسطين، فلما أتاك قتله، قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حياً، ولا غضبت له مقتولاً، ويحك يا ابن العاص، ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:
تقول ابنتي أين هذا الرحيل
وما السير مني بمستنكر
فقلت ذريني فإني امرؤ
أريد النجاشي في جعفر
لأكويه عنده كية
أقيم بها نخوة الأصعر
وشانىء أحمد من بينهم
وأقوالهم فيه بالمنكر
وأجر إلى عتبة جاهداً
ولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم
وما استطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب مني له
وإلا لويت له مشفري
فهذا جوابك هل سمعته؟

وأما أنت يا وليد: فوالله ما ألومك على بغض عليّ وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل أباك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت الذي سماه الله فاسق وسمى علياً المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له: اسكت يا عليّ فأنا أشجع منك جناناً وأطول لساناً، فقال لك عليّ اسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله تعالى في موافقته قوله: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } (السجدة: 18) ثم أنزل فيك على موافقته قوله أيضاً: {إِن جَآءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} (الحجرات: 6) ويحك يا وليد مهما نسيت قريش فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه:

أنزل اللَّه والكتاب عزيز
في عليّ وفي الوليد قرآنا
فتبوأ الوليد إذ ذاك فسقاً
وعليّ مبوأ إيمانا
ليس من كان مؤمناً ـــ عمرك اللَّه
ـــ كمن كان فاسقاً خوانا
سوف يُدْعَى الوليد بعد قليل
وعليّ إلى الحساب عيانا
فعليّ يُجْزَى بذلك جناناً
ووليد يُجْزَى بذاك هوانا
رب جدَ لعقبة بن أبان
لابس في بلادنا تبانا
وما أنت وقريش، إنما أنت علج من أهل صفورية وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد ممن تدعى إليه.
وأما أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف فأجيبك ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندي خير يرجى ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أَمَتك إلا سواء، وما يضرُّ علياً لو سببته عَلَى رؤوس الأشهاد، وأما وعيدك إياي بالقتل؛ فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته عَلَى فراشك؟ أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك:
يا للرجال وحادث الأزمان
ولسبة تخزي أبا سفيان
نبئت عتبة خانه في عرسه
جنس لئيم الأصل من لحيان
وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك، وكيف ألومك على بغض عليّ وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر وشارك حمزة في قتل جدك عتبة وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد.

وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنحلة: استمسكي فإني طائرة عنك، فقالت النحلة: وهل علمت بك واقعة عليّ فأعلم بك طائرة عني، والله ما نشعر بعداوتك إيانا ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامك، وإن حد الله في الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقاً، الله سائله عنه، ولقد سألتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فأجابك: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا؛ لعلمه بأنك زانٍ، وأما فخركم علينا بالإمارة فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } (الإسراء: 16).
ثم قام الحسن فنفض ثوبه فانصرف، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله فيّ، وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحدِّ القذف، فقال معاوية: خلِّ عنه لا جزاك الله خيراً، فتركه، فقال معاوية: قد أنبأتكم أنه ممن لا تطاق عارضته ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم عليّ البيت، قوموا عني فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم وعدولكم عن رأي الناصح المشفق، والله المتسعان اهـ.

هذه محاورة من أعجب ما قرأناه من المحاورات، انتصر فيها الحسن انتصاراً مبيناً على زعماء بني أمية فتركهم لا يدرون ماذا يقولون، تركهم باهتين حائرين مخذولين، وقد دل الحسن برده عليهم أنه خطيب مفوه لا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يرهب التهديد والوعيد، ولا يبالي بسطوة الحاكم، بل إن رده عليهم بهذه القوة، أعظم برهان على حدة ذهنه وحضور بديهته وقوة عارضته وشجاعة الفائقة، إن من يتكلم بهذا الكلام أمام معاوية، لا يرمى بالجبن والكسل، وحب الدعة كما ادعت دائرة المعارف الإسلامية في ترجمة الحسن، ولا يقال عنه إنه ترك الخلافة لمعاوية حباً في الدعة ولإقباله على الشهوات، تلك تهم اعتدنا أن نقرأها في الصحف التي لوثتها جماعة من المستشرقين الذين دأبوا على الطعن في أبطال المسلمين تشويهاً لفضائلهم، وحطًّا من مقامهم في عيون من يعظمونهم ويحترمونهم.
إن بني أمية كانت تحقد عَلَى عليّ وأبنائه وقد أعماهم البغض فصاروا يسبونهم في كل مناسبة، فإن أعوزتهم الظروف والمناسبات احتالوا عليها.
اجتمع هؤلاء النفر عند معاوية، فأرادوا أن يتفكهوا بالطعن على الحسن فاستحضروه ليسبوه ويهددوه مع أنه سالمهم وسلم الأمر لمعاوية تجنباً لإراقة الدماء واعتكف بالمدينة تاركاً لهم الأمر يفعلون ما يشاؤون.
ومع هذا لم يخلص من ألسنتهم ومعاكستهم، وكان عمرو بن العاص يحرض معاوية على التحكك به، ومعاوية ينهاه، علماً منه بقوة عارضة الحسن.

فلما حضر، أخذ عمرو يعيب عليًّا رضي الله عنه وصرّح أنهم دعوه ليسبوه ويسبوا أباه، ثم تكلم الوليد وعتبة والمغيرة كل بدوره والحسن يسمع شتمهم وتهديدهم إياه بالقتل وهو رابط الجأش مستجمع لحواسه فلما أفرغوا ما في جعبتهم، دافع عن أبيه فأجمل مناقبه، وذكر ما كان من إسلامه وحسن بلائه في سبيل نشر الدين وما كان من عداء أبي سفيان ومعاوية للإسلام، وكان الحسن عالماً بالتاريخ والوقائع، عارفاً بسير الرجال، حافظاً للأشعار، ثم خاطب عمرو بن العاص وذكر نسبه ومسيره إلى الحبشة للإيقاع بجعفر والمسلمين والمهاحرين ومحاربته لرسول الله، وقال للوليد: إنه جُلد في الخمر وإن عليًّا هو الذي جلده وكان ذلك في خلافة عثمان إلخ إلخ.
قال ذلك كله بصراحة متناهية وجرأة عجيبة، وقد استحقوا ما سمعوا منه فإن الشر لا يدفعه إلا الشر، فغضب معاوية عليهم وأمرهم بالخروج وقد كان وكانوا في غنى عن ذلك كله، وشهد معاوية للحسن بأنه ممن لا تطاق عارضته، ولا غرو في ذلك فإن جده رسول الله وأمه فاطمة الزهراء وأباه عليّ الذي بهر الأعداء بشجاعته وفاق الفصحاء بفصاحته وبز الحكماء بحكمه.

تدبير معاوية لتولية ابنه يزيد الخلافة
اشترط الحسن على معاوية أن تكون له الخلافة بعده، وكان معاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم همّ أن يعزله ويولي سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة، قدم الشام على معاوية فقال:
يا أمير المؤمنين قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علماً يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد ابنك.
قال ذلك المغيرة بعد أن علم أن مركزه مهدد وبعد أن بلغه أن معاوية يريد عزله، فأراد أن يتزلف إلى معاوية بترشيح ابنه يزيد للخلافة لأن ذلك يرضيه ويرضي يزيد.

ففكر معاوية في ذلك، ثم بدا له أن يأخذ برأي المغيرة، فلما اجتمعت وفود الأمصار بدمشق وفيهم الأحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له: إذا جلستُ على المنبر وفرغتُ من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي؛ فإني رأيت وأجعت على توليته، فأسأله الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء فمعاوية يملي إرادته على الضحاك.
ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعَدَة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى يزيد.
فلما جلس معاوية على المنبر وفرغ من بعض موعظته وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، فاستأذن في الكلام فأذن له، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إنا قد بلونا الجماعة والألفة، والاختلاف والفرقة، فوجدناها ألم لشعثنا وأمنة لسبلنا وحاقنة لدمائنا وعائدة علينا في عاجل ما نرجو به الجماعة من الألفة، ولا خير لنا أن نترك سدى والأيام عوج رواجع، والله يقول: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} (الرحمن: 29)، ولسنا ندري ما يختلف به العصران، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله تعالى بك المتاع، وقدرأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين وحسن مذهبه وقصد سيرته ويمن نقيبته، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين والشبه بأمير المؤمنين في عقله وسياسته وشيمته المرضية ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا والقنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين ـــ أكرمه الله ـــ عهده، وليجعله به في الولاية علينا فليوله أمير المؤمنين، وليجعله لنا ملجأ ومفزعاً بعده نأوي إليه إن كان كون، فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم الله لك في رشدك، ووفقك في أمورنا.

فالضحاك أطاع أمر معاوية ومدح يزيد وجعله كمعاوية، أما قوله: فإنه ليس أحد أحق بها منه، فهذا كذب صريح ونفاق واضح.
ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد احدودبت علينا سُيَسَاؤه، واقطوطبت علينا أدواؤه، وأناخت علينا أنباؤه، نحن نشير عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظراً، وأثبتنا بصراً، ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا علانيته ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطاً وبه اغتباطاً مع ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك ولا تضيق به ذرعاً، فالله تعالى يقيم به الأود، ويردع به الألد، ويؤمن به السبل، ويجمع به الشمل، ويعظم به الأجر ويحسن به الذخر ثم جلس.
فقام ثور بن معن السلمي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب، وظله ذاهب، مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع، ويزيد بن أمير المؤمنين، أقدمنا شرفاً وأبذلنا عرفاً، وقد دعانا إلى الرضا به والقنوع بولايته والحرص عليه والاختيار له ما قد عَرفنا من صدق لسانه ووفائه وحسن بلائه، فاجعله لنا بعدك خلفاً؛ فإنه أوسعنا كنفاً وأقدمنا سلفاً، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعث ونكال لمن فارق ونافق، وسلم لمن واظب وحافظ للحق، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة والخير فيما أراد والتوطن في البلاد وصلاح أمر جميع البلاد.
ثم قام عبد الله بن عصام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة نخاف حدها، وننتظر جدها شديد منحدرها، كثير وعرها شامخة مراقيها، ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، لا يخلد في الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد، وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك، ومأخوذ بولايتك، وأنت أنظر للجماعة، وأعلى عيناً بحسن الرأي لأهل الطاعة، وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأياً وأجمعها رضاً، فاقطع بيزيد قالة الكلام، ونخوة المبطل، وشعث المنافق، واكبت به الباذخ المعادي؛ فإن ذلك ألم للشعث وأسهل للوعث، فاعزم عَلَى ذلك ولا تترامَ بك الظنون.
ثم قام عبد الله بن سعدة الفزاري، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إن الله قد آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، وجعلك عصمة لأوليائه، وذا نكاية لأعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلاً، ولما حملك محتملاً، يكشف الله تعالى بك العمى، ويهدي بك العدا ويزيد بن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة، وأحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الأمور، وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه، ولا بالكبير السفيه، قد احتجن المكارم، وارتجي لحمل العظائم، وأشد الناس في العدا نكاية، أحسنهم صنعاً في الولاية، وأنت أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز لنفسك، أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد والنعمة في غير تغيير.
فقال معاوية:
أو كلكم قد أجمع على هذا رأيه؟.
فقالوا: كلنا قد أجمع رأيه عَلَى ما ذكرنا.
قال: فأين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم؟.
فقام الأحنف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أصلح الله أمير المؤمنين، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مُؤتنف، ويزيد بن أمير المؤممنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم اعص أمر من يأمرك، ولا يغررك من يشير عليك ولا ينظر لك؛ وأنت أنظر للجماعة، وأعلم باستقامة الطاعة مع أن أهل الحجاز أو أهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيًّا.
فغضب الضحاك بن قيس فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أصلح الله أمير المؤمنين، إن أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، وأُلفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم، كما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلاً وبطراً لا يرقبون من الله راقبة؛ ولا يخافون وبال عاقبة اتخذوا إبليس لهم رباً؛ واتخذهم إبليس حزباً فمن يقاربوه لا يسروه، ومن لا يفارقوه لا يضروه.H
فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم وكلامهم في صدورهم ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه، هيهات، لا تورث الخلافة عن كلالة، ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل وتربحوا من الآجل.
ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه وقال:

يا أمير المؤمنين، إنا قد فررا عنك قريشاً فوجدناك أكرمها زنداً وأشدها عقداً وأوفاها عهداً، وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ولم تظهر عليها قعصاً، ولكنك أعطيت الحسن بن عليّ من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك، فإن تف، فأنت أهل الوفاء، وإن تعذر تعلم والله إن وراء الحسن خيولاً جياداً وأذرعاً شداداً وسيوفاً حداداً، إن تدن له شبراً من غدر، تجد وراءه باعاً من نصر، وإنك تعلم أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا عليًّا وحسناً منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك خير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع عليّ يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من عليّ.

ثم قام عبد الله بن عثمان الثقفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأي الناس مختلف، وكثير منهم منحرف لا يدعون أحداً إلى رشاد، ولا يجيبون داعياً إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية، فإذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلماً وعلماً، وأوسعنا كنفاً، وخيرنا سلفاً، قد أحكمته التجارب وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص، لسانه ملتو وفي صدره داء دويّ، إن قال فشر قائل، وإن سكت فداء غائل، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة واجمع به شمل الأمة، فلا تحد عنه إذا هديت له ولا تنش عنه إذا وقفت له، فإن ذلك الرأي لنا، ولك الحق علينا وعليك، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه.
فقام معاوية فقال:

أيها الناس إن لإبليس من الناس إخواناً وخلاناً، بهم يستعدي وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعاً أوجفوا، وإن استغنى عنهم أرجفوا، ثم يلحقون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا إلى غيّ أسرفوا، وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع، فأولى لأولئك ثم أولى فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئاً أو نفع النذر.
فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة ـــ وترك المغيرة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ثم قام أبو خنيف فقال:
يا أمير المؤمنين: إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها، أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، وسلَّ سيفه، فقال معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم.
قم قام الأحنف بن قيس فقال:
أنت أعلمنا بليله ونهاره، وبسره وعلانيته، فإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا ربنا وإليك المصير.

هذا ما دبره معاوية ليولي ابنه يزيد الخلافة بعده، وفي ذلك نقض لما شرطه عليه الحسن، وقد سمع معاوية الخطباء الذين تكلموا فمدحوا يزيد وأثنوا عليه ثناء عاطراً وطلبوا توليته لاستحقاقه، وقد أجمعوا على ذلك بناء على إيعاز سابق، ولم يخالفهم غير الأحنف بن قيس، وكان كما ذكرنا في الهامش من دهاة العرب وعقلائهم، فإنه دعا معاوية إلى الوفاء للحسن وصرح له أن وراء الحسن خيولاً وجياداً وأذرعاً شداداً وسيوفاً حداداً، أي أن له شيعة قوية تسنده وتحارب من أجله، وفي هذا تهديد ووعيد، لم يرد عليه معاوية حتى قال له: واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدّمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما، لم يرد عليه لأنه لم يشاء إثارة هذا الموضوع في مجتمع حافل فيه من يقدِّر عليًّا وأولاده ومن يفضل الحسن على يزيد، فأعرض معاوية عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة 50هـ فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير وأمر حاجبه أن لا يؤذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية فقال:

الحمد لله الذي أمرنا بحمده ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإني قد كبر سني ووهن عظمي وقرب أجلي وأوشكت أن أُدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد، ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها، وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسناً وحسيناً إلا أنهما أولاد أبيهما، على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيراً رحمكم الله.

رد عبد الله بن عباس على معاوية
فتكلم عبد الله بن عباس فقال:

الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وصلى الله على محمد وآل محمد، أما بعد فإنك قد تكلمت فأنصتنا وقلت فسمعنا، وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمداً صلى الله عليه وسلم لرسالته واختاره لوحيه وشرّفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرّف به وأولاهم بالأمر أخصهم به، وإنما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمداً بعلمه وهو العليم الخبير والله لي ولكم.
أشار ابن عباس إلى أن أقارب النبي هم أولى بالأمر ولم يخص الحسن والحسين.

رد عبد اللَّه بن جعفر
الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه نحمده على إلهامنا حمده ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا هو واحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإن هذه الخلافة إن أخذ فيه بالقرآن فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله فأولو رسول الله، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول، وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ولأُطيع الرحمن وعُصي الشيطان، وما اختلف في الأمة سيفان، فاتق الله يا معاوية فإنك قد صرت راعياً ونحن رعية، فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غداً، وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقل أو دع، وأستغفر الله لي ولكم.
صرّح عبد الله بن جعفر أن أولي الأرحام أولى، وبعبارة أخرى أولي رسول الله وقال: إنه كان ينبغي لمعاوية أن يستدعي الحسن والحسين.

رد عبد الله بن الزبير

الحمد لله الذي عرفنا دينه وأكرمنا برسوله، وأحمده على ما أبلى وأولى وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية، وأفعالها المرضية مع شرف الآباء وكرم الأبناء، فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ خلّف حسناً وحسيناً، وأنت تعلم من هما وما هما، فاتق الله يا معاوية وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك.

رد عبد الله بن عمر
الحمد لله الذي أكرمنا بدينه وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقليّة ولا قيصرية ولا كسراوية يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك، كنتُ القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطاً مشروطاً وإنما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلاً ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم من كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئاً.

تعقيب معاوية على كلام العبادلة
قد قلت وقلتم، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فابني أحب إليّ من أبنائهم مع أن ابني إن قاولتموه، وجد مقالاً، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولّى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله.

ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد ولم يقطع عنهم شيئاً من صلاتهم، ثم انصرف راجعاً إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين.

وفاة الحسن رضي الله عنه سنة 49هـ (669م)

توفي الحسن رضي اللهعنه بالمدينة سنة 49 هجرية بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين.
ودفن بالبقيع وصلى عليه سعيد بن العاص وكان أميراً بالمدينة، قدمه الحسين للصلاة على أخيه رضي الله عنهما، وقال: لولا أنها سنة ما قدمتك.
وقد سمَّته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر، غير أن هذا غير ثابت، وبقي مريضاً أربعين يوماً.

ودخل الحسين عَلَى الحسن رضي الله عنهما في مرضه فقال: يا أخي، إني سقيت السم ثلاث مرات، فلم أسق مثل هذه المرة، إني لأضع كبدي، فقال الحسين: من سقاك يا أخي؟ قال: ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم، كِلْهم إلى الله.
ولما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه:

يا أخي إن أبانا رحمه الله تعالى لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة، تشوّف إليها أيضاً ــــ أي تشوّف إلى الخلافة ــــ فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر، جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها، فما صفا له شيء منها، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرفنك استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا أنا مت فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها، وما أظن إلا القوم سيمنعونك إذا أردتَ ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك وادفني في بقيع الغرقد.

فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال؛ كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة، فبلغ الحسين فدخل هو ومن معه في السلاح، فبلغ ذلك مروان فتسلح أيضاً، فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: والله ما هو إلا ظلم يمنع الحسن أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لابن رسول الله، ثم انطلق إلى الحسين وناشده الله، وقال له: أليس قد قال أخوك إن خفت أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل وحمله إلى البقيع فلم يشهده يومئذٍ من بني أمية إلا سعيد بن العاص، وكان يومئذٍ أميراً عَلَى المدينة فتركوه، فشهد دفنه في المقبرة وقال: هي السنة وخالد بن الوليد بن عقبة ناشد بني أمية أن يخلوه يشاهد الجنازة فتركوه فشهد دفنه، ودفن إلى جنب جدته فاطمة بنت أسد، والعجب أن لا يحتفل بنو أمية بدفن الحسن رضي الله عنه مع أنه صالح معاوية وحقن دماء المسلمين ولم يرق دماً فكان مسالماً كارهاً للقتال ومع ذلك احتفل المسلمون بدفنه احتفالاً مهيباً وكثر الزحام واشتد، قال ثعلبة بن أبي مالك:
شهدت الحسن يوم مات ودفن في البقيع، فلقد رأيت البقيع لو طرحت فيه إبرة ما وقعت إلا عَلى رأس إنسان ـــ وذلك لشدة الزحام ـــ وأقام نساء بني هاشم عليه النواح شهراً ولبسوا الحداد سنة.

وكان عمره رضي الله عنه حين مات 47 سنة وكانت مدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام.

إن جميع المصادر العربية تقول: إن الحسن مات مسموماً، لكن دائرة المعارف الإسلامية التي ألفها جماعة من المستشرقين زعمت أنه مات بمرض السل لإفراطه في الشهوة فهو على ذلك ليس بسيد الشهداء وقالت: إنه مات في الخامسة والأربعين من عمره، وقال النجاشي الشاعر يرثه:

جعدة بكيه ولا تسأمي
بعد بكاء المعول الثاكل
لم يسبل الستر على مثله
في الأرض من حاف ومن ناعل
كان إذا شبت له ناره
يرفعها بالسند الغاتل
كيما يراها بائس مرمل
وفرد قوم ليس بالآهل
يغلي بنيء اللحم حتى إذا
أنضجه لم يغل كل آكل
أعني الذي أسلمنا هلكه
للزمن المستخرج الماحل

وقال آخر:
تأسّ فكم لك من سلوة
تفرّج عنك غليل الحزن
بموت النبيّ وقتل الوصيّ
وقتل الحسين وسم الحسن

هذا وقد صرح الحسن لأخيه الحسين أنه سقي السم ثلاث مرات، وإن لم يصرح له بمن سقاه، قال ابن خلدون: وما ينقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك.

وقع نعي الحسن رضي الله عنه عَلَى معاوية

وفد عبد الله بن عباس عَلَى معاوية، قال: فوالله إن لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء، فكبر أهل الخضراء ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل من خوخة لها فقالت: سرّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن علي، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكت، وقالت: مات سبط سيد المرسلين وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال معاوية: نعما والله ما فعلت إنه كان كذلك أهلاً أن يبكى عليه، ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي الله عنهما فراح فدخل عَلَى معاوية، فقال معاوية: علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبّرت؟ قال: نعم، قال: والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادّة حفرتك، ولئن أصبنا به فقد أصبنا بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بسيد الأوصياء فجبر الله تلك المصيبة ورفع تلك العبرة، فقال: ويحك يا ابن عباس ما كلمتك إلا وجدتك معدًّا.

بيعة معاوية لابنه يزيد

لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن إلا يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام وكتب بيعته إلى الآفاق وكتب بذلك إلى مروان بن الحكم، عامله على المدينة وأمره بجمع من قِبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ليبايعوا ليزيد، فكتب إليه مروان أن قريشاً أبت مبايعته، فعزله معاوية وولى مكانه سعيد بن العاص، فغضب مروان ودخل عليه وقال له فيما قال: أقم الأمر يا ابن ـــ أبي ـــ سفيان، واهدأ من تأميرك الصبيان، واعلم أن لك في قومك نظراً، وأن لهم على مناوأتك وزراً.
أما سعيد بن العاص، فدعا أهل المدينة إلى البيعة ليزيد وأخذهم بالعزم والشدة كما أمره معاوية، فأبطأ عنه الناس ولم يجبه أحد من بني هاشم، وجاهر عبد الله بن الزبير بالعداوة، فأرسل معاوية كتباً إلى عبد الله بن عباس وإلى عبد الله بن الزبير وإلى عبد الله بن جعفر وإلى الحسين، وأمر سعيداً أن يوصلها إليهم وأن لا يشتد على الحسين وأن يحذر ابن الزبير، لكنهم ردوا عليه مظهرين كراهيتهم لبيعة يزيد، وظل الأمر كذلك إلى أن خرج معاوية حاجًّا ثم عاد إلى المدينة ففاوضهم لكنه لم ينجح في استمالتهم وأخيراً رجع إلى الشام.

أما يزيد، فكان الشائع عنه أنه يشرب الخمر، ويلهو بالقيان ويستهتر بالفواحش ومن شعره:

جاءت بوجه كأن البدر يُرْقعُه
نوراً على مائس كالغصن معتدلِ
إحدى يديها تعاطيني مشعشعة
كخدها عَصْفَرَته صِبْغةُ الخَجَلِ
ثم استبدت وقالت وهي عالمة
بما تقول وشمسُ الراح لم تَفِلِ
لا ترحلن فما أبقيتَ من جَلَدي
ما أستطيع به توديع مُرتَحِلِ
ولا من النوم ما ألقى الخيالَ به
ولا من الدمع ما أبكى على الطللِ

وذكره الحسين أمام معاوية فقال:

وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيماأخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لأترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصراً.

هذه نشأة أولاد الطبقة الأرستقراطية عادة، فهم لا يعبأون بالتعاليم الدينية ولا يعرفون الحلال من الحرام وإنما همهم التعلق بأنواع المسليات والملاهي والصيد والقنص والرقص والغناء وشرب الخمور، فتربية يزيد كانت خلاف تربية أولاد الصحابة إذ كانت تربيتهم دينية محضة، وقد استطاع معاوية ــــ بسلطته ــــ أن يأخذ البيعة لابنه من أهل الشام لكنه لم يستطع أن يؤثر في أهل المدينة، فلما مات جنح يزيد إلى استعمال القوة في حملهم على مبايعته وقال: والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم.

رثاء أخيه محمد بن الحنفية

لما دفن الحسن رضي الله عنه، وقف محمد بن الحنفية أخوه على قبره فقال:
لئن عزّت حياتك؛ لقد هدت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى، وخلف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غذّتك بالتقوى أكف الحق، وأرضعتك ثدي الإيمان، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيًّا وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخيّة بفراقك رحمك الله أبا محمد.

وفي رواية أن محمداً وقف على قبره وقال:
أبا محمد، لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن عليّ المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى.
ثم أنشد يقول:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي
وخدك معفور وأنت سليب
أأشرب ماء المزن من غير مائه
وقد ضمن الأحشاء منك لهيب
سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة
وما اخضر في روح الحجاز قضيب
غريب أكناف الحجاز تحوطه
ألا كل من تحت التراب غريب

رثاء رجل من ولد أبي سفيان بن الحارث
وقام رجل من ولد أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب على قبره فقال:

إن أقدامكم قد نقلت، وإن أعناقكم قد حملت إلى هذا القبر وليًّا من أولياء الله ليبشر نبي الله بمقدمه، وتفتح أبواب السماء لروحه، وتبتهج الحور العين بلقائه، ويأنس به سادة أهل الجنة من أمته، ويوحش أهل الحجى والدين فقده رحمة الله عليه وعنده تحتسب المصيبة به.

من خطبه وكلامه رضي الله عنه

ومن خطب الحسن رضي الله عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال:

نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني كتاب الله فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعوّل عليه في كل شيء لا يخطئنا تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطون منهم، وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدوّ مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما ترون، فتلفون للرماح إزراً وللسيوف جزراً وللعمد خطأ وللسهام غرضاً ثم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً والله أعلم.
وكان عليّ رضي الله عنه اعتل فأمر ابنه الحسن رضي الله عنه أن يصلي بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
إن الله لم يبعث نبياً إلا اختار له نفساً وَرَهْطاً وبيْتاً، فوالذي بعث محمداً بالحق لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله مثله، ولا يكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين.

خطبة الحسن بعد وفاة أبيه:
لما توفي عليّ رضي الله عنه خرج الحسن إلى المسجد الأعظم فاجتمع الناس إليه فبايعوه ثم خطب الناس فقال:
أفعلتموها، قتلتم أمير المؤمنين، أما والله لقد قُتل في الليلة التي نزل فيها القرآن ورُفع فيها الكتاب وجف القلم، وفي الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران وعُرج فيها بعيسى.

ولما رأى من أصحابه فشلاً وتواكلاً، قام فيهم خطيباً وقال:
أيها الناس إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة، وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأياً، فلا تردوا عَلَيّ رأيي، إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة، وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب وفشل عن القتال، ولست أرى أن أحملكم عَلَى ما تكرهون.

وقال رضي الله عنه:
حسن السؤال نصف العلم، وقال: من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه، وسئل عن الصمت، فقال: هو سر العي، وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه في أمن.

وقيل له: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحّة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله، لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له.

وكان الحسن رضي الله عنه يقول:
يا ابن آدم؛ عف عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله لك تكن غنيًّا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً.

وقيل: سأله أبوه يوماً قائلاً: يا بنيّ ما السداد؟ فقال: دفع المنكر المعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة والاحتمال للجزيرة، قال: فما السماح؟ قال البذل في العسر واليسر، قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء ماله وبذله عرضه، قال: فما الجبن؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو، قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ، قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس، قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس، قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند الصدمة، قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك، قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم وتعفو في الجرم.قال: فما السؤدد؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح، قال: فما السفه؟ قال: اتباع الدناءة ومحبة الغواية، قال: فما الغفلة؟ قال: ترك المسجد وطاعة المفسد.
وكان يقول: لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الداران جميعاً.

ويقول: هلاك الناس في ثلاث: في الكِبْرِ والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل وهابيل.
ويقول لبنيه وبني أخيه: تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم.
ومن شعره قوله:

اغن عن المخلوق وبالخالق
تغن عن الكاذب والصادق
واسترزق الرحمن من فضله
فليس غير اللَّه بالرازق
من ظنّ أن الناس يغنونه
فليس بالرحمن بالواثق
من ظنّ أن الرزق من كسبه
زلت به النعلان من حالق

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
سيداحمدالعطار
خـا د م الـمـنـتـد ى
avatar

عدد المساهمات : 737
تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 54

مُساهمةموضوع: رد: السبط الأول الحسن بن عليّ رضى الله عنه   الثلاثاء 07 أغسطس 2012, 7:58 am

من مختصر سيرة الصـــــــحابة

التقي الطيب
الحسن بن علي رضى الله عنهما
إنه الحسن بن علي -رضي الله عنه-،
سيد شباب أهل الجنة، وحفيد رسول الله
(، أمه السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(، وأبوه ابن عم رسول الله ( علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ولد في النصف الثاني من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فلما علم رسول الله ( بمولده ذهب إلى بيت علي، فقال: (أروني ابني، ما سميتموه؟) فقال علي -رضي الله عنه-: حرب. فقال النبي (: (بل هو حسن) [أحمد والطبراني].
وفي اليوم السابع من مولده، أقام النبي ( عقيقة له، وذبح كبشًا، وحلق رأس الحسن، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة. [أبوداود وابن حبان].
وكان جده ( يحبه كثيرًا، ويقول عنه وعن أخيه الحسين: (هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما، فأحبهما وأحب من يحبهما) [الترمذي]، وقال (: (هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم عليَّ، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة). [الترمذي].
وأخذه رسول الله ( يومًا إلى المسجد، فصعد به المنبر وأجلسه إلى جواره، وقال لأصحابه: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [البخاري].
كان -رضي الله عنه- أشبه الناس برسول الله (، وذات يوم رآه أبو بكر الصديق وهو طفل يلعب فحمله، وقال له مداعبًا:
بأبي شبيه النبي ليس شبيهٌ بعلي
فتبسم والده الإمام علي من قول الصديق. [البخاري].
وكان النبي ( إذا سجد يقفز الحسن والحسين على ظهره، فلا يقوم النبي ( من سجوده حتى يتركاه، وكان لا ينهرهما ولا يغضب منهما.
وذات يوم، رأى أحد الصحابة رسول الله ( يحمل الحسن على ظهره، فقال: نعم المركب ركبت يا غلام. فقال رسول الله (: (ونعم الراكب هو) [الترمذي].
ونشأ الحسن -رضي الله عنه- متصفًا بصفات رسول الله (، فكان عابدًا حليمًا، ورعًا، فاضلا، وكان ذا هيبة ووقار، فسمّي التقي، والطيب، والذكي، والولي.
سأل رجل الحسن ذات يوم: أتخاف من عذاب الله وعندك أسباب النجاة؟ ابن رسول الله (، وشفاعته ( لك، ورحمة الله التي وسعت كل شيء؟
فقال الحسن -رضي الله عنه-: أما إني ابن رسول الله ( فالله تعالى يقول: {إذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]. وأما عن الشفاعة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: {من ذا
الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]. وإما الرحمة التي وسعت كل شيء، فالله يقول: {فسأكتبها للذين يتقون}_[الأعراف: 156]، فكيف الأمان بعد ذلك؟!
وكان -رضي الله عنه- جوادًا كريمًا، شجاعًا بطلاً، وقد شارك في فتح شمال أفريقيا وطبرستان، والدفاع عن عثمان بن عفان يوم قتل، ووقف مع أبيه في موقعة الجمل وصفين وحروبه ضد الخوارج.
وكان -رضي الله عنه- حريصًا على المسلمين وعدم تفرقهم، فتنازل عن الخلافة لما علم أن ذلك سيؤدي إلى قيام حرب بين المسلمين، فلما تنازل عن الخلافة؛ أصلح الله بذلك بين الفئتين كما أخبر بذلك رسول الله ( حين قال: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [البخاري].
وسمي العام الذي تنازل فيه الحسن عن الخلافة لمعاوية -رضي الله عنه- بعام الجماعة، وكان ذلك سنة (40هـ).
وكان إذا تردد في أمرين لا يدرى أيهما أقرب إلى الحسن؛ نظر إلى أيهما أقرب من هواه فخالفه واتقاه. وكان -رضي الله عنه- فصيحًا، له كثير من الأقوال المأثورة التي تحمل معاني الحكمة منها:
- إن المؤمن من تصغر الدنيا في عينه، ويخرج على سلطان بطنه وفرجه وجهله، لا يسخط ولا يشكو، إذا جالس العلماء كان أحرص الناس على أن يسمع منهم على أن يتكلم، لا يشارك في ادعاء، ولا يدخل في مراء (جدل).
- لا أدب لمن لا عقل له، ولا سؤددا (لا سيادة) لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له.
- هلاك الناس في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد؛ فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس. والحرص عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء، وبه قتل قابيل هابيل.
وفي ربيع الأول سنة (50 هـ) توفي الحسن -رضي الله عنه- ودفن بالبقيع، وقد روى -رضي الله عنه- كثيرًا من الأحاديث عن جده (.

_________________


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فوضت أمرى إلى خالقى وقلت لقلبى كفاك الجليل
مدبر أمرى ولاعلـم لى فهو حــسبى ونعم الوكــيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خـــادم الإمام الرفاعى
ســـيـد أحـمـد العطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydatar.ahlamontada.com
 
السبط الأول الحسن بن عليّ رضى الله عنه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرفاعي ســــــيـد أحــمــد الـعطـــار  :: خاص بآل البيت-
انتقل الى: